معركة المخيم.. دمٌ يهزم السيف

الخميس 05 أبريل 2012

في الوقت الذي كان فيه الكيان الصهيوني يروج لقوة وصلابة جيشه ويصفه بأنه "الجيش الذي لا يقهر", وأن الكيان الصهيوني هو القوة الرابعة عسكريا على مستوى العالم بعد أمريكا وروسيا وبريطانيا, وأنه يملك سلاحا جويا قادرا على تحقيق النصر والفارق للكيان، كان الدليل العملي الأول على زيف هذه الادعاءات "ملحمة جنين البطولية"، والتي قادها الشهيد القائد محمود والاسيرين علي الصفوري وثابت مرداوي والشهيد ابو جندل والشيخ رياض بدير..... لقد تكفل هؤلاء القادة بكشف زيف هذا الجيش وكذب ادعائه, لتتوالى بعدها الضربات المتلاحقة والموجعة للجيش الصهيوني في كل مكان/ ولتهتز ثقة الصهاينة بجيشهم الذي لا يقهر وليدركوا زيف هذه النظرية.


قبل عشرة سنوات كانت ملحمة جنين البطولية وكان الصمود الأسطوري لأهالي المخيم في وجه الترسانة العسكرية الصهيونية, لم يستطع الاحتلال حينها اقتحام المخيف والقضاء على المقاومة داخلة, رغم أن ثلاثة كتائب عسكرية صهيونية تعاقبت عليه لاقتحامه, لكنها فشلت وخسرت في العدة والعتاد, فلجأ الجيش الصهيوني الهمجي لاستخدام الجرافات والبلدوزرات الضخمة لهدم المخيم على رؤوس ساكنيه؛ ليرتقي الشهداء تباعا تحت أنقاض البيوت؛ فيستشهد محمود طوالبة قائد المقاومة في المخيم وأبو جندل وغيرهم من عشرات المجاهدين والمدنين العزل, وليتبين للعالم مدى دموية الاحتلال وتغوله وعدم أخلاقيته وانتهاكه لكل المواثيق والأعراف الدولية.

 

هذا الانتصار للمقاومة الفلسطينية في جنين مثّل ضربة موجعة آنذاك للكيان الصهيوني, فتعاقبت الضربات العسكرية وتوالت على محافظة جنين ومخيمها في محاولة للقضاء نهائيا على المقاومة, وتحملت حركة الجهاد الإسلامي العبء الأكبر من هذه الضربات؛ لأن قائدها محمود طوالبة ومجاهدي السرايا كانوا يقودون المقاومة وأثبتوا قدرة كبيرة على الصمود والثبات وإيقاع الخسائر في صفوف الاحتلال. لقد تعهد قادة الكيان الصهيوني العسكريين بالقضاء على الجهاد الإسلامي في جنين, فلاحقوهم وقتلوهم وزجوا بالمئات منهم في السجون الصهيونية, لكن كل هذا لم يضعف الحركة ولم يفت في عضدها ولم ينهها, بل خرج الاستشهاديون الذين تربوا على يد محمود طوالبة بالعشرات من جنين ومخيمها وقراها؛ ليفجروا أجسادهم الطاهرة في قلب الكيان ويوقعوا بينهم أكبر الخسائر, وليعلم بذلك الاحتلال أن حربه على جنين لم تفشل فقط, إنما خرّجت أجيالا من الاستشهاديين والمجاهدين قادوا مرحلة جديدة من المقاومة لم يستطع الاحتلال أن يتعامل معها, وأيقن بأنه لم يحقق أهدافه من عدوانه على جنين فلجأ لـ"السلطة الفلسطينية" كي تقوم بهذا الدور.  

 

فاطلق العدو على جنين والى هذا اليوم "عش دبابير سرايا القدس" وانها معقل الجهاد الاسلامي، لكثرة الاستشهاديين والقادة والشهداء الذين خرجوا من هذه المدينة وأذاقوا العدو الويلات بعملياتهم الاسطورية التي مازال يشهد لها التاريخ، فرغم التآمر من قبل ذوي القربى واعداء الله على سيف الحق، الا ان الجهاد الاسلامي في جنين مازال يعيد مجد الانتصارات بعد عشرة اعوام، فكان الانتصار من جديد مع الشيخ خضر عدنان وكان على الطريق هناء الشلبي ومازال الابطال والقادة العظام على عهدهم.

 

لكن جنين التي جُبل ترابها بدماء الشهداء الأطهار.. جنين التي تعيش الآن الذكرى العاشرة لمعركتها المجيدة.. جنين التي زفت مئات الاستشهاديين ممن أذاقوا الاحتلال الويلات.. هذه "الجنين" لن تروض ولن تخمد ثورتها ولن تنطفأ جذوتها, وستنتفض في وجه المؤامرات وسترسم ملامح عزها ومجدها التليد من جديد.

 

لن تستطيع السياط التي تتهاوى على ظهرها أن تنتزع ممن فيها كلمة استسلام.. ستبقى جنين وفية لتاريخها وملحمتها ودماء شهدائها وجرحاها.. ستبقى وفية لترابها الطاهر الذي أبى الذل والمهانة.. ستبقى جنين موج البحر الهادر الذي لا ترده تلك السدود المشيّدة عن وجهته نحو شاطىء الأمان.

 

هي ذكرى الملحمة والبطولة إذن.. جاءت لتعيدنا إلى أسلافنا من أحراش يعبد حتى حدود المخيم.. جاءت لتغرس فينا براكين الثورة.. لتمنحنا وسام النصر من جديد حتى نلتحق بركب الشهداء الأطهار.. جاءت لتسمعنا أزيز رصاص محمود طوالبة وهو يحاصر جيشهم الهزيل, وصرخات الجنود يتوسلون العفو والغفران, ويلعنون قادتهم الذين أرسلوهم إلى الجحيم.

 

لم تكتمل الرحلة بعد ولم تصل إلى نهايتها, لكنها تخط ملامحها الأخيرة وتقتفي أثر الأسلاف.. تنادي بأعلى صوتها: "يا دمنا دلنا على دمنا".. إنها دماء القسام وطوالبة وأبو جندل والزغير وهنادي جرادات وسمودي والسعدي وآلاف الشهداء.. ستبقى جنين تفضح هشاشة الجيش الذي لا يقهر, وهشاشة المنظومة الأمنية الصهيونية, وهشاشة الجدار والحصار.. هيا يا جنين انثري عطرك على وجه الوطن وامسحي دموعه الملتهبة, وابعثي البدر ليوقظ وجهه المشرق.. فالفجر قادم من جديد..