بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، إمام المجاهدين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين، وبعد،
أشكر الأخوة في "لجنة دعم المقاومة في فلسطين" على دعوتي لهذا اللقاء، في هذا الشهر الكريم، وهذه الليلة المباركة، وأحييكم جميعاً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
في الحقيقة أنني لم أكن أرغب بالحديث، وأنا ضيف أو زائر للبنان الشقيق، وفي هذا الظرف الحساس والمضطرب في المنطقة، لكني نزولاً عند رغبة بعض الأخوة الأعزاء، رأيت أن أوجز، في مناسبة القدس، بعض الملاحظات المتعلقة بفلسطين القضية والمصير، فأقول:
أولاً، مهما طال علينا الأمد، ومهما استجد من أحداث، يجب أن لا ننسى أن فلسطين تظل هي مشكلة العرب والمسلمين الكبرى، بل هي أم المشاكل وأم العقد وأم القضايا. لقد تعرض شعبنا قبل أكثر من خمسة وستين عاماً لعملية اقتلاع كبري من أرضه، بل لأكبر عملية سطو في التاريخ، حيث سطا المشروع الغربي الصهيوني على أرضنا ووطننا، ونتيجة لذلك تحول شعبنا إلى لاجئين داخل وخارج وطنه فلسطين. ونتيجة لذلك، نحن هنا اليوم!
ثانياً، برغم كثرة المحطات التاريخية والمراحل التي مر بها الصراع على فلسطين، هناك أربعة أحداث مفصلية صنعت مأساة فلسطين، بل رسمت ما يسمى بشرق أوسط القرن العشرين والواحد وعشرين، وهي: اتفاقية سايكس بيكو عام 1916؛ ووعد بلفور عام 1917؛ ونكبة فلسطين عام 1948؛ والنكبة الثانية بسقوط القدس وهزيمة عام 1967. وما بين هذه المحطات وما تلا ها من أحداث ووقائع هي تفاصيل.
ثالثاً: اليوم، وفي هذه المرحلة الدقيقة والحرجة من عمر الأمة، يعاد إنتاج هذه العناوين الأربعة، وبما هو أخطر وأسوأ مما مضى: فالعالم العربي يقف الآن على حافة سايكس بيكو جديدة أخطر من السابقة، لأنها أولاً لن تقتصر على بلدان المشرق فقد تطال مصر وبلدان شمال أفريقيا؛ وثانيا يراد بها المزيد من التفتيت لأوطاننا وأمتنا بتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، واستبدال الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية بالصراع العربي الصهيوني.
ثم هناك وعد بلفور جديد أخطر من الوعد القديم، لكنه يحمل اسماً عربيا "المبادرة العربية". ونقول أخطر لأن وعد بلفور القديم "أعطى فيه من لا يملك من لا يستحق"، أما الوعد الجديد، وانطلاقاً من أن فلسطين أرض عربية إسلامية، فإن "من يملك يتنازل لمن لا يستحق!".
أما نكبة 48 فإن ما هو أخطر منها، بل نكبة النكبة كما يقولون، أن يتنازل صاحب الأرض عن أرضه أو يساوم على حقه المقدس بالعودة لها. الآن يوشك المشروع الصهيوني أن يقطف آخر ثمار النكبة بإعلان فلسطين "دولة يهودية" عنصرية خالصة لليهود، بما يفسح المجال لترحيل ما تبقي من شعبنا على أرض فلسطين.
وعن النكبة الثانية أو هزيمة 67 التي أكمل فيها العدو احتلال القدس، فاليوم لم يعد هناك قدس حتى للبكاء عليها، المدينة هودت وأهلها يهجرون، والمعركة أصبحت على المسجد الأقصى لتقاسم الصلاة فيه كما في المسجد الإبراهيمي بالخليل، الأمر الذي لم يجرؤ الصهاينة على تنفيذه وهم في ذروة الانتصار لحظة دخول القدس عام 1967 .
وحتى أوضح هذا الأمر، أخرج عن السياق وأذكر بدخول القادة الصهاينة إلى باحة المسجد الأقصى عام 67، موشي ديان وإسحق رابين وقائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي الجنرال عوزي نركيس، وكان معهم حاخام الجيش الصهيوني شلومو غورين، الذي أصبح فيما بعد حاخاماً للكيان، يومها طلب الحاخام من الجنرال نركيس وألح عليه بأن يفجر ويهدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة؛ ليعاد بناء الهيكل المزعوم، لكن الجنرال نهره ورفض- بالمناسبة هناك شارع رئيس في القدس باسم عوزي نركيس هذا- وعندما قاد الحاخام غورين جماعة من المتدينين اليهود وأرادوا اقتحام المسجد الأقصى للصلاة فيه بعد أسبوع من احتلاله، رفض وزير الدفاع آنذاك موشي ديان السماح لهم بذلك، لأنه اعتبر بأن العالم العربي والإسلامي لن يقبل ولن يتحمل هذه الخطوة! هذا ونحن في لحظة هزيمة وفاجعة 67، لكنهم كانوا يحسبون لهذه الأمة حساباً، فما بالنا اليوم، اليهود يدخلون الأقصى للصلاة فيه ومخططاتهم مستمرة للسيطرة عليه وهدمه، ولا أحد يحرك ساكناً أو حتى يسأل عن القدس أو يذكرها؟!
رابعاً: نشهد هذه الأيام حركة نشطة وقبولاً بالعودة إلى المفاوضات بين الكيان الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية، التي تنازلت عن كثير من شروطها، تحت الضغوط الأمريكية؛ من أجل إحياء نهج وبرنامج أوسلو الذي يعاني من حالة موت سريري منذ سنوات. ما الجديد في العودة للمفاوضات هذه المرة، بعد أن ثبت عقمها وفشلها؟! الجديد أن الملف الفلسطيني هذه المرة قد يوضع على طاولة "المقايضات" مع ملفات أخرى في المنطقة؛ وأظن أن القيادة الفلسطينية تعي ذلك، وآمل أن لا تقع في هذا الفخ، وإلا ستكون النتيجة والجائزة الكبرى لإسرائيل، ليس فقط تصفية قضية فلسطين، بل تدمير دول وهدم كيانات أخرى في المنطقة! لهذا السبب، يجب أن نعترف، وهذا ما نود أن نؤكد عليه في:
خامساً: وأخيراً، أن حال الأمة اليوم هو الأخطر، إن لم يكن الأسوأ، في كل مراحل تاريخها. إن حالة الانقسام والاصطفاف المذهبي والطائفي الجارية في المنطقة تكاد تجرفنا جميعاً إلى المجهول.. والكل يتحمل المسؤولية في ذلك، والكل مطالب بإجراء مراجعة لما جرى ويجري في المنطقة. (المراجعة مطلوبة حتى نتمكن من رؤية الجانبين في المشهد، نرى من يأكلون الأكباد والقلوب، ونرى أيضاً من ينزلون براميل الديناميت والمتفجرات على رؤوس الأبرياء العزل).
وبالنسبة لنا كمقاومة فلسطينية، فإن الواجب الشرعي والمسؤولية الوطنية يفرضان علينا أن تبقى فلسطين هي الأمانة التي يجب أن لا نضيعها، وأن لا نزج بها في أي نزاع أو صراع داخلي من أي نوع، لتبقى عزيزة على الجميع، وليبقى لها مكان في قلوب الجميع، لا أن تصبح تهمة يحاكم من يسأل عنها أو يتصل بأهلها بتهمة "التخابر" كما لو كانوا هم العدو!
إننا أمام هكذا حال، لا نملك إلا الصبر والثبات، لعل الله يحدث لنا أمراً؛ فتعود فلسطين من جديد بوصلتنا جميعا، وقبلة جهادنا حتى النصر والتحرير بإذن الله.
ختاماً، إننا، وبرغم كل التحديات والمخاطر، لواثقون بأن أمتنا ستتجاوز هذه المرحلة الصعبة من تاريخها بإذن الله، كما تجاوزت غيرها من المراحل المشابهة في عصور سابقة، وأن الله سبحانه وتعالى سيتلطف بها ولن يخذلها ولن يضيعها بإذن الله.. بارك الله بكم، وشكر الله لكم، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

