الإعلام الحربي – خاص
ما أكثر الذكريات.. وما أجملها من أيام.. ذكريات تتوالى في صفحات تاريخٍ مشرف.. وصفحات عزٍ وجهادٍ طويل.. صفحات شرفٍ من ذهب.. عنوانها "الدم هو الخيار".. وما بين سطورها "ملحمة الإباء".. وفي نهايتها "نصر أو شهادة"...
على عتبات المخيم الجريح.. ذاك المخيم الشامخ شموخ الجبال.. عادت بنا الذاكرة.. إلى حيث يجب أن تنتصب هذه الذاكرة.. إلى مخيم "الإسطورة".. إلى مخيم الفتّى الذي هز "جند الكيان".. إلى حيث كان يتواجد "نور أبو عرمانة".. ذاك الفتى الذي مرغ أنف بني صهيون على عتبات منزله الفقير...
ذكريات طويلة.. عنوانها من جديد "الدم هو الخيار".. ذكريات لا تنتهي أبداً ما بقي الاحتلال.. ذكريات نستمد منها قوتنا.. فالدم الذي روي أرض فلسطين لن يُنتسى.. والعهد مع الشهداء هو الذي يبقي.. والرصاصة هي عنوان هذا الدم المتدفق من بين أزقة المخيمات...
تفاصيل العملية العسكرية
حرب شوارع.. مقاومة بطولية عنيفة.. فشل جديد لجيش الإرهاب.. تلك عناوين المشهد البطولي الذي سطره احد فتيان سرايا القدس علي عتبات مخيم البريج فجر الخميس 25/9/2003م .
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة فجرا عندما تسللت جيبات صهيونية من نوع هامر لا تحدث صوتا –حتى لا يكتشفها أحد – من أحد الطرق الجانبية في الاتجاه الشمالي الشرقي لمخيم البريج بهدوء شديد.
الدبابات الحربية الصهيونية انتظرت على أطراف المخيم في شارع صلاح الدين للتدخل عند الحاجة كما يبدو، فيما تواصل تحليق المروحيات الصهيونية التي لم تفارق سماء المخيم منذ ساعات مساء الأربعاء.
عيون أبناء الوطن الساهرة من أبطال الرصد والمتابعة اكتشفوا القوات الصهيونية الخاصة و أجروا اتصالاتهم مع رجال المقاومة بوجود قوات خاصة متخفية تعززها جيبات عسكرية خلفها، أخذ المقاومون استعداداتهم وودع المجاهدون أحبابهم و خرجوا للقاء الغزاة.
انتشر المجاهدون في شوارع البريج.. هذا يزرع عبوة ناسفة و آخر ينصب كمينا و ثالث يتخذ ساترا و غيرهم يتمركز لإطلاق الصواريخ.. و متطوعوا رجال الإسعاف أعدّوا أنفسهم ليوم طويل؛ لكن جيش الاحتلال لم يصل إلى داخل المخيم فماذا حدث ؟؟!!.
بدأت أولي الاشتباكات العنيفة في أزقة المخيمات بين المجاهدين وقوات الاحتلال التي حاولت اعتقال القائد في سرايا القدس "فارس شاهين"، وادعت مصادر العدو أنه قتلت المجاهد "شاهين" والذي فيما بعد تبين أنه تمكن من الانسحاب بسلام بعد أن تمكن الشهيد القائد "نور أبو عرمانة" بتشكيل الغطاء لانسحابه.
لقد قام الشهيد الفارس "نور أبو عرمانة" باستدراج القوات الصهيونية الخاصة من بيت لآخر بحثاُ عن "فارس شاهين" الذي كان بدوره في منطقة آمنة، ومن زقاق إلى زقاق ومن بيت إلى بيت، إلى حين أن استقر المقام بالشهيد البطل "نور" إلا أن يتحصن في منزل عمه وهنا بدأت الحكاية!!.
تقدم اثنين من القوة الصهيونية الخاصة إلى المنزل وقاموا بعملية تفتيش في الطابق الأرضي، ومن ثم انتقلوا إلى الطابق العلوي الذي كان به الفارس يتربص بفريسته، وما أن طرقت أقدامهم أبواب "الصالون" داخل الطابق العلوي وإذا بالمغوار يصليهم بزخات من الرصاص فيرديهم قتلي، وفي حينها أدرك باقي أفراد الوحدة الصهيونية المهمة الصعبة التي بدت تزداد قوتها مع استنفار كافة المجاهدين في المنطقة والاشتباكات التي تدور في محيط المكان، مما استدعي بأفراد القوة الصهيونية الخاصة بطلب مزيد من الدعم العسكري البري والجوي.
ومع في ظل استمرار الاشتباكات العنيفة تقدمت الآليات الصهيونية بكثافة إلى المكان وما كان من المجاهدين إلا أن يستهدفوها بالعبوات الناسفة والصواريخ الموجهة والمضادة للدروع وذلك رغم التحليق المكثف للطيران الحربي الصهيوني الذي بات يطلق نيران أسلحته الثقيلة باتجاه المواطنين والمقاومين.
الاشتباكات لا زالت مستمرة كما هي عليه في خارج المنزل الذي يتحصن به الفارس "نور أبو عرمانة" والقوات الصهيونية الخاصة تدرس اقتحام الطابق العلوي مرة أخرى، فقامت القوة الصهيونية بإرسال "كلبة مدربة" باتجاه الطابق فقام الشهيد بقتلها علي الفور وتقدم الجنود فيما بعدها وخاض الشهيد القائد بذاته ملحمة كبيرة مع الجنود وجهاً لوجه عن مسافة لا تتعدي ال 20 متر، فقتل منهم ثلاثة آخرين وأصاب اثنين وانسحبت القوة بعد قتل الشهيد مباشرة وتركت خلفها ذخيرة لأحد قتلاها ومعدات.
نور في سطور
بوركت الطهارة، بوركت الشهادة، بورك شهيدنا نور عبد القادر أبو عرمانة الذي قال بدمه لا، حتى آخر قطرة من دمه، فأصبح عظيماً في زمن قال فيه المنهزمون نعم، فأمسوا صغاراً صغاراً، لا قِبَلَ لهم بعزم وصدق الشامخين الأبرار، وليدفنهم ثرى وطن خضَّبه دم الشهداء .. بوركت اللحظة التي تقدم فيها نور بكل ما يملك من عشق لهذا الدين ليدافع عن حلمه وحلم كل الفقراء.. ها هو شهيدنا وهو يحمل البندقية الطاهرة.. لتكتب التاريخ الحقيقي انتصاراً ومجداً للجهاد والإسلام.. وهي تكتب على الجانب الآخر أشلاء ممزقة وصرخات بني صهيون سكن صدورهم وعيونهم رصاص المجاهدين..
ولد الشهيد الفارس نور كما جميع أبناء هذا المخيم الصامد في رحلة من العذاب والشقاء، لعائلة متواضعة من عائلات بلدة سَلَمة التي هجّرها الإحتلال الغاصب عام 1948م، فكان لعائلته قدرها من عناء هذه النكبة التي أصابت جميع أبناء فلسطين، ليعيشوا الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة صراع مستمرة مع العدو وآلة القهر والظلم التي يمتلكها، فكان لعائلة أبو عرمانة قدرها من هذا الظلم حيث عاشت الشعور بالانتماء الحقيقي لهذا الوطن، فجُبلت شخصية الأبناء في هذه العائلة على العطاء لهذا الوطن، وهذا قدرهم، فربى والد الشهيد أبناءه على الدين والأخلاق الكريمة فكان شهيدنا البطل مثالاً يحتذى في مكارم الأخلاق.
الشهيد نور شاب قوي البنية، كريم الخُلق يتفانى في خدمة الجميع، فكان لا يرد من طلب خدمته، ورحمه الله كان ودوداُ، لا تفارقه البسمة، يوقر الكبير ويحنو على الصغير، يحبه الجميع لطيب قلبه وحسن معاملته للجميع، شجاعاً رحمه الله لا يهاب شيء في قول الحق، صبوراً على الدنيا ومرارها.
انتسب الشهيد نور لحركة الجهاد الإسلامي، ولشدة صدقه تم اختياره ليكون من أبناء الجناح العسكري (سرايا القدس)، حيث التحق بجهاز السرايا عقب استشهاد صديقيه العزيزين الشهيد محمد حسين .. والشهيد أحمد أبو شمالة.
وخضع الشهيد إلى دورة تدريب مكثفة وشاقة في استخدام الأسلحة الرشاشة بأنواعها المختلفة، والقنابل اليدوية.شارك شهيدنا نور في إطلاق العديد من قذائف الهاون على المستوطنات الصهيونية، كما وقام بزرع العبوات الناسفة في الطرق الالتفافية التي يسلكها جنود الاحتلال في خطوط التماس مع العدو قرب مستوطنات نتساريم وكفار داروم وشرقي مخيم البريج. وأهلته شدة ذكائه وإقدامه للمشاركة في قيادة سرية عشاق الشهادة التابعة للسرايا في منطقة الوسطى لقطاع غزة، وكان قائداً لجميع عناصر الرصد في المنطقة الوسطى، وكان شهيدنا نور وحتى آخر ليلة استشهاده من العيون الساهرة على راحة وأمن سكان منطقة البريج بشكل خاص والوسطى بشكل عام، حيث شارك في صدِّ جميع الإجتياحات التي استهدفت المخيم، وترأس توزيع المجموعات على محاور وجود العدو الصهيوني.
وقد عثر مجاهدو سرايا القدس عقب المعركة على بزة عسكرية تحمل الرقم ( 72479216 ) للجندي "آفي بو رمن".
بعد ذلك صب الجنود الصهاينة جام غضبهم على المنزل واستدعوا تعزيزات إضافية للقضاء على فارس وأسد السرايا نور وبعد اشتباكات مستمرة ارتقى نور الى العلياء شهيداً كما العظماء، محتضناً سلاحه الرشاش يأبى فراقه، وصعدت روحه إلى بارئها طيبة مباركة فرحة بما قامت به في سبيل الله وانتصاراً للمعذبين والمستضعفين من أبناء مخيمه الصامد. وبكل الفخر والاعتزاز يتناول أطفال وشباب البريج مجريات المعركة الذي سطرها نور ابن سرايا القدس، الذي مرغ أنف صهيون التراب على حداثه سنه.
وتعليقاً على الاجتياح مخيم البريج قالت المصادر الصهيونية: إن المعركة التي قادها شهيدنا نور في مواجهة القوات الصهيونية لهي من أصعب وأعنف المعارك التي لا قاها الصهاينة في الاجتياحات السابقة.
رحمك الله يانور .. يا من سطَّرت أروع الملاحم والبطولات في معسكرك الصامد ..وأحلت جندهم وأمتعتهم أشلاءً يلهو بها الصبيان .. ليُحفر في قلوب أطفالنا .. فارس وبطل اسمه نور .
رحمك الله يانور .. يا من سطَّرت أروع الملاحم والبطولات في معسكرك الصامد ..وأحلت جندهم وأمتعتهم أشلاءً يلهو بها الصبيان .. ليُحفر في قلوب أطفالنا .. فارس وبطل اسمه نور .










