الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله الا هو وإليه المصير، جعل لعباده أوقات وأماكن متميزة لمضاعفة الأجر والثواب، رحمة وكرماً وفضلاً، منها شهر رمضان الذي سيحل على أمة الإسلام كما حلَّ عليها من قبل، فهنيئاً لمن كان يومه صياماً وتقرباً إلى الله بشتى أنواع العبادة،وعلى رأسها ذروة سنام هذا الدين، الجهاد في سبيل الله، وقضى ليله قياماً وتهجداً تزوداً ليومه من أجل إرضاء ربه .وأصلي وأسلم صلاة وسلاماً دائمين على حبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الذي علّمنا كيف نتقرب إلى الله في هذا الشهر الكريم.
حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول اللّه علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، قال: هل تستطيع أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فو الذي نفسي بيده لو طوّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أو ما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات .
الحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد والسير
أما الفئات التي أريد أن أوجه إليها هذه الكلمات فهي الفئات التي حملت راية الإسلام بحق، الفئات التي هجرت ما حرم الله تعالى وسلكت طريق الجهاد في سبيل الله تبحث عن مأمن لدينها ومكان تعبد فيه ربها أو تعد فيه العدة للجهاد في سبيل الله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل.
الفئات التي تعيش لدينها وبدينها، ولا تعرف الركوع أو السجود أو الطاعة إلا لله عز وجل، لا يغريها الإغراء ولا يرهبها الترهيب.
رمضان وسيلة لا غاية
رمضان هو شهر الصبر وتمحيص للنفس، ومن لا يتعلم الصبر فيه ويروض نفسه عليه فقد خسر خسراناً مبيناً. فالصبر هو مفتاح النصر والفلاح في الدين والدنيا، وما الجهاد إلا صبر وتضحية وكبح لجماح النفس.
وكل من لا يكون هدفه هو إعداد النفس للجهاد في سبيل الله فهو بلا شك لا يدخل في هذه الفئة، ومن ثم فعليه واجب عظيم وهو أن ينقذ نفسه من براثن النفاق الذي يوشك أن يقع فيه، فرسول الله صلى اللع عليه وسلم يقول :" من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو فقد مات على شعبة من نفاق".}رواه ابن عساكر بسند صحيح{
وشهر رمضان هو محطة للتربية والإعداد الجيد من أجل تمهيد النفس للدخول في معمعة الجهاد، حيث أن هناك امتناع عن شهوتي البطن والفرج ، وهما الشهوتان الأساسيتان اللتان ينبغي تجاوزهما أثناء فريضة الجهاد، وهما بلا شك ثغرتان عظيمتان يستهين بهما كثير من الناس، بل إن أغلب الصائمين لا ينجحان في تعويد النفس على الزهد فيهما خلال شهر الصيام، حيث يهدمون بالليل ما يبنونه بالنهار فيطلقون العنان لهاتين الشهوتين خلال الليل ليعوضوا ما فاتهم بالنهار، ولو في الحلال، فلا استفادة ولا فائدة.
إننا مطالبون أكثر من أي وقت مضى باستغلال شهر رمضان واتخاذه وسيلة للارتقاء بالنفس إلى أعلى مراتب التقوى والصبر لتكون مهيأة لتلبية نداء الجهاد في كل لحظة وآن.
فكما تتخذه الفئات الضالة غاية للسهر والأكل والشراب والفئات القاعدة غاية للعبادة وعمارة المساجد، فإنه يتعين على المجاهدين والمرابطين أن يتميزوا في هذا الشهر ويحولوه إلى مدرسة ومحطة من أجل ملئ ثغرات الضعف لديهم وتقوية الوسائل التي لديهم ليكونوا أقرب إلى الله وإلى تلبية نداءات الجهاد.
بالنسبة للمرابطين على الثغور:
أن يكون هذا الشهر فرصة لتصعيد وتكثيف أعمالهم الجهادية، اقتداء بسلفنا الصالح وبرسول الملحمة عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي يقول:" بعثت بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ".رواه أحمد
فأول غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت غزوة بدر، وقد كانت في رمضان، وغزوة بدر هي أول لقاء حرب بين المسلمين والكفار وقد سمى الله تعالى ذلك اليوم بيوم الفرقان لما له من قيمة عظيمة.
فقتال الأعداء من أعظم القربات إلى الله تعالى فهو ذروة سنام الإسلام، فكيف حينما يكون في رمضان وهو أفضل الشهور عند الله عز وجل .
ستلتقي بلا شك الذروتان لتكون ذروة كبرى لا يبلغها إلا من اصطفاه واختصه الله بذلك الشرف العظيم، صيام وقتال، وكلاهما جهاد، فالأول جهاد للنفس لكبح جماحها عن المعصية والثاني جهاد للأعداء لكبح جماحهم عن الفساد في الأرض ونشر الفتنة.
فطوبى لمن وفقه الله واختاره لأن ينال شرف الشهادة في هذا الشهر المبارك ليُفطر مع محمد وصحبه في أعلى عليين ويشهدوا معه زفافه باثنتين وسبعين من الحور العين اللاتي ينتظرنه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
كما ينبغي على المجاهدين والمرابطين أن يتقربوا إلى الله تعالى في هذا الشهر بتقوية الروابط الإيمانية فيما بينهم والإكثار من خدمة إخوانهم حتى يقوى الصف المجاهد ويزداد متانة وصلابة في مواجهة الأعداء، وبهذا يمكنهم تفويت الفرص على الشيطان حتى لا يفسد العلاقة فيما بينهم فيضعف الصف وتذهب الريح.
فعنصر الأخوة من أقوى الأسلحة التي ينبغي المحافظة عليها، وينبغي استغلال نزول السكينة والرحمة في هذا الشهر لرص الصف والتنازل عن حظوظ النفس وإيثار الغير تقرباً إلى الله وإغاظة للشيطان إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.
فالنفس والشيطان من أخطر الأعداء الذين ينبغي الانتصار عليهم في هذا الشهر الفضيل وبدون هذا لا يمكن تحقيق النصر على العدو الخارجي.
والنداء هنا موجه إلى جميع الفصائل المجاهدة على أرض فلسطين، حيث ينبغي السعي الحثيث والجاد لتوحيد الصفوف ولا أقل من مواصلة البحث عن سبل تنسيق الجهود لتقوية شوكة الجهاد وإضعاف العدو، فقد يكون في تعدد الجبهات مصلحة كبرى للإسلام والمسلمين ولكن توحيدها تحت إمرة واحدة لهي المصلحة الأكبر لو كانوا يعلمون. لتحرير أرض فلسطين على ضوء كتاب الله وسنة رسوله.
كما أن النداء موجه إلى الإخوة في سجون الاحتلال الصهيوني من أجل رص صفوفهم وجمع كلمتهم لمواجهة الوسائل الترغيبية والترهيبية التي يستعملها الاحتلال في سبيل تفريق كلمتهم وإضعاف شوكتهم، حتى لا ينسوا أنهم على ثغر كبير وجهاد مرير للمحافظة على دينهم وعدم الركون إلى الظالمين.
وأوجه نداءاً خاصاً لإخواننا في الأسر أن يكثفوا دعاءهم في الليل والنهار - ليس من أجل فك أسرهم فحسب، لأن أسرهم قد يكون فيه خيراً عظيماً لا يدركونه، - بل عليهم أن يخصوا إخوانهم المجاهدين المرابطين على الثغور في دعائهم أن يسدد رميهم ويقوي شوكتهم ويؤيدهم بجنود من عنده، فهم أمل هذه الأمة جمعاء ورأس حربتها في مواجهة كيد الأعداء.
أما بالنسبة لأبناء شعبنا المرابطين على ارض فلسطين
فدورهم في هذا الشهر المبارك هو التكثيف من الإعداد وتنويع وابتكار أساليب النصرة لإخوانهم المجاهدين، وهذا في انتظار أن يلتحقوا بساحات القتال، وإن كانت الساحات التي يتحركون فيها لا تقل أهمية عن ساحات القتال المباشرة، لأنهم على ثغر عظيم وهي ارض فلسطين .
كما أن عليهم واجب أخذ المزيد من الحذر لمواجهة الأعداء الذين يتربصون بهم من كل جانب يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً . النساء
فالعدو الصهيوني قد جنَّد ما لا يُحصى من العملاء والوسائل للإطاحة بهم في شِراكه، وهذا يتطلب من أبناء شعبنا أن تكون لديهم القدرات والكفاءات العالية لمواجهة هذه الظاهرة الصهيونية .
في هذا الشهر المبارك يكون العبد أقرب إلى الله من غيره من الشهور، ولابد بالتالي من تكثيف الدعاء والتضرع إليه سبحانه أن يفتح على المجاهدين أبواب الخير ويُعمي عنهم عيون الأعداء وأبصارهم لكي يواصلوا طريق الجهاد والمقاومة .
نسأل الله تعالى أن يسدد رمي المجاهدين ويثبت الأقدام ويتقبل منهم صالح الأعمال والحمد لله رب العالمين.

