هنيئاً للأسيرة "هناء" التي أخجلتنا

الثلاثاء 28 فبراير 2012

بقلم/ خالد معالي

 

الأسيرة هناء شلبي لم تعد جوعى للطعام بل للوطن. فهذه الأسيرة - حيث لا نصير ولا حليف – أخجلت كل من عنده ذرة من قيم وأخلاق، بمواصلة إضرابها عن الطعام، برغم الهجمة المسعورة، وحالة القهر والذل ضدها، والقيود الثقيلة حول معصميها وقدميها، وعدم الأكل لليوم الـ14 على التوالي دون توقف.

 

كل من عنده غيرة وشرف، وعند تناوله ألوانا مختلفة من الطعام؛ يؤنبه ضميره، ويشعر بالتقصير والتقاعس عن نصرة الأسرى والأسيرات الذين يعانون من ظلم الاحتلال بأبشع صوره، وهو الأسر بدون تهمة تذكر، اللهم سوى أنهم أحبوا وطنهم وتمسكوا به، ورفضوا الظلم.

 

لا عذر لمن تكاسل أو تخاذل أو تراجع عن نصرة الأسيرة هناء، وبقية الأسيرات والأسرى، فها هي تدفع ضريبة حبها لوطنها من سنين عمرها الوردية، فهل بقي لأحد عذر؟! صارت الأسيرة وجعا في كل قلب حر وغيور في هذا العالم، ونخزة ضمير لكل حر وأبي في الوطن المأسور والمقهور.

 

تعلمت الأسيرة هناء منذ نشأتها ألا تخضع لظالم مهما علا ظلمه وغيه، وأن الحق ينتزع من حلوق الأعداء نزعا، وأن الاحتلال هو العاري من الأخلاق والحق والعدل، وإن قام بتعرية أسرانا وأسيراتنا بالتفتيش المهين، ولذلك بقيت عالية الهمة ومصممة على نزع حقها بالحرية والعيش الكريم، كبقية فتيات ونساء العالمين.

 

بسلاح الصبر على الجوع والغثيان، والإرادة والعزيمة التي لا تلين، تواصل الأسيرة بشموخ يطول عنان السماء إضرابها غير آبهة بتهديدات السجان، والذي لا يتقن سوى التعذيب والتهديد والوعيد وعزلها عن العالم.

 

ها هي الأسيرة هناء تنجح في إيصال معاناتها ومعاناة الأسرى والأسيرات، ولا تتوقف عن المطالبة بحقها، وهي بذلك تخرج من دائرة الرضوخ والاستسلام للأمر الواقع السيئ، إلى دائرة الفعل وصناعة الحدث.

 

تهزأ الأسيرة هناء بقوة وسطوة محتليها، ولم تعبأ بسياط جلاديها؛ لعلمها أن يوم المظلوم على الظالم أشد وأقسى من يوم الظالم على المظلوم، وما هو ببعيد. لو أن هناء رضيت واستكانت للطغاة العتاة لما أضاءت شمعة في الظلام الدامس، وحركت النفوس والعقول لإيجاد أفكار ووسائل خلاقة لفضح وتعرية الاحتلال الغاشم.

 

تعسا لأمة المليار ونصف المليار مسلم وهي تتفرج على معاناة الأسيرات والأسرى دون أن تحرك ساكنا، فهناء تنوب عنهم في مقارعة المحتل، وهي التي لا تملك سلاحا سوى سلاح الإرادة، في الوقت الذي يملكون هم جيوشا جرارة لا حد لها.

 

نرى الخجل في وجوه من يسمعون خبر إضرابك، فهنيئا لك يا هناء، يا فخر الأمة والشعب الفلسطيني، وأنت تحركين دماءهم الكسولة التي طال نومها وسكونها.

 

لو أن مجندة من جيش الاحتلال وقعت أسيرة في المقاومة، لقامت قيامة دولة الاحتلال ولتحركت معها دول الغرب كافة، ولعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن، وقد تشن الحرب لأجل تحريرها، ولكن هناء لا بواكي ولا عزاء لها، وحتى الفعاليات التضامنية لم ترق للحد الأدنى المطلوب لنصرتها.

 

سيشكل إضراب الأسيرة هناء مدرسة تتعلم منها الأجيال كيفية مقارعة الباطل، وصناعة النصر مع ضعف الإمكانيات، برغم تغول قوى الباطل.

 

مع كل إشراقة شمس يوم جديد، تقترب الأسيرة هناء من النصر، ويتجدد الأمل بقرب خلاصها من الجدران الصماء وزرد السلاسل، وإنما هي لحظات صبر تملكها أقوى من الجدران والزنازين والأسلاك الشائكة، وترسانة الاحتلال العاتية. فهل ننصرها؟ أم نتركها فريسة سهلة للاحتلال؟!