بقلم: توفيق السيد سليم
منذ
عشرات السنين والشعب الفلسطيني يقدم التضحيات الجسام عبر كواكب لا تنتهي من
الشهداء وقوافل لا حصر لها من الأسرى والجرحى والمبعدين والمضطهدين والمعذبين
والمسحوقين على مرأى ومسمع من العالم الظالم بقيادة دعاة الديمقراطية والمساواة
وحقوق الإنسان والحيوان... وغيرها من المسميات التي لم تنطلي على أحد من عقلاء
الأمة...
تلك
التضحيات ما زادت المؤمنين المخلصين من أبناء الأمة إلا ثباتا ويقينا وإيمانا بأن
وعد الله بالنصر والتمكين قادم لا محالة، وأن النصر مع الصبر، متسلحين بآيات "الإسراء"
وعيونهم ترقب الفجر الآتي من فوهات بنادق المجاهدين وشظايا صواريخهم وعبواتهم
الناسفة وأشلائهم المتناثرة حمماً وشظايا في قلب الكيان المزعوم... ليعود للقدس
عزها وللاجئين كرامتهم ولفلسطين كل فلسطين ابتسامتها...
أما أولئك "النفر" الذين ارتضوا
لأنفسهم الارتماء في أحضان الكافر المستعمر والاحتكام لقوانينه وتشريعاته ودساتيره
بعد أن جعلوا دستور الأمة (القرآن) وراء ظهورهم، فلا زالوا يسيرون على غير هدى،
قائدهم في ذلك "حزمة" معاهدات واتفاقيات لم تزدهم إلا بعدا عن جادة الطريق،
ولم تزد الأمة إلا خسرانا وضياعا وتيها وتآكلا في حقوقها وتدنيسا لمقدساتها ونهبا
لأراضيها...
فمنذ
مدريد وأوسلو وما تبعهما من محطات التفاوض والتنازل، يُصر أولئك "النفر"
على أن خيارهم الاستراتيجي هو التفاوض "فاوض.. ثم فاوض.. ثم فاوض!"، حتى
باتت "حياتهم مفاوضات" ولغيرهم معاناة وآهات وعذابات.. بعد أن أحرقوا
سفنهم وكسروا رماحهم وتسلحوا بإمضاءاتهم وتوقيعاتهم عقب كل جولة من جولات القتال
التفاوضي الدامي!
والآن
وبعد أن ذهب القوم إلى هناك... حيث استجداء "دولة" على رؤوس الأشهاد في
المحفل الأممي الذي ما أنصف مظلوما.. وما أعاد حقوقا.. ولا كرامة قط... ماذا
حققنا؟ وماذا ينتظرنا؟ أولهذا ارتقى الشهداء؟ وزجّ بعشرات الآلاف من خيرة شبابنا
وبناتنا في السجون والمعتقلات؟ وانتقصت أرضنا من أطرافها في ماراثون استيطاني لا
يتوقف؟
قبل
وبعد توجه "القوم" إلى الأمم المتحدة، كان الجميع على قناعة أن الدولة
الموعودة محكوم عليها بفيتو أمريكي "مدروس" ومبادرات أوروبية خبيثة
ودعوات دولية مشبوهة لإحياء عملية التسوية، لنبدأ بعدها مرحلة جديدة من مراحل
التفاوض المذل مع الكيان، أقصى غاياتها الوصول إلى دولة "منزوعة الدسم" بلا
جيش ولا مطارات ولا مقاتلات... فتلك "الشُبهات" ما عادت تربطنا بها
علاقة منذ ألقينا بخوذتنا في البحر... واستبدلناها بغصن زيتون بات يقطر دمًا لا
زيتًا... أما اللاجئون فهم وقود المرحلة... ليواجهوا مصيرهم بالتذويب والتهجير
والتوطين في المنافي ومخيمات البؤس والشقاء في عالم تحكمه "أمريكا" راعية
الظلم والإرهاب الكوني...
فهل
أفاق "القوم" بعد تلك الضربة المتوقعة من قبل أمريكا ومن دار في فلكها،
أم أنهم لا زالوا يراهنون على نزاهة "الصديق" اوباما وبراءة الغرب
والمنقذ "اللجنة الرباعية" ليمنحونهم "دولة" أم أنهم بحاجة
إلى مزيد من الضربات ليستفيقوا على حقيقة أن أولئك أعجز من أن يمنحوا حقا أو
ينصفوا مظلوما...!
إن
الكل الفلسطيني مدعو الآن وأكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر من جديد في
السياسات والبرامج التي كانت متبعة على مدار سنوات عجاف مضت، حتى لا نجد أنفسنا
وقد انزلقنا مجددا في مستنقع التفاوض والتفريط، ولنعيد لقضيتنا وهجها ومركزيتها
وحضورها الذي تستحق، فنحن أصحاب مشروع تحرري لا تفاوضي، أصحاب مشروع تحميه البنادق
وزنود الرجال لا مشروع تجتزأ فيه الحقوق وتختزل فيه الدولة التي آمنا وحلمنا بها
من البحر إلى النهر، إلى دويلة هلامية لا شكل ولا لون ولا طعم لها سوى العدم!!
فلنتصالح
مع أنفسنا ونعيد ترتيب أوراقنا ولنستعد من جديد للنهوض من كبوتنا وأخذ زمام
المبادرة، فلا وقت للمناورة والمراهنة على أمريكا وخياراتها المحكومة بمزيد من
التهويد والاستيطان وضياع الحقوق ومنح الكيان وقتا إضافيا للحياة والبقاء، وليعلم "القوم"
أن ما قبل الثالث والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2011م، ليس كما بعده.

