الأسيرة هناء شلبي.. إثبات لدور المرأة الفلسطينية في المقاومة

الجمعة 02 مارس 2012

آمال أبو خديجة

 

لم تُعد هي الأيام التي رأت بها حريتها ليعود ذلك الاحتلال لسلبها من جديد بعد أن تم تحريرها ضمن صفقة وفاء الأحرار، " هناء شلبي " ابنة الثلاثين عاماً مضت سنوات من عمرها تقبع داخل زنازين الظلم والظلام وعندما فُتح لها باب النور عاد ليُطفئ من جديد وتُسرق سعادة حريتها ويُظلم حياتها ومستقبلها.

 

تسطر " هناء شلبي " اليوم صورة عظيمة عندما تتحدى ذلك السجان الذي عاد لسلب حريتها ويفرض عليها عقوبة القهر بالحكم الإداري لتتخذ من أمعائها سلاحاً ترد به على ذلك السجان وقهره، فقد وصلت حتى الآن لما يقارب ثمانية أيام ترفض فيها أن تنال لقمة طعامها حتى تنال لقمة العيش الكريم واسترداد الحرية وإسقاط قوانين وأوامر الظلم لذلك المحتل.

 

فبالأمس ضرب لنا الأسير " خضر عدنان " مثالاً يُحتذي لمعنى علو الكرامة فوق كل شيء، والتمرد على الظلم والقهر بإضرابه عن الطعام لفترة زمنية فاقت كل القدرة الإنسانية المستطاعة للحفاظ على الحياة حتى أُذهل بإرادته ذلك المحتل وقدرته على التحدي والصبر والتثبت بالحياة بطول المدة التي حُرمت أمعاؤه فيها لقمة طعامه، لكن سجانيه نسوا أن إرادة العيش الكريم واسترداد الحرية تمد جسده بغذاء الروح فقويت إرادته ليتمسك بالحياة حتى آخر أنفاسه ويحقق إرادته ويجبر سجانه لينصاع لأوامره وينال حريته التي ما زالت مقيدة على سرير المرض والعلاج ليسترد عافيته ويطلق حرا من جديد.

 

تكرر " هناء شلبي " الدرس العظيم الذي بدأه ذلك الشيخ الكريم فسارعت لتقتدي به وتعلن حربها كما كان هو بالأمس، لتتحدى جبروت الظلم وتسترد الحرية ولتفتح مجالاً لكل الأسرى الإداريين وغيرهم أن يمارسوا تلك السياسة الوحيدة التي ترد لهم حريتهم وكرامتهم، فيبدو أنا أسرانا فقدوا الأمل من غيرهم أن يفك أسرهم، وتيقنوا أنهم يجب أن يُحرروا أنفسهم بأمعائهم الخاوية لعجز كل الأطراف عن تحريرهم وضعف الانتماء والتأيد لقضيتهم من منظمات دولية ومسئولين وشعوب عربية.

 

فما تمر به الأسيرة " هناء شلبي " إنما يعبر عن الصورة العظيمة التي تصورها المرأة الفلسطينية التي قدمت وتقدم الكثير من العطاء والتضحية لأجل قضيتها، فالمرأة الفلسطينية عبر تاريخ و سنوات النضال الفلسطيني كانت دائما معطاءة ومضحية لجانب الرجل وليست بعيدة عنه، فدخلت كل ميادين الكفاح دون أن يردها الخوف أو جبروت ذلك الاحتلال، فكانت شهيدة نزفت دماؤها وهي تتشبث بأرضها وتدافع عن أبنائها وأحفادها، وجريحة تُركت بصمات الأذى على جسدها ليبقى ألأثر الشاهد على قهر وظلم ذلك المحتل، وأسيرة حُكمت بأعلى المؤبدات وسنوات الاعتقال لتمكث خلف الجدران وغرف العزل والقهر، ومكافحة تحمل السلاح بحجارتها وبندقيتها تقف بصف المواجهة الأولى لترد مُغتصب أرضها، وتواجدت بميادين الكفاح والبناء كلها فكانت مربية ومعلمة، وفي مجال البناء والتكافل الاجتماعي لم تكن بعيدة حيث حاولت كلما سنحت لها الفرصة أن تُبرز دورها في بناء مؤسسات مجتمعها وتُطور بعقلها ويديها ما تقدر عليه وتساهم في زيادة التحضر والتقدم والسير نحو النجاح لقضيتها ، فحرصت المرأة الفلسطينية أن تُظهر انتماءها ودورها إلى جانب الرجل وأن لا تبقى مُهمشة لا تؤدي دورها وعطاءها لتحظى بدور البناء والتقدم لأبناء مجتمعها.

 

" فهناء شلبي " ليست الوحيدة في داخل زنازين الظلم والاحتلال فإلى جوارها أسيرات أخر تركنّ خلف الجدران منكسرة قلوبهنّ بعد أمل ووعود الإفراج عنهنّ، ولعل عودة الأسيرة هناء إليهنّ واسى وخفف عن قلوبهنّ وقع ألم النسيان عليهنّ وأصبحنّ من يواسي " هناء " لقيدها الجديد، وعلمنّ أن ذلك السجان لن يعطي لهنّ الحرية الآمنة وسيعود ويسلبها منهنّ متى شاء ولن يترك أجسادهنّ تنعم على راحة الفرش داخل بيوتهنّ وبين الأهل والأحباب.

 

هنيئا لك يا " هناء " على ذلك الكفاح وتلك الصورة التي تصورينها للعالم لنموذج المرأة الفلسطينية وقوتها التي لا تقهر ودروها العظيم في النضال ، هنيئا لك لأنك أسطورة جديدة تعلمينّ فيها كل نساء العالم ورجالاتها كيف تكون إرادة الحياة واسترداد الكرامة و الحق في الوجود.

 

تمردت " هناء شلبي " على الظلم لتلفت انتباه العالم لظلم ذلك السجان وتضغط عليه لتسترد ما سلب منها، ولتظهر صورة الألم الذي يعانيه الأسرى جميعاً داخل سجون المحتل وما يفرضه ذلك السجان من أوامر وقيود تخالف كل القيم والأخلاق والقوانين الإنسانية التي نصت على حرية الإنسان وحقه بالحياة حتى وقت الحروب والأزمات، وها هي الأيام تمر على أمعائها الخاوية ولا نعلم إن كان جسدها النحيل سيقدر على تحمل أيام الجوع الطويلة التي تحمّلها جسد ذلك الشيخ " خضر عدنان " أم سيكون أسرع لسقوطه وفقدان الحياة لتسطر نيل الشهادة من داخل السجون والمعتقلات.