بقلم: خالد معالي
كثيرة هي الدروس والعبر من مواصلة الأسيرة الفلسطينية هناء شلبي إضرابها عن الطعام للأسبوع الثالث. كل حدث على الساحة الفلسطينية - شديدة الحساسية - له انعكاساته وارتداداته المتتالية، على المدى القصير والبعيد.
من أهم دروس الأسيرة هناء: أن الإنسان مهما تصور أنه ضعيف ولا يملك القدرة على صناعة الأحداث؛ فإنه يملك طاقات وقدرات كبيرة لا يلحظها، ولم يكتشفها بعد- بفعل عوامل كثيرة- يمكن له أن يفعلها ويبعث الحياة فيها من جديد؛ لتغير مجرى الأحداث من السلبية إلى الإيجابية.
سلاح الصبر، والإرادة، والأفكار الخلاقة، والإصرار على الحقوق، والتخطيط السليم القائم على أسس صحيحة في استغلال نقاط ضعف العدو، والإيمان بحتمية النصر، والتضحية في سبيل المبادئ الكبرى والوطن؛ كلها أسلحة ذات طاقات كبيرة لا يمكن للاحتلال أن يعطلها أو يحاربها بتفوقه الحربي من طائرات وأسلحة مدمرة.
الدروس القاسية، والعبر من إضراب الأسيرة هناء تتوالى؛ منها أن المرأة الفلسطينية يمكن لها أن تكون ليست شريكة للرجل فقط في مقاومة الاحتلال؛ بل أيضا أن تبدع وتتفوق عليه، وتعلم "أشباه الرجال" في زمن التراجع والانكفاء، معاني العزة والكرامة، والوصول إلى الأهداف، وتحقيق النتائج المشرفة؛ برغم قلة الزاد وطول المسير، ومشاق السفر الطويل.
لنا أن نتصور فتاة فلسطينية تعاني من ظلم الاحتلال بأبشع صوره وهو الأسر، حيث لا أهل ولا أصدقاء ولا يوجد حولها من يناصرها؛ تخوض معركة لوحدها مع سجانين لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة ولا يمتون بصلة للإنسانية لا من قريب ولا من بعيد، فحتما هذه إنسانة قل نظيرها، وتسطر حياتها بماء الذهب بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف.
تعجز الأقلام عن الكتابة حول عذاب فقدان الحرية وقهر النفس البشرية؛ فكيف بنا ونحن أمام حالة غير عادية، من تعذيب وقهر وظلم فلسطينية حرة وعزيزة النفس، أبية لا تنام على ضيم وظلم؟!
نجحت الأسيرة هناء – رغم زرد السلاسل وقسوتها - عبر إرادتها الصلبة وعزيمتها التي لا تلين؛ في إسماع صوتها المخنوق والمظلوم، وترداد مطالبها العادلة والمشروعة؛ بالحرية والخلاص من ظلم الأسر وعتمة الزنازين.
إيمان الأسيرة هناء بحقها في العيش بكرامة، وحق شعبها في الحرية كبقية الشعوب، وضرورة كنس الاحتلال إلى مزابل التاريخ؛ هو ما يفجر طاقاتها في الإصرار على تحمل آلام الجوع؛ كونه حالة عابرة كالاحتلال، ورفض ذل الركوع لمحتل جبان، يستأسد على أطفال وفتيات ونساء فلسطين؛ بالاعتقال والضرب والتفتيش العاري.
كل فلسطيني وعربي ومسلم يفتخر بالأسيرة هناء، التي تواصل مع إضرابها عطاء متواصلا من الدروس والعبر، لمن ظن أن الوهن وعدم القدرة على التغيير قد أصابه، وأقعده عن الحراك وصنع الأحداث.
ها هي الأسيرة هناء تخط دروس النصر وإن كان نصرا متواضعا إلا أنه يؤسس لمرحلة جديدة، ويشحن الطاقات من جديد، ويبعث الهمة في كل من تكاسل وتواكل وظن أن لا قبل له باحتلال يضرب بعرض الحائط كل القيم والأخلاق والقوانين ومبادئ الإنسانية.
حقا لكم أهل فلسطين المحتلة أن تفخروا وترفعوا رأسكم عاليا؛ بأمثال الأسيرة هناء شلبي وخضر عدنان والقائمة تطول. وحقا للأسيرة هناء أن تمثل مدرسة العزة والكرامة بجدارة، ورفض آلام الركوع

