شيخنا "خضـر عدنــان"... أنت العنوان

السبت 04 فبراير 2012

بقلم: أ. ثابت العمور

 

دخل الشيخ المجاهد والأسير الصامد خضر عدنان منتصف شهره الثاني في إضراب مفتوح لا عن الطعام فقط ولكن عن الحديث والكلام مع سجانيه!!..  

 

الشيخ عدنان خضر حضر وسط الغياب وأسمع صوته من بهم صمم، وهم كثر، ونحن منهم وإن لم نكن معهم لكنهم ما زالوا على الموقف نفسه.. موقف غير ذات الشوكة.  

 

خضر عدنان ليس حالة وإنما قضية وثقافة وهوية وانتماء وفكر وممارسة، وأجراس تقرع وصمود منقطع النظير.. إنه حالة اشتباك دائمة ومستمرة وسط هدنة لا مبرر ولا مشرع ولا مصوغ لها، ووسط لقاءات "لا نتيجة" "ولا تقدم"، ولا حقا ستعيد.. الشيخ خضر عدنان عنوان بارز وكبير يسجل في رأس الصفحة الأولى وعلى أول سطر في الطريق الذي يجب أن نسلكه ونسير عليه، والأمر لا يتوقف عند أسير مضرب عن الطعام وتخشى عائلته على حياته مثلما يكتب وتروج لهذا المواقع ووكالات الأنباء بل إن في الأمر مؤشرات ودلالات وقراءات لا يفهمها ولا يعيها إلا من ذاقوا حلاوة الصبر والصمود والتحدي وارتضوا أن يرتدوا ثوب المقاومة رداء لم يخلعوه ولن يخلعوه.  

 

الشيخ خضر عدنان عنوان لما آلت إليه حالنا وآلت إليه انشغالاتنا وتطلعاتنا حتى بات همنا الأكبر وشغلنا الشاغل النظر لأسفل تحت أقدام "ميسي" ومن هم على شاكلته.. الشيخ خضر عدنان حضور وسط الغياب، ووحدة وسط الانقسام، ومقاومة على قارعة اللقاءات والمفاوضات، وهو تمسك وتماسك واستمساك بالحقوق والثوابت في زمن التفريط والتنازلات..  

 

الشيخ خضر عدنان يواري فتيل القنبلة ولا يخشى حد المقصلة، فكم حياة ولدت في الممات والشهداء لا يموتون بل هم أحياء عند ربهم يرزقون!!.. نحن الأموات ونحن المنسيون ونحن المتخاذلون والمتفرجون.. نحن الأسرى والأسرى هم الأحرار.. أحرار الإرادة والعزيمة والثبات والتحدي والصبر والصمود.. نحن لا نملك من أمرنا شيئا حتى: ماذا نفعل وما هو المطلوب وإلى أين نسير وإلى أين المسير، والمصير لا نعلمه ولا نعرفه؟..  

 

جهلنا بحالنا خلق منا دمى تجهل ما هو المطلوب وما هو الممكن، فلننظر إذن إلى الأسرى علنا نجد عندهم شيئا من الأشياء الكثيرة التي أضعناها وافتقدناها وسط هذا الصمت وهذا السكون شبيه صمت المقابر وسكون الأموات.

 

مناشدات وتصريحات وتهديدات وتلميحات ولقاءات وزيارات وجولات واستقبالات وفضائيات وإذاعات وأقلام وكتابات.. كلها حضرت لكنه حضور أشبه بالغياب إن لم يكن شبيها بالعدم، فما المحصلة وما هي النتيجة؟.. إذا دخل لص لبيتك وسرق أجمل الأشياء وأجمل اللحظات من عمرك.. ترى ماذا تفعل؟.. تخرج تندد وتشجب وتستنكر!!.. سيضحك عليك الناس ويتهمونك بالجبن والخوف والذعر، فماذا لو سرق اللص حياتك وحريتك وكرامتك وقبل الخروج خلع عنك ملابسك ربما ليفتش فيك عن بقايا كرامة أو سيادة أو سلطة حكم ذاتي!.. ترى هل تكتفي بجمع الجيران وتخرج للشارع لتسيير المسيرات ورفع الرايات.. إن هذا أمر وفعل يخجل منه حتى الأموات.  

 

ننعم ونأكل وننام، ثم نتحدث فقط.. نحن قوم لا نفعل شيئا ولا نجيد أمرا سوى الحديث من خلف "الميكروفونات" وأمام الكاميرات، وليذهب الأسرى والأسيرات في خبر كان وفي أي ظرف زمان أو مكان.. لا يهم طالما أننا نتحدث أكثر مما نفعل ونقول أكبر مما تطول هاماتنا وقاماتنا وأيادينا.. نحن قوم انشغلنا ولا شغل لنا!!  

 

حضر الشيخ المجاهد خضر عدنان رجلا وكم من رجل بمئة!! وبعض الرجال يزنون ألفا أو أكثر، ماذا نزن نحن؟.. ما هو وزننا؟، وأين فعلنا وردنا وثأرنا المقدس من هذا العدو المدنس؟.. تشغلنا المصالحة والانتخابات والصلاحيات والمحاصصات والرئاسيات واللقاءات وخطوة واحدة لم تقدم ولن نتقدم.. غابت فلسطين القضية المركزية، وبات تحرير البلاد والعباد قضية ثانوية بل لا تدرج حتى في الأجندات الثانوية، فاستباحنا العدو فوق الأرض وتحت الأرض وداس المقدسات والحريات والكرامات.

 

إن هذا الجرح النازف وهذه الملحمة البطولية التي يقودها رجل أعزل إلا من الإرادة يجب أن تستمر ويجب أن تتواصل، فإنها معركة بين الحق والباطل، وبين القناعات والاقتناعات التي تختفي خلف قناعات الذل والهوان والتيه في دهاليز الشرعيات الزائلة والزائفة، وعالم لا يفهم إلا لغة القوة، والقوة وحدها من تأتي بالحق وبالكرامة  وبالإنسانية لا حقوق الإنسان التي هي صناعة غربية بامتياز، ولا شرائع ومواثيق دولية صنعت وفصلت من أجل أن تدوسنا وتدوس حقوقنا وكرامتنا.  

 

إن ملحمة الشيخ خضر عدنان عنوان لصراع الحق ضد الباطل، وصراع الغرب ضد الشرق، وهي جزء من صراع كبير وطويل وعميق، ويجب أن ينتصر، ويجب أن ننتصر لا له فقط ولكن لأنفسنا.. إن المواقف التي خرجت وعبرت عن تضامنها مع الشيخ الأسير لا ترتقي لإحداثيات المعركة وحيثيات الملحمة، وهي عنوان لحالنا وما آلت إليه أحوالنا.  

 

إذا بقيت مواقفنا وتعاطينا مع كل هذا الذي يحدث كما هي الحال عليه من صمت وسكون وسكوت وفرجة فإننا أمة لا تستحق أن يقرأ عليها السلام، فهذا العدو تجاوز حدود المنطق والمعقول، وهذه أمة تدعي أنها أمة المليار وأنها أمة سليلة ابن الوليد والمعتصم وابن المختار فما لها قبلت هذا الذل وهذا الهوان؟.. ما المطلوب فعله صهيونيا بعد ذلك كي توقد الضمائر وتعمر القلوب وتشمر السواعد وينطلق البارود معلنا نارا لا تعرف الحدود والقيود.  

 

كم شيخا ننتظر ليوقظ فينا همة وكرامة ويستدعي فينا وحدة وإنسانية وذودا عن الديار؟!..  

 

هناك في قبلة المتخاذلين والمتنازلين والمدعين زورا وبهتانا أنهم نخبة وصفوة وقيادة يحجون حيث يقبع الأسير المجاهد عمر عبد الرحمن، وهنا حيث يفاوضون تارة ويهادنون تارة أخرى يقبع الشيخ خضر عدنان وخلفه ما يزيد عن سبعة آلاف أسير، ونتبجح بالحديث عن التغيير والتعمير والتدوير والتنوير و"التثوير" والحرية والديمقراطية والكرامة والإنسانية.. ألا تبا للشرعية الدولية وتبا لمواثيق حقوق الإنسان الدولية، وتبا لراحة ونوم يملآن الجفون إن لم يخرج هؤلاء الأسرى المجاهدون من  السجون.. ألا تبا لأمة تنام على وقع أقدام السجان قادما ليمارس تفتيشه العاري.. أو لا تبا ثم تبا لأولئك الذين قبلوا الذل وقرعوا أبواب الغرب بحثا عن كرامة تتقدمها مهانة.. ألا تبا لهذه الأنظمة وهذه المقدرات والقدرات وتبا لهذه المليارات التي تهدر لشراء الدبابات والطائرات إن كانت كلها لا تحرر الأسرى والأسيرات.. يا شيخ خضر عدنان: لا تلتفت إلينا ولا تنتظرنا؛ فنحن قوم قعود.. واصل دربك يا رجل ولا تلتفت لقوم نزلوا عن الجبل وما وجدوا الغنائم.

 

نحن الذين ننتظرك وننتظر منك أن تحررنا من هذا الذي بتنا فيه، فأنت الحر ونحن الأسرى.. أنت صاحب الإرادة ونحن فاقدوها وفاقدو البوصلة والشرعية بعدما ضعنا وضيعنا القضية.

 

يا شيخنا الجليل: لقد أضعنا قبل ذلك يافا وعكا والقدس والجليل والخليل، ومنذ ستين عاما ندعي كذبا وزيفا أننا نعد العدة ونسن السيوف والخناجر ولا حرب خضنا ولا في معركة انتصرنا.. فقط نصرخ حتى جفت الحناجر، باتت حضارتنا وثقافتنا ووسيلتنا وممارستنا، فقوم هذا هو حالهم لن يحرروا قضية ولن يخرجوا أسيرا ولن يتصالحوا ولن يتصارحوا فيما بينهم!..

 

من هم وأين هم وماذا فعلوا بنا وبهم؟.. يا شيخنا: عجبا لنا نستمد صبرنا من صبركم وكرامتنا وعزتنا من مواقفكم!.. يا شيخنا: أنتم العنوان ونحن المجهول.. أنتم المعرفة بالمعركة وسيوفها وحرابها ونحن النكرة.. نكرة سنبقى في التاريخ وفي الجغرافيا في الزمان وفي المكان.