الإعلام الحربي – وكالات:
صدرعن مؤسسة القدس الدولية في بيروت تقرير دوري يرصد الاعتداءات على المسجد الأقصى وتطور خطوات الاحتلال الصهيوني تجاهه ، ويعدّ هذا التقرير الثالث في هذه السلسلة ، وهو يوثّق الاعتداءات في الفترة بين 21 ـ 8 ـ 2008 وحتى 21 ـ 8 ـ 2009 ، ويحاول تناول مشروع تهويد المسجد بمقاربةْ شاملة تناقشه من ثلاثة جوانب ، فيبدأ أولاً بتطور فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى على المستوى السياسي والديني والقانونيّ ، وينتقل ثانياً إلى مناقشة تفصيلية لكل أعمال الحفر والإنشاءات والمصادرة تحت المسجد وفي محيطه ، ويناقش مسارها وتطورها على مدى سنوات التوثيق ، ويكشف عن تفاصيلها ومراميها استناداً على أحدث ما يتوفر من معلومات ، حيث ، ومحاولات التدخل في إدارته ، فيرصد اقتحامات وتصريحات الشخصيات الرسمية ، والمتطرفين اليهود ، والأجهزة الأمنية ، ويستقرئ مسار ومآلات كلّ منها ، ويلمس معالم تكامل الأدوار بين هذه الأطراف المتفقة على تحقيق الهدف ذاته ، تقسيم المسجد بين اليهود والمسلمين في أقرب فرصةْ ممكنة ، كما يرصد المنع الدائم لترميم مرافق المسجد ، وتجلياته خلال فترة التقرير ، والتقييد المستمرّ لحركة موظّفي الأوقاف ، الذين يُشكلون العصب التنفيذي لهذه الدائرة ، بغرض شلّ عمل الدائرة ومنعها من أداء مهامّها ، تمهيداً لتحجيم أعمالها وصلاحياتها ، ونزع الحصرية الإسلامية عن المسجد لصالح سلطة الآثار الصهيونية ، وأخيراً يرصد التحكم في الدخول للمسجد ، ومحاولة الاحتلال تغيير قواعد السيطرة على أحد أبوابه ، وتقييد حركة المصلين بحسب مناطق تواجدهم ، وبحسب أعمارهم ، بشكلْ جعل عدد المصلين يهبط إلى مستوياتْ غير مسبوقة في أيام الجمعة التي تزامنت مع العدوان على غزة ، لكن أعداد المصلين تتراوح بين مدّْ وجزر ، فهي وصلت في رمضان إلى مئات الآلاف ، في مؤشّرْ عمليّْ واضح على عجز القبضة الأمنية للاحتلال أمام الزحف البشريّ الهائل للمصلين إلى الأقصى في جمع شهر رمضان ، وفي ليلة السابع والعشرين منه.
أولاً: تطوّر فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى:
أ. الموقف السياسيّ: تجاوز المشروع الصهيوني اليوم مرحلة محاولة إثبات وجود الهيكل تحت الأقصى ، بعد أن فشل في إثباتً ذلك علمياً ، وأعلنت بعثاته الآثارية ذلك صراحةً ، وانتقل إلى خلق هذا الوجود (أورشليم المقدّسة) من خلال مسارين أساسيّين: تثبيت "حقّ اليهود بالصلاة في جبل الهيكل" ، وخلق آثار "أورشليم المقدّسة" في هذا الجبل ، بغضّ النظر عن ثبوت مزاعم هذه الأحقية أو بطلانها. لقد كان التطوّر السياسيّ الأبرز خلال الفترة التي يُغطّيها التقرير وصول زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو إلى سدّة الحكم في دولة الاحتلال ، ووصوله جاء في ظروفْ مؤاتية فيما يخصّ فكرة "أحقية اليهود في جبل الهيكل" ، فالأجواء في دولة الاحتلال اليوم تدفع في مجملها باتجاه إنهاء مشروع بناء "المدينة اليهوديّة المقدسة" بأقرب وقتْ ممكن ، وتقسيم المسجد الأقصى وتثبيت "الأحقية اليهودية" فيه كأمرْ واقع. يترافق ذلك مع تجاهلْ عربيّ وإسلاميّ رسميّ وفتورْ شعبيّ ، وتراجع في قدرة الفلسطينيين على مواجهة إجراءات الاحتلال بسبب انقسامهم الداخليّ ، وإهمال السلطة الفلسطينيّة لملفّ القدس.
ب. الموقف الدينيّ: لم تعد مسألة الصلاة في "جبل الهيكل" دعوةً تحملها مجموعةّ صغيرةّ من الحاخامات المتموّلين من أثرياء اليهود والمسيحيين الصهاينة ، فهي بعد أن كانت موضع رفضْ مطلق عام 1967 ، وأصبحت موضع تأييدْ من أقليةْ معزولةْ بعدها ، أضحت اليوم تياراً كبيراً ، حيث بدأت تتّسع جبهة المنادين بمنح اليهود "الحقّ بالصلاة في المسجد الأقصى" منذ العام 2000 ، وهي تواصل اليوم توسّعها ، والملاحظ أنّ التغيّرات في هذا الموقف الدينيّ تلازمت دوماً مع التغيّرات التي كانت تطرأ على الموقف السياسيّ من تواجد اليهود في "جبل الهيكل". في نهاية شهر آب ـ أغسطس من عام 2008 وبالتزامن مع ذكرى "خراب الهيكل" لدى اليهود شهدت الأوساط الدينيّة في دولة الاحتلال تصاعدًا جديدًا للجدل حول "حقّ اليهود في الصلاة في جبل الهيكل" بين معسكري اليهود المتديّنين غير الوطنيّين ، أو غير الصهاينة "الحريديم" ، وعلى رأسه الحاخامات عوفاديا يوسف ، وشالوم إلياهو وحاييم كيفنسكي ، واليهود المتديّنين الوطنيّن أو الصهاينة وعلى رأسه الحاخام موشيه تندلر ، وذلك على أثر زيارة الأخير للمسجد الأقصى في تمّوز ـ يوليو 2008 في جولةْ مصوّر ودعوته اليهود لزيارة المكان. فقد ردّ الحاخامات الثلاثة على هذه الزيارة بإرسال رسالةً إلى حاخام "الحائط الغربيّ والأماكن المقدسة" يُطالبونه فيها بتجديد المنع الدينيّ لدخول اليهود إلى المسجد الأقصى "جبل الهيكل" وجعله شاملاً لكلّ اليهود ، حتى لا "تدنّس طهارة الجبل" ، معتبرين أنّ دخول اليهود إلى "قدس الأقداس" وإن كان دون من قصد يُعدّ أكبر الحرمات في التشريع اليهوديّ.
ج. الموقف القانونيّ: فور سيطرة الاحتلال على المسجد الأقصى عام 1967 ، أصدر برلمانه قانوناً سُمّي بقانون "الحفاظ على الأماكن المقدّسة" ، مُنع بموجبه اليهود من دخول المسجد ، وقد حاولت الجماعات المتطرّفة الطعن بهذا القانون لكنها لم تُفلح. وقد بدأ الموقف القانونيّ بالتغيرّ بشكلْ متزامن تقريبًا مع الموقفين السياسيّ والدينيّ ، ففي عام 1993 أصدرت المحكمة العليا في دولة الاحتلال قراراً اعتبر أنّ "جبل الهيكل" هو أقدس مقدّسات اليهود ، وهو "قلب دولة إسرائيل وجزءّ لا يتجزّأ من أراضيها": ما يعني أنّه خاضعّ لقانونها الذي يضمن لكلّ المواطنين حريّة العبادة وحريّة الوصول للأماكن المقدّسة دون تمييز.
وقد عادت المحكمة لتؤكّد قرارها وتطوّره في 23 ـ 6 ـ 2003 عندما سمحت لليهود بزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه معتبرةً ذلك "حقاً طبيعيّاً" لهم ، وأخيراً أصدرت في شهر تشرين الأوّل ـ أكتوبر 2005 قراراً يسمح لجماعة "أمناء الهيكل" بالصلاة في المسجد الأقصى بين الساعة السابعة مساءً والتاسعة صباحاً ، حين يكون عدد المصلّين المسلمين في الأقصى قليلاً.
ثانيًا: الحفريّات والبناء أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه:
أ. الحفريّات: شهد مشروع بناء "المدينة اليهوديّة المقدّسة" في المسجد الأقصى ومحيطه في شهر شباط ـ فبراير 2008 تطوّراً لافتاً وغير مسبوق تمثّل بانتقال هذا المشروع من مرحلة التكتّم والتعتيم إلى مرحلة الإعلان والتبنّي شبه الرسميّ ، حيث أعلن مهندس البلديّة يورام زاموش عن مخطط مخطط "القدس أوّلاً" الذي أعدّه ، وقد شهد العام 2009 إعلان تفاصيل هذا المشروع ، ودخول مفاعيله إلى حيّز التبني الرسمي الصهيوني الواضح ، كما شهد بدء تطبيقها العملي. ومخطط "أورشليم أولاً" يهدف بشكلْ رئيسْ إلى:
"تسريع عمليّة تطوير الحوض المقدس ، وذلك بهدف خلق الجذب السياحي لعشرة ملايين زائر بالسنة ، للتعريف بالتراث التاريخيّ اليهوديّ". (بناء المدينة اليهوديّة المقدسة) ہ"إنشاء جسر من الثقة والعمل المشترك مع القائمين على إدارة الأوقاف الإسلاميّة والمسيحيّة بالحوض ، وبالتالي إنشاء إدارة من جهاز غير منتمْ إلى قوميّة أو اتجاه دينيّ هدفه فتح الموقع كاملاً للسياح والحجاج على اختلاف جنسيّاتهم وأديانهم". (السماح لليهود رسميًّا بالمشاركة في إدارة المسجد الأقصى والوصول إليه).
وبحسب هذا المخططّ فإنّ تنفيذ المشروع سيوكل رسميًّا إلى شركةْ ضخمة تُنشأ باسم "القدس أوّلاً. وسيحتاج إلى مبلغْ يُقارب 2 مليار شيكل 400( مليون دولار) ، ويشمل إقامة 15 مشروعاً رئيسًا لتهويد القدس ، 9 منها تستهدف المسجد الأقصى ، وسيستغرق تنفيذه حوالي ستّ سنوات ، أي أنّه سينتهي في عام 2014 بحسب التقديرات الأوّلية. كما شهدت الفترة التي يُغطيها التقرير بدء العمل في 5 مواقع جديدة للحفريّات ، 4 منها جنوب المسجد وواحد إلى الغرب منه ، وشهدت تجهيز موقعْ في الغرب ضمن حفريةْ سابقة ، ليُصبح بذلك عدد مواقع الحفريّات حول المسجد 25 موقعًا ، 12 منها نشطة ، 13و مكتملة. من الناحية الجغرافية تقع 11 حفرية منها جنوب المسجد ، 13و حفرية غربه وواحدة شماله.
ب. البناء ومصادرة الأراضي في محيط المسجد: تهدف دولة الاحتلال من خلال البناء ومصادرة الأراضي في المسجد الأقصى ومحيطه إلى إضفاء الطابع اليهوديّ على محيط الأقصى ، وتعزيز الوجود اليهوديّ في المسجد من خلال اتخاذ هذه الأبنية كمراكز انطلاق لاستهداف المسجد الأقصى مثل استعمالها كمراكز للتجمّع لاقتحام المسجد ، أو استخدامها للتغطية على أعمال الحفريّات ، أو ا لتعزيز الوجود الأمنيّ في المسجد.
ورغم مرور أكثر من 42 عاماً على سيطرة الاحتلال الصهيونيّ على المسجد الأقصى والبلدة القديمة ، إلاّ أنّه ما زال يتعامل بحذرْ بالغ مع البناء في ساحاته ومحيطه ، ويعود ذلك إلى عقدة خوفْ من المسجد الأقصى لازمت العقل الصهيونيّ منذ أقام دولته ، سبّبتها ردود الفعل الفلسطينيّة والعربية والإسلاميّة العنيفة على كلّ محاولةْ صهيونيّة للتواجد بشكلْ علنيّ في المسجد ومحيطه ، بدءًا بثورة البراق عام 1929 وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام ,2000 وعلى الرغم من أنّ هذا الخوف قد أخّر بالفعل عمل الصهاينة وحدّ منه إلاّ أنّه لم يمنعه بالكامل ، وجدار الرّدع هذا آخذّ بالتآكل اليوم بسبب ردود الفعل الضعيفة على الاعتداءات المتتالية وغير المسبوقة على المسجد.
1. مخطط السيطرة على الجزء الجنوبي الغربي للمسجد:
في 15 ـ 2 ـ 2004 انهار جزءّ من الطريق الواصل بين ساحة البراق وباب المغاربة خلال عاصفةْ ثلجيّة بفعل الحفريّات تحته والمنع المتواصل لترميمه ، ومنعت سلطات الاحتلال إعادة بنائه ، وأقامت مكانه جسراً خشبيًّا ، ومن ثمّ شرعت في شهر شباط ـ فبراير 2007 بهدم الطريق تمهيداً لتوسيع المكان المخصص لصلاة النساء في ساحة البراق ، وإقامة جسرْ حديديّ مكان الجسر الخشبيّ يسمح بدخول آليّات مدرعة وعددْ كبير من جنود الاحتلال إلى المسجد الأقصى. وقد سلمت دولة الاحتلال مشروع بناء الجسر إلى "جمعيّة الحفاظ على تراث الحائط الغربي" ، التي بدأت العمل على ترميم الغرف الإسلاميّة المكتشفة لاستخدامها كمكانْ لصلاة النساء بدلاً من هدمها ، وأخيراً بناء الجسر المعلّق الذي يصل مدخل ساحة البراق بباب المغاربة. وفي سابقةْ تاريخيّةْ قدّمت شخصيّات مستقلّة من فلسطينييّ الـ48 وبمبادرةْ فرديّة التماسًا لمحكمة الاحتلال المركزيّة في القدس في 16 ـ 9 ـ 2008 لوقف أعمال الحفر والبناء في تلّة المغاربة ، وهذه هي المرّة الأولى التي يتوجه فيها فلسطينيّ عربيّ لمحكمةْ في دولة الاحتلال لحلّ نزاعْ متعلّق بالمسجد الأقصى. وقد أبدى طيفّ واسعّ من المؤسّسات والشخصيّات المقدسيّة والفلسطينيّة رفضها القاطع لتقديم مثل هذا الالتماس لأنه يكرّس ولاية سلطة الاحتلال على المسجد الأقصى ، ونحن بدورنا نرى في هذا الالتماس خطيئةً تاريخيةً في حقّ المسجد والأمة ، وندعو أصحابه إلى سحبه بشكلْ فوريّ.
2. مخطط السيطرة على محيط باب السلسلة غرب المسجد:
في 12 ـ 10 ـ 2008 أقامت جمعيّة "عطيرت كوهينيم" حفل افتتاحْ رسميّ لكنيس حمام العين "خيمة إسحق" في حارة باب الواد غرب سوق القطانين ، وبذلك يكون الاحتلال قد خطا خطوةً مهمّة في طريق السيطرة على محيط باب السلسلة غرب المسجد ، فقد ثبّت لنفسه موطئ قدم في المكان ، وأوجد مركزاً لإدارة وتنظيم نشاطات المستوطنين ضدّ الفلسطينّين القاطنين في المحيط وضدّ المسجد الأقصى المبارك ، وهذا ما سيحوّل كنيس حمام العين ومحيطه إلى بؤرةً للتوتّر والاعتداءات على الفلسطينّيين وأملاكهم خلال الشهور والسنين القادمة.
3. مخطط السيطرة على مقبرة:
- الرحمة شرق المسجد: يُعدّ مشروع تهويد شرق المسجد الأقصى أحد أهم عناصر مخطّط "القدس أوّلاً" الذي بدأ الاحتلال العمل به في بداية هذا العام ، ويسعى المحتلّ لتهويد شرقيّ المسجد من خلال السيطرة على أراضي مقبرة الرحمة الملاصقة للسور الشرقي للأقصى ، وتحويلها إلى حديقةْ توراتيّة يُطلق عليها اسم منتزه "منحدر الأسباط". وقد خطا الاحتلال خطواتْ مهمة في هذا المشروع خلال الأعوام الماضية ، وخلال الفترة التي يُغطّيها التقرير تابع الاحتلال استهدافه للمقبرة ، حيث قبلت "المحكمة العليا" في دولة الاحتلال التماساً قدمته شخصيات ومؤسسات يهودية لتثبيت اعتبار مقبرة باب الرحمة حديقةً عامّة ، وسمحت بإحاطة 2م1800 من المقبرة بسياجْ لمنع دخول المسلمين ومنع حفر أيّ قبرْ جديد في المنطقة المسيّجة ، وقد بدأت سلطة الحدائق في دولة الاحتلال بالفعل بتحويل 2م200 من المنطقة المستهدفة إلى حديقةْ عامّة. 4. مخطط لتعزيز السيطرة الأمنيّة على المسجد الأقصى: في 7 ـ 3 ـ 2009 صادقت اللجنة المحليّة للتنظيم والبناء في القدس على إقامة مركزْ جديدْ لشرطة الاحتلال قرب مدخل أنفاق الحائط الغربيّ في شمال ساحة البراق تبلغ مساحته 2م140 ، وسيكون هذا المركز عند انتهاء بنائه رابع مركز لشرطة الاحتلال في المسجد الأقصى ومحيطه.
ثالثاً: تحقيق الوجود اليهودي داخل الأقصى والتدخّل المباشر في إدارته:
أ. اقتحام المسجد الأقصى: لقد شكّل اقتحام رئيس وزراء الاحتلال الأسبق أريئيل شارون للمسجد الأقصى في 28 ـ 9 ـ 2000 نقطةً فارقةً في التركيز الصهيوني على فكرة التواجد اليهودي المباشر داخل المسجد الأقصى ، وشكّل نقطة انطلاقْ حقيقيةْ لتثبيت "الأحقية التاريخية اليهودية" بالتواجد في المسجد. عملياً ، بدأ العمل على تحقيق التواجد من خلال الدخول الفردي للمتطرفين اليهود للمسجد برفقةً أفرادْ من رجال الشرطة ، وقد تكلّل هذا المسعى بالنجاح بصدور قرار "المحكمة العليا في 23 ـ 6 ـ 2003 بأحقيّة اليهود بزيارة "جبل الهيكل" والصلاة فيه. وانتقل تركيز المتطرفين اليهود بعد ذلك إلى مرحلةْ أكثر تقدمًا ، فبدأت المنظمات المتطرفة تدعو إلى اقتحاماتْ جماعيةْ للمسجد وتنفّذُ محاولاتْ في مجموعاتْ تراوح عددها بين 30 50و شخصاً ، وقد توّج هذا المسعى كذلك بقرار المحكمة في تشرين الأول ـ أكتوبر 2005 بالسماح بأداء طقوسْ جماعيةْ في المسجد في الفترات التي يكون فيها عدد المصلين المسلمين في المسجد قليلاً ، واليوم انتقلت المنظمات اليهودية المتطرفة إلى محاولات الاقتحام الجماعي في وقت تواجد المصلين المسلمين ، أملاً في خلق سابقةْ جديدة ، وتكمل شروط "الأحقية اليهودية" في التواجد في المسجد على مدار الساعة.
ب. التدخّل المباشر في إدارة المسجد: تعتبر دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف والمقدسات والشؤون الإسلامية في الأردن المشرف الرسمي على المسجد الأقصى وأوقاف القدس ، وصاحب الحق الحصري في إدارتها ورعايتها وإعمارها وتدبير كل شؤونها ، وذلك بموجب القانون الدولي ، الذي يعتبرها آخر سلطةْ محليةْ مشرفةْ على هذه المقدّسات قبل احتلالها ، وبموجب اتفاقية السلام الأردنية - الصهيونية الموقعة عام 1994 - "وادي عربة". ومع تصاعد التوجه الصهيوني الفكري والعملي لتحقيق "الأحقية اليهودية في جبل الهيكل" ، أصبح تحجيم دور الأوقاف الإسلامية والتدخل في اختصاصاتها وصلاحياتها أمراً ضرورياً ، بل حتمياً وهو يتمّ على 3 مسارات:
1. منع الترميم والتدخّل في عمل دائرة الأوقاف.
2. تقييد حركة موظّفي الأوقاف.
3. التحكّم في الدّخول للمسجد وتقييد حركة المصلّين.
رابعاً: التوصيات:
على هذا الأساس نضع التوصيات التالية بين يدي كل المهتمين بالمسجد ومصيره ومستقبله ، ونعلن كمؤسسةْ مدنية مكرّسةْ للقدس استعدادنا للتعاون مع كل من يريد العمل لحماية المسجد الأقصى ودعمه ، بكل الوسائل الممكنة:
أ - توصيات للجماهير العربية والإسلامية: إن التظاهر والتجمع والحشد الشعبي ليست وسائل عديمة الجدوى ، بل هي عوامل أساسيةّ في قراءة مؤشر الربح والخسارة لدى المحتل ، وإننا ندعو كل الجهات الفاعلة إلى ردود فعلْ عملاقةْ حاشدةْ منظمةْ توجّه رسالةً واضحةً عند أي اعتداءْ مقبلْ على المسجد ، وندعو إلى أن يكون هذا التحرّك وحدوياً خالصاً لنصرة المسجد وخالياً من كل استخدامْ سياسيّْ داخليّ. كما ندعو إلى العمل على المدى الطويل على رفع الوعي والمعرفة بالمسجد وأوضاعه ، لأنه الضامن الوحيد للفعل والتحرّك لنصرة المسجد. ب - توصياتْ للجماهير الفلسطينية:
إن أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948 هم خط الدفاع الأول ، مع أهل القدس الصامدين فيها ، الذي يتحرّك ويتفاعل مع التهديدات المحدقة بالمسجد بشكلْ يومي ، وإننا نثني على جهدهم وندعوهم إلى تكثيفه ، وتكثيف المشروعات الجماهيرية لحماية المسجد ، خصوصاً في الأجزاء الجنوبية الغربية قبالة باب المغاربة والغربية قبالة باب السلسلة. أما أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فإننا نناشدهم أن لا يشغلهم شاغلّ عن متابعة وضع المسجد الأقصى الذي من أجله انطلقت انتفاضتهم الثانية ، وهو اليوم في وضعْ أخطر كثيراً مما كان عليه عند انطلاق الانتفاضة.
ج - توصيات لقوى وفصائل المقاومة: إن قوى المقاومة هي لاعبّ أساس ، إن لم تكن الأساس ، في رسم توجه مؤشر الربح والخسارة لدى المحتل ، وهو الذي يحدّد منهج تعامله مع المسجد ، وعليه فإننا ندعو قوى المقاومة بشتى أطيافها إلى أن تمارس دورها في تحديد وجهة مؤشر الربح والخسارة. كما أننا ندعوها لتبني استراتيجية مشتركة تتجاوز التجاوب العفوي مع الأحداث ، في مواجهة الصورة المنظمة المتصاعدة التي رسمناها لطبيعة التهديدات المحيطة بالمسجد. كما أنها مدعوّةّ لتحديد موقفها من رؤية التعامل مع الأقصى كمساحةْ مفتوحةْ لأتباع كل الديانات ، وعلى الرؤية التي تدعو إلى وصول أتباع كل الديانات إلى مقدساتهم في القدس تحت إشرافْ أمميّ.
د - توصيات للسلطة الفلسطينية: في مواجهةً ما يحصل في محيط المسجد بشكلْ متواصل ، وأمام الخطورة الشديدة لما يحصل على مصير المسجد الأقصى ، وأمام التبني الرسمي من قًبل حكومة الاحتلال لتحرّكات تقسيمه وتحقيق الوجود اليهودي فيه ، فإننا ندعو السلطة الفلسطينية بأقوى العبارات إلى عدم التنازل عن "وقف الاعتداء على الأقصى" كشرطْ مسبق بين يدي أي تفاوض. وأمام التصريحات التي رصدها التقرير لبعض مسؤولي السلطة باستعدادهم لنقل السيادة على القدس إلى طرفْ ثالث ، في إشارةْ إلى قبولهم برؤية أوباما حول القدس ، فإننا ندعو مسؤولي السلطة إلى مراجعة هذه الرؤية وتداعياتها بشكلْ متأنّْ ، خصوصاً أنها من الناحية العملية ستشكّل إعادة إنتاجْ لمخطط الاحتلال لتهويد المدينة ، والمعروف بـ"أورشليم أولاً" بمظلةْ شرعيةْ دولية ، وأن مبدأ نزع الحصرية الإسلامية عن المسجد جوبه - وسيجابه - برفضْ إسلاميّ واسع على مستوى علماء الدين ، ولن يكون مقبولاً بأي حال لدى جماهير هذه الأمة ، ومحاولة فرضه لن تعدو كونها نقلاً للمعركة على القدس من معركةْ مع المحتلّ إلى معركةْ مع الداخل.
هـ - توصيات للحكومة الأردنية: يعمل الاحتلال اليوم بشتّى الطرق على التضييق على الأوقاف الإسلامية في القدس ، ومنعها من الترميم ، وتقييد حركة موظفيها بشكلْ يمنعها من أداء عملها ، ويخلق ذريعةً لدائرة الآثار الصهيونية للتدخل في أعمال الترميم والإعمار ، وهو ما سيعني نزع الحصرية الإسلامية عن المسجد.
وأمام هذا التحدّي التاريخي ، فإننا ندعو الحكومة الأردنية إلى خوض غمار المواجهة السياسية مع المحتلّ ، كما ندعو الحكومة الأردنية إلى احتضان الجهود الشعبية وغير الحكومية العربية والإسلامية ، التي تشدّ على يديها في حماية الحصرية الإسلامية للمسجد ، وفي حماية دورها والحفاظ عليه ، وإلى عدم التعامل معها بروحْ تنافسية ، فهذه الجهود من شأنها أن تُسند موقف الأوقاف الأردنية وتدعمه وتكمّله ، ولدى هذه المؤسسات الكثير مما تستطيع تقديمه ، فهي الجهات التي تستطيع ترجمة المخزون العاطفي الهائل لدى جماهير الأمة العربية والإسلامية إلى دعمْ حقيقي للأقصى وحُماته وأهله.
و - توصيات للحكومات العربية والإسلامية: بناءً على المؤشرات الأولية الرسمية التي توحي باستعداد بعض المسؤولين العرب بقبول نقل السيادة على القدس إلى طرفْ ثالث ، وهو ما يوحي ضمناً بقبولهم برؤية أوباما حول القدس ، فإننا ندعوهم كما دعونا مسؤولي السلطة الفلسطينية ، إلى مراجعة هذه الرؤية وتداعياتها بشكلْ متأنّْ ، خصوصاً وأنها من الناحية العملية ستشكّل إعادة إنتاجْ لمخطط الاحتلال لتهويد القدس ، والمعروف بـ"أورشليم أولاً" بمظلةْ شرعيةْ دولية ، وأن مبدأ نزع الحصرية الإسلامية عن المسجد جوبه - وسيجابه - برفضْ إسلاميّ واسع على مستوى علماء الدين ، ولن يكون مقبولاً بأي حال لدى جماهير هذه الأمة ، ومحاولة فرضه لن تعدو كونها نقلاً للمعركة على القدس من معركةْ مع المحتلّ إلى معركةْ مع الداخل.
ز - توصيات للهيئات والمنظمات الدولية: تتفق الجامعة العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي على موقفْ واضحْ من المسجد والأحقية التاريخية العربية الإسلامية فيه ، وتشكل كل منهما مكاتب أو هيئاتْ يفترض أن تتولى مسؤولية دعم القدس والمقدسات ، وبخاصة منظمة المؤتمر الإسلامي التي قامت على أثر إحراق المسجد الأقصى عام 1969 ، وتنبثق عنها لجنة القدس التي يفترض أن تقود تحركاً رسمياً منهجياً لحماية القدس ، بناءً على ذلك فإننا ندعو إلى عملْ مشتركْ وفعال بين المنظمتين ، وإلى ممارسة لجنة القدس لدورها المفترض مستثمرةً القرارات الدولية التي تؤكد الأحقية التاريخية في القدس وفي الأقصى في مختلف المؤسسات الدولية. كما أننا بعد التذكير بأهم قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمسجد الأقصى ومضامينها ، وبعد تشخيص حقيقة انتقائية مجلس الأمن في تطبيق القرارات ، وعجز الأمم المتحدة عن تطبيق قراراتها المذكورة ، ندعو إلى تحقيق الحد الأدنى على الأقل ، وندعو الأونيسكو والمؤسسات المعنية إلى إبقاء المسجد الأقصى والقدس على رأس مواقع التراث العالمي المهدّد ، وإلى توثيق ما يتم تدميره من تراث إنساني على يد سلطات الاحتلال والعمل الفعلي على مواجهتها بالسبل الممكنة.
ح - توصيات للجهات العاملة لأجل القدس: المؤسسات الأهلية والمدنية ، والهيئات المقدسية ، مدعوّة إلى اعتبار جهد حماية المسجد الأقصى والمقدّسات الأولوية الأولى ضمن عملها ، ومدعوّةّ إلى اعتبار الأعوام القادمة أعوام استنفار في دعم ونصرة مشروعات حماية المسجد الأقصى بالمال وبالمواكبة الإعلامية والتعبوية اللازمة ، وتقديم كل ما يلزم لإنجاح هذه المشروعات التي تعمل على تأمين أسباب تواجد المصلين في المسجد الأقصى على مدار الساعة ، أو تلك التي تعمل على تنفيذ ما يمكن من أعمال الصيانة والتصليح والترميم. كما أنها مدعوّة إلى إطلاق جهد علاقاتْ عامة مكثّف ، لحثّ المنظمات والهيئات والدول على التحرّك بهذا الشأن ، لرفع مستوى الضغط على الاحتلال والتأثير على مصالحه.
ط - توصيات للمرجعيات الدينية: أمام الرؤية الخطيرة المطروحة اليوم لتحويل المسجد إلى مساحةْ للتعبّد لأتباع مختلف الديانات ، فإن واجب علماء الأمة يحتّم عليهم تبيان الموقف الشرعي الصحيح من هذه المسألة ، ومن مبدأ نزع الحصرية الإسلامية عن المسجد. ثمّ إنّ المسجد الأقصى هو عنوانّ عريض جامعّ للمسلمين بشتى مذاهبهم ، في لحظةْ هم في أحوج ما يكون للوحدة ، والمسجد فيها أحوج ما يكون للدعم والنصرة.
ي - توصيات للهيئات والمنظمات الحقوقية: إن قضية المسجد الأقصى هي قضيةّ متعلّقةّ بحرية الاعتقاد وحرية العبادة ، وهي حقوق كفلتها مواثيق حقوق الإنسان ، ولا يصح التعامل معها على أنها قضية دينيةّ تختص بالمرجعيات الدينية وحدها ، وهذه المؤسسات والمنظمات والهيئات مدعوّة إلى تفعيل هذه القضية في مختلف المستويات القانونية الدولية ، لزيادة الضغط وتضييق الخناق على تحرّكات الاحتلال ضد المسجد الأقصى.
ك - توصيات لوسائل الإعلام والإعلاميين: بناء على الملاحظة المتأنية لضعف تغطية شؤون القدس والمسجد الأقصى كماً ونوعاً في وسائل الإعلام العربية والإسلامية ، وعدم وضعهما في رتبة الأولويات حتى عندما يحظيان بالتغطية ، وهو ضعفّ لا يستثني إلا عدداً قليلاً من وسائل الإعلام التي تضع القدس فعلاً ضمن قائمة أولوياتها ، فإننا ندعو إلى إيلاء اهتمام خاص لتغطية أخبار القدس والمسجد الأقصى وخلق الآليات اللازمة لذلك ، وإبقاء هذه القضية ضمن القضايا الأساسية في مختلف أنواع التغطيات الحوارية والوثائقية والثقافية ليتأكد في الوعي أن كل التضحيات والإنجازات في مواجهة مشروع المحتل يجب أن تصب في النهاية تغيّراً للأحسن في أوضاع القدس والمسجد الأقصى.

