الإعلام الحربي- غزة:
"موشيه ديان- وزير الجيش الصهيوني سابقاً- قال حين دخل القدس عام 1967: "الآن فُتحت الطريق إلى خيبر"؛ وهنري غورو- المندوب السامي للجمهورية الفرنسية في سوريا- صرخ وهو يضع قدمه فوق قبر القائد صلاح الدين الأيوبي قائلاً: قُم يا صلاح الدين ها قد عدنا"..
لم يفت وقتٌ طويلٌ بعد أن صاح عميد الأسرى المقدسيين المحرر ضمن صفقة "وفاء الأحرار" فُؤاد الرازم، بتلك الكلمات ضِمن خُطبة ألقاها عام 1991 على مسامع جمع من الأسرى الذين التفوا حوله في سجن "هوليكدار"، استنكاراً للمواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية والقدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك، إذ كانت حرب الخليج آنذاك على مشارف الاشتعال، وقد جاءه الرد مُباشرة عبر الميكروفون من أحد ضُباط إدارة السجن: "أحضروا فؤاد الرازم حالاً".
اصطحبه عدد من الجُنود وهو مقيد إلى زنازين العزل ليُفاجأ بضابط من الاستخبارات الصهيوني يدعي "مشعالي"، وهو طويل القامة عريض المنكبين ذي جبين عابس، وقد تقدم من الرازم وبدا على غير طبيعته وهو يتمنطق بحزام تدلى من جانبه الأيمن غمد بداخله مسدس، وقال: "الآن أعطني نص الخطبة".
قائد داخل الأسر
سدد الأسير القائد الرازم إلى الضابط مشعالي "نظرة واثقة قبل أن يرد عليه حاسماً الموقف: "أنا لا أخطب من ورقة، وإنما خطبتي ارتجالية".
ليأتي بعد ذلك دور السجان في الانتقام من الأسير بعزله انفرادياً لمدة ثلاثة أشهر متتالية لم ير خلالها أحداً داخل إحدى زنازين سجن "هوليكدار" قبل أن يُنقل إلى سجن آخر ضِمن سياسة اتبعتها إدارة سجون الاحتلال ضد الأسرى منذ أمدٍ طويل.
ولم يكن الرازم (23 عاماً) حينما اعتقل، خطيباً داخل السجون فحسب، بل كان أيضاً صاحب مواقف صلبة مع الاحتلال، وصداميًا مع سجانيه الذين تذوق على أياديهم شتى ألوان القهر عبر سياسة العزل الانفرادي والتنقل ما بين السجون.
ولأن الرازم الذي أمضى داخل السجون 31 عاماً، كان في نظر إدارة السجون من عمداء الحركة الأسيرة، ويمتلك القُدرة على بناء التنظيم بما ينعكس ايجابياً على الأسرى، وسلبياً على إدارة مصلحة السجون، أصبح إضافة إلى كونه عميد الأسرى المقدسيين يحمل لقب "أحد الأسرى الذين لم يبقَ سجنٌ يعتب عليه".
واعتقل الأسير المقدسي في الحادي والثلاثين من يناير/ كانون الثاني للعام 1981 اثر اقتحام قوات إسرائيلية مدججة بأعتى الأسلحة لمنزله في حي سلوان بالقدس المحتلة، وتعرض لصنوف مختلفة من التعذيب، فضلاً عن اعتقال الاحتلال والده ووالدته وأشقاءه وشقيقاته بهدف الضغط عليه ومساومته.
ولأجله، عقدت "المحكمة المركزية الصهيونية" أكثر من ثلاثين جلسة لمحاكمته، وقد أصدرت بعد عام ونصف من الجلسات المتتالية حكماً بالسجن المُؤبد بحقه.
وتضمنت لائحة الاتهام ضِد الرازم الذي كان يعمل ضِمن خلية إسلامية لا تنتمي لأي فصيل فلسطيني، أكثر من 16 تهمة كان من بينها كما يقول: "مقاومة الاحتلال منذ عام 1976، بإلقاء زجاجات حارقة تطورت فيما بعد إلى خطف مسدسات من حراس وشرطة صهاينة".
وقتل الرازم بحسب قوله، جندياً صهيونياً ومُستوطناً، بينما تضمنت أعماله الفدائية محاولة قتل عملاء، وإلقاء قنابل يدوية على أهداف صهيونية، وحرق سيارات، لذلك حُكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة أى 99 عاماً قضى منها 31 عاماً متنقلاً بين السجون.
تنقلات وعزل انفرادي
ويقول الرازم البالغ من العمر (54 عاماً): "الهدف الأساسي من تنقلي بين السجون أن إدارة السجون كانت تعتبرني من القيادات في الأسر والذين يستطيعون بناء التنظيم وهذا لا يتوافق مع الاحتلال الذي يسعى إلى أن تكون التنظيمات ضعيفة وهشة حتى تُمرر سياستها العدوانية على الأسرى".
ويضيف: "كنت أمارس الخطابة في السجون فيعتبرونها تحريضًا ضد الاحتلال، ما أدى إلى عزلي في مرات عديدة في الزنازين الانفرادية". ويُشبِّه الأسرى زنازين العزل الانفرادي بـ"القبور"، إذ تتبع إدارة السجون تلك السياسة بحقهم كعقاب لأتفه الأسباب.
ويتابع: "في السنوات الأخيرة بدأ الاحتلال حملة شرسة في كل السجون والمعتقلات لتركيع الأسرى وسحب الإنجازات منهم، خاصة ما تعمد من تلك الانجازات بالدم مثل إضراب عام 1992 الذي استمر 19 يوماً، وحقق الكثير من الإنجازات للأسرى".
ويشير الرازم إلى أن "الكثير من الأسرى استطاعوا أن يحققوا انجازات كثيرة خاصة في مجال التعليم على الرغم من إجراءات الاحتلال وعبر سياساته المختلفة".
وتنقل الأسير المقدسي الذي أفرج عنه ضِمن صفقة "وفاء الأحرار"، ما بين مختلف السجون منها؛ "المسكوبية"، "الرملة"، "عسقلان"، "بئر السبع"، "أوهليكدار"، "نفحة"، "شطة"، "هداريم"، "عسقلان"، و"إيشيل"، وعزلته منذ عام 1995 حتى عام 2000.
من أجل "شاليط"
ويقول الرازم: "مورست أكثر الهجمات على الأسرى بعد أسر شاليط، وبدأت إدارة السجون تُضيِّق على الأسرى بقرار سياسي من الحكومة الصهيونية آنذاك في مُحاولة لإذلال الأسرى وتركيعهم باعتبارهم ورقة للضغط على المقاومة لتحرير شاليط دُون مقابل".
لكن إدراك الأسرى بأن شاليط قد يمنح البعض منهم "فجر الحرية" عبر صفقة لمبادلة أسرى فلسطينيين بجندي صهيوني، أعطاهم كُل القوة لتحمل القهر والعذاب داخل السجون وزنازين العزل، وفق عميد الأسرى المقدسيين.
وازدادت الإجراءات الصهيونية تعقيداً ضد الأسرى في كافة سُجون الاحتلال، بعد أسر المقاومة، في عملية "الوهم المتبدد"، الجندي الصهيوني جلعاد شاليط من على ظهر دبابة كانت داخل موقع "كيسوفيم" العسكري في الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران لعام 2006.
واحتفظت المقاومة، بالجندي شاليط الذي يحمل الجنسية الفرنسية، لأكثر من 5 أعوام قادت خلالها مفاوضات غير مباشرة بوساطة ألمانية لم تفلح في إحراز أي تقدم.
"لمست فرحة وخيبة أمل لدى الأسرى في السجون، ولم يستطع الأسرى المدرجة أسماؤهم ضمن الصفقة إظهار فرحتهم مراعاة لمشاعر الآخرين الذين لم تشملهم الصفقة".. يقول الرازم واصفاً اللحظات الأولى لاستقبال الأسرى نبأ انجاز الصفقة بين المقاومة والكيان الصهيوني.
وأُعلن مساء الحادي عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عن الوصول إلى اتفاق بوساطة مصرية لمبادلة شاليط بألف أسير و27 أسيرة ضِمن مرحلتين حُرر في الأولى منها 450 أسيراً، إضافة إلى الأسيرات، فيما ستنفذ المرحلة الثانية بعد شهرين من إتمام الأولى.
وتضمنت المرحلة الأولى من الصفقة 273 أسيراً من الضفة، و125 من غزة، و7 من الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، و45 مقدسياً، أُبعد منهم إلى غزة 163 أسيراً كان من بينهم الأسير المحرر المقدسي فؤاد الرازم.
يتابع الرازم: "استقبلت خبر إدراج اسمي في الصفقة بشكل طبيعي جداً وكأن اسمي لم يكن ضمن الصفقة لأن لدي قناعة تامة أنه ما لم أصبح في بيتي لن يكون هناك صفقة تبادل (..) فأنا لا أؤمن بالأخبار".
نار السجان
ويكمل الأسير المحرر المبعد إلى غزة حديثه حول قرار إبعاده عن القدس قائلاً: "أرفض بشكل قاطع أي قرار إبعاد أو الموافقة عليه، لكنني كُنت بين خيارين إما أن أبقى في السجن أو أن يتم إبعادي إلى قطاع غزة أو الخارج".
وإن كان إعتاق الرازم من حر السجون ليعانق فجر الحرية في غزة، فهو ما زال يُصر على أنه "لولا الأهل وزياراتهم لي في السجون لرفضت التوقيع على الإبعاد وبقيت في السجن، لأنه لا فرق عندي بين الإبعاد والسجن والقتل".
واستقبل أهالي غزة الرازم ضِمن قافلة الأسرى المحررين والمبعدين التي وصلت غزة مساء الثامن عشر من الشهر الجاري، في موكب بهيج أعقبه حفل ضخم بمُشاركة كافة الفصائل الفلسطينية، أقيم في على أرض ساحة الكتيبة في مدينة غزة.
ويحلم الرازم الذي لا يحظى بزوجة أو أبناء، إلى اليوم الذي يعود إلى حي سلوان لعناق من تبقى من ذويه على قيد الحياة، ويمسد التراب على قبر والدته التي توفيت دون أن تقول له كلمات الوداع.
ويبدو المحرر والمبعد الرازم ذو اللحية الخفيفة التي خطَّ فيها الشيب أسمى معاني التحدي، أكثر صلابة وعزيمة بعد أسر دام 31 عاماً داخل سجون العدو، وختم قوله: "فضلت الإبعاد إلى غزة على الموت في السجن، من أجل أن أناضل من جديد كي أعود إلى دياري، ذاك المكان الذي ولدت وترعرت فيه".

