"أبا عبــد الرحمــن".. الفــارس الوحيــد في الميــدان

الأحد 05 فبراير 2012

بقلم: خالد صادق

 

اليوم يغفو الجوع على مقلتيك وينتحب كأنه ينعي تجاهلنا وتخاذلنا وهواننا.. اليوم تطبق جفنيك الذابلين أبا عبد الرحمن على حافة الموت كأنك تستغفر لهذا العالم غفوته وغفلته ولهوه.. اليوم تشفي أنين الأسرى وعذابهم بجيش أمعائك الخاوية الذي يتحدى جبروت الجلاد.

 

عذرا أبا عبد الرحمن؛ فأنت الفارس الوحيد في الميدان، وإنك تنوب عن الأمة في صراعها ضد غطرسة الاحتلال وصلفه وجبروته واستخفافه بكل ما هو حوله.. أرادوا أن يجبروك على "عيش" لا يطيقه الأحرار فخرجت من جسدك الواهن شظايا البركان لتفضح صنعهم وهمجيتهم وحيوانيتهم التي تتبرأ منها وحوش البراري.

 

خضر عدنان صخرة الصمود في وجه الجلاد.. فارس يعتلي صهوة جواده ويتبختر في الميدان.. يرسم في مخيلتي صورة الصحابي الجليل أبي دجانة -رضي الله عنه- الذي فهم معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فأخذه أبو دجانة وربط عصبة حمراء على جبينه ووقف يتبختر أمام الكفار وأنشد يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي

ونحن بالسفح لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول

أضرب بسيف الله والرسول

 

اضرب عنا يا عدنان بسيف جوعك وأمعائك الخاوية، واقتف أثر الرسول؛ فنحن يفضحنا عجزنا وأنت تتحدى المنون.. لن تحيد بوصلتك ولن يزيغ بصرك ولن تزعجك جحافل الفلول فأنت لا بد منتصر، والنصر حتما لن يطول.. فقل شعرك ونثرك فلا ينبغي لأي منا بعدك أبا عبد الرحمن أن يقول.. اتل علينا قصيدة رثائك قبل أن تودعنا فإن أعمارنا لن تطول وغدا يسألنا ربنا عن عجزنا وتخاذلنا فماذا يمكنننا أن نقول؟.

 

عباد ليل إذا جن الظلام بهم

كم عابد دمعه في الخد أجراه

وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم

هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفرا

يشيدون لنا مجدا أضعناه

 

لك الله أبا عبد الرحمن.. فلتبق ثورتك متقدة لعلنا يوما نأنس بنارها فنلتحق بركبك وأنت تسير وحدك وتردد: "آه يا وحدي.. أو في المشهد البحري.. في ليل الزنازين الشقيقة.. في العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقة في كل شيء كان عدنان يلتقي بنقيضه.. يريد هويّة فيصاب بالبركان.. سافرت الغيوم وشّردتني ورمت معاطفها الجبال وخبأتني.. وجدت نفسي قرب نفسي فابتعدت عن الندى والمشهد البحري.. وأنا البلاد وقد أتت وتقمصتني.. وأنا الذهاب المستمّر إلى البلاد وجدت نفسي ملء نفسي.. عدنان الآن الرهينة.. تركت شوارعها المدينة وأتت إليه لتقتله.. كانوا يع ّ دون الجنازة وانتخاب المقصلة.. يا أيّها الفارس الموزّع بين نافذتين قاوم؛ فالفجر قادم".

 

عش طويلا أبا عبد الرحمن فالنصر نصرك لا محاله، وإن أرادوا تجويعك وقتلك فموتك استحالة.. لن تبقى في الميدان وحدك فربيع عمرك المقاتل سيفجر فينا ثورة .. إن أمعاءك الخاوية ستلتف حبل مشنقة حول رقابهم ولن يستطيعوا الخلاص، وكرسيك المتحرك ستسحقه إرادتك الحية ويتناثر تحت قدميك المنغرستين في أحشاء جلاديك.. امض بثورتك حتى النهاية فإن الموت أمام صمودك الأسطوري سراب.. سراب.. سراب.