الإعلام الحربي- خاص:
أصبح أمراً مألوفاً أن ينتقل الفلسطيني في قطاع غزة بين التفكير في أبسط مستلزماته الحياتية من محروقات وكهرباء وبطالة وكابونات الإغاثة وغابت القضايا الكبيرة وأصبحت المقاومة لا تذكر إلا في المناسبات الخطابية التي تهتز لها الفضائيات وكاميرات التصوير. حبس المخلصون والمجاهدون أنفاسهم لهذا الواقع المرير الذي أصبح ينهش جدار المقاومة الشامخ.
العالم أدار ظهره للفلسطينيين على الرغم أنه لم ينصفهم في يوم من الأيام لكن من باب التسلية السياسية كان يضع بحث قضيتهم على طاولات المؤسسات الدولية.. الثورات العربية حرفت التفكير العربي والإسلامي باتجاه شكل النظام العربي الجديد وعاشت كثير من الدول العربية مخاضاً عسيراً لصياغة حاضرها ومستقبلها ولم يصل أيّ منها حتى الآن شواطئه النهائية على الرغم أنها خطت الخطوات الأولى لتحرير الإنسان العربي من العبودية والاستعمار.
فالغرب وأمريكا تناسوا التفكير بالقضية الفلسطينية وبما يفعله الكيان الصهيوني من قتل وتدمير وتهويد وتطهير عرقي.
الخلاف الفلسطيني الفلسطيني أدمى العقل والتفكير الفلسطيني وأصبح خطاب المصالحة هو السائد في الأوساط السياسية ولم يعد من جهد أو وقت متبقي حتى يواصل الفلسطينيون المراجعة لمشروعهم الوطني. لكن خطاب التفسيخ والصراع هو الذي لا يزال سيد خطابات أقطاب السياسة الفلسطينية والمعنيون الرئيسيون بالمصالحة.
التلوع الصهيوني لعدة مرات بالملف الإيراني وفرضه على صدارة الاهتمامات العالمية من قبل الكيان الصهيوني أيضاً أدى إلى تركيز الجهد والوقت للتعامل مع هذا الملف والذي يدرك الكيان وأمريكا أنه ضجة مفتعلة لكن العلاقة الصهيونية – الأمريكية توجب على الأخيرة مسايرة الكيان الصهيوني ومحاولة إغرائه بعدة أمور مالية ومساعدات عسكرية متطورة حتى لا يقوم الكيان بضرب إيران مع اعتقادنا أن قدرة الكيان على ضرب إيران لا زالت صعبة جداً وغير واردة هذه الأيام لاعتبارات إقليمية ودولية ولوجستية. لكن الكيان الصهيوني خلط الأوراق والملفات الدولية ثم يقوم ببيعه في أسواق السياسة البائسة.
كما اعتقد الكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة أنه أصبح الوحيد في المنطقة التي يحدد أوراق اللعبة في صراعه مع الفلسطينيين وأن الوضع الداخلي الفلسطيني يبيح لها تماماً الإسراف في قتل الفلسطيني بدون أي اعتراض إقليمي ودولي وعجز فلسطيني عن الرد كما أباح لها من قبل تهويد الأرض والتطهير العرقي والحصار والتجويع وإغلاق أبواب المؤسسات الفلسطينية أمام السلطة في رام الله كما حدث في ما بات يعرف باستحقاق سبتمبر.
كان الوضع الفلسطيني يدعو إلى الإحباط واليأس لكن قدر الله سبحانه وتعالى يأبى أن يعيش أهل الرباط في بيت المقدس وأكنافه هذه المرحلة .
فكان لابد أن يترجل من يرفع الراية عاليا ويزيل هذا الغبار الكالح عن المشروع الوطني الفلسطيني ويوحد الفلسطينيين المشتتين والمتصارعين من جديد حول موحدهم الرئيس وهو الجهاد والمقاومة.
كان قدر الله الجميل أن يهيأ من جديد فرسان الجهاد الإسلامي ليعيدوا إحياء الروح الفلسطينية ومنحها الثقة بنفسها وبمشروعها وقدرتها المباركة، ترجل في البداية رجل بأمة عرفته فلسطين والأمة العربية والإسلامية مجاهدا وناطقا إعلاميا ومكبلا في سجون العدو الصهيوني فصرخ في النيام أن كرامتي أغلى من الطعام.. كرامتي أغلى من البنزين والكهرباء.. مشروعنا الوطني أغلى من الفضائيات والفنادق والصالات الفاخرة.. أدرك خضر عدنان بحسه الجهادي الصادق أن هذه الأمة بحاجة إلى فارس جديد يصوب مسيرتها ويعيد إليها روح المقاومة ويوحد شعبها تحت سقف الجهاد فلم يجد أمامه سوى أمعاء خاوية وإرادة لا تلين بإذن الله فأعلن إضرابه عن الطعام ليؤكد على حيوية هذا الشعب وأن أوهام الاستسلام التي تدغدغ عقول الغاصب العبري آن لها أن تزول ..
اصطف الشارع الفلسطيني والذي لم يغادر ساحة المقاومة والوحدة والواجب على الرغم من جبال الألهيات والقواعد التي تلقى في طريقه وتوحد هذا الشارع بطريقة أذهلت العدو والجميع وأعاد روح المواجهة من جديد لكن روح خضر سرت في الأمة العربية والإسلامية لتؤكد من جديد خيار الجهاد الإسلامي الأصوب أن فلسطين هي قضية العرب والمسلمين المركزية وبدأت قوى ودول ومؤسسات دولية وعربية كثيرة التدخل لمحاصرة هذه الشعلة التي كادت تدفع باتجاه انتفاضة ثالثة مباركة ورضخ العدو الصهيوني واعترف أن خضر عدنان يستطيع تحديد قواعد اللعبة مع هذا الكيان وتم توجيه ضربة قوية لفلسفة الاعتقال الإداري لكن الفعل العدناني تجاوز حدود الاعتقال الإداري وطرق خزان الجهاد والمقاومة الممتلئ وقبل أن ينهي خضر هذه المواجهة استلمت الراية مجاهدة عرفتها كل فلسطين...
وزينت صورتها صفقة وفاء الأحرار المجاهدة العظيمة هناء شلبي التي انتصرت على السجن والسجان، لتؤكد من جديد أن الإنسان الفلسطيني وحريته أقدس من كل الاعتبارات لأن الفلسطيني هو الجهاد والمقاومة والحيوية والقدرة وهذا الإنسان هو رأس رمح مواجهة المشروع الصهيوني وسيبقى يواجه بكل إمكاناته وزمانه ومكانه.
لم تكن طرقات خضر عدنان وإرادة هناء شلبي كافية لإعادة إشعال محور المقاومة على الرغم أن خضر وهناء أكدا أن وحدة الأمة هي في المواجهة وحدها أما دروب التسوية والسلطة فلا تنتج إلا الفرقة والصدام وافتعال عناوين وطنية هامشية وزائفة ولكن إرادة الله تمنحنا فرص أخرى لتعيد للمقاومة دورها وأصالتها وأنها الخيار الوحيد الذي يجب أن نواجه به هذا المشروع الصهيوني.
في التاسع من مارس طالت آلة الإجرام الصهيوني رمزاً من رموز الجهاد والمقاومة في فلسطين الشهيد زهير القيسي أبا إبراهيم وكأن العالم الظالم والعدو الصهيوني المجرم لم يكتف بجوع وحصار الفلسطينيين وكان الاعتقاد الصهيوني أن الأمر سيمر بسهولة كالسابق بضعة صواريخ في الغلاف القريب من قطاع غزة وينتهي الأمر لكن الشعب الفلسطيني بأسره ممثلاً هذه المرة في سرايا القدس وحركة الجهاد الإسلامي أشهر سيفه المبارك من جديد والذي لم يغمد منذ بداية الصراع وكان شعاره الرعب بالرعب والقتل بالقتل وأدار معركة رائعة مع هذا العدو من حيث تكتيك إطلاق الصواريخ..
زمان الإطلاق جغرافيا الإطلاق هذه المعركة أربكت العدو الصهيوني وكل حساباته وسحبت البساط من تحت أقدامه النجسة حيث كان يقرر في السابق ساعة البدء وساعة النهاية، أدرك العدو منذ اليوم الأول أنه وقع في فخ الجهاد الإسلامي المحكم والذي ينتظره بالمرصاد.. مع أن الجهاد الإسلامي والشعب الفلسطيني دفعا ثمناً غالياً جداً من أطهر أبنائه ومجاهديه ورسم في سماء الوطن 26 قمراً لتضيء طريق الجهاد والمقاومة وتلعن كل الباحثين عن غيره.
سارع
عاموس جلعاد إلى القاهرة بعد 24 ساعة من بدء المعركة وطلب من المصريين التدخل
العاجل لوقف صواريخ الجهاد الإسلامي لأنه لم يعد يحتمل أن تتوقف الحياة كلياً في
قوس عرضه أكثر من 40كم حول قطاع غزة وتحولت المنطقة إلى منطقة أشباح وسارع
الصهاينة إلى الهرب في باطن الأرض كالأموات ومما زاد من رعب الصهاينة أن إدارة هذه
المعركة كانت رائعة وعمل الجهاد الإسلامي وسراياه على توسيع دائرة القصف وملوحاً
بذكاء أنه سيعمل على توسيعها كل يوم إضافة إلى معلومات صهيونية أن الجهاد الإسلامي
سيعمل على إطلاق صواريخ فجر التي تصل إلى عمق تل أبيب، ولأول مرة تقف القيادة
الصهيونية عاجزة عن الدفاع عن نفسها وتطلب من الآخرين حمايتها من صواريخ
الفلسطينيين والسرايا.
وتحول الكمين الصهيوني لقطاع غزة وقوى المقاومة إلى مصيدة للصهاينة، وراكم الشعب الفلسطيني نقاط ايجابية لصالح مشروعه الوطني وصدقت مقولة المقاومة أن عصر الهزائم قد ولى وبدا عصر الانتصارات وآن للمقاومة أن تنتقل من انجاز إلى أخر.
لقد أثبتت معركة بشائر الانتصار أن الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة وفي طليعتها سرايا القدس "سرايا القدس" بإمكاناتها المتواضعة وبإرادتها وخبرتها اللامتناهية نجحت في تحقيق انجازات عديدة يمكن أن نذكر بعضها فيما يلي:
أولا: إعادة الحياة للشعب الفلسطيني الذي أثقل كاهله الركض وراء المتطلبات الأساسية للحياة فاحتضن مرة أخرى المقاومة متناسياً الجوع والكهرباء والوقود وأن هذه المتطلبات لم تحرف البوصلة ولن تتربع على سلم الأولويات فالكرامة أغلى من كل هذه الاحتياجات وأكد أن الشعب الفلسطيني لديه من الطاقة ما يمنحه القوة لمواصلة المضي في مشروعه الوطني.
ثانيا: أن من فرقتهم السياسة نجحت المقاومة في توحيدهم وهذا درس واضح لكل السياسيين الذين تمترسوا خلف برامج حكومات لا حول لها ولا قوة.
ثالثا:أكدت الجولة الأخيرة أن فلسطين ومقاومتها هي فقط القادرة على اقتحام العمق العربي والإسلامي أما البحث عن السلطة فقد أفقد المقاومة عمقها وروح التضامن العربي والإسلامي معها.
رابعاً: بكل تواضع أثبتت الجولة الخيرة أن الجهاد الإسلامي وسراياه المباركة قادرة باستمرار على تصويب المسيرة وتجديد روح المقاومة وهذا واضح كلما تواكلت الأمة وأثقل كاهلها نواقص الحياة الأساسية.
خامسا: أن القوى السياسية التي أضاعت الوقت والجهاد في مناكفات سياسية من المصالحة وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن توجه جهودها للتوحد خلف المقاومة والجهاد فهما الكفيلان بإنجاح المصالحة وإعادة البناء, وعليه فإن بوابة النجاح للمصالحة هي المقاومة فقط وما دونها العبث .
سادسا
:يجب ألا تغفل السلطة والفصائل أن توفير المتطلبات الحياتية للناس هي مكون رئيس من
مكونات المقاومة ولا يجوز افتعال المشاكل هنا أو هناك من اجل مصالح فئوية أو
الانتصار لحزب أو فصيل كما يجب ألا يكون هم البعض هو البحث عن المكاسب المالية
والاجتماعية وخلق طبقات اجتماعية جديدة تكون عبئاً على المشروع الوطني والشعب
الفلسطيني.
سابعا :أثبتت التجارب الأخيرة أن العدو الصهيوني سريع الرضوخ للقوة الواعية والصادقة والتي أكدت عليها صواريخ الشعب الفلسطيني وسرايا القدس في الأيام السابقة كما أن الإدارة الراشدة والحكم والتنظيم عوامل واجبة في صراعنا مع هذا العدو النكد .

