بقلم.. قدري أبو واصل ..مختص بشؤون الأسرى
لقد رأيت بلال ذياب وثائر حلاحلة في المحكمة العليا بالقدس المحتلة...رأيت رموز النضال والقيادة...ورأيت الضمير الصامت والأخرس.
اطل علينا بلال على كرسي عجلات وساعدوه ليجلس على مقعد المعتقلين في المحكمة. لوح بيديه لجميع من كان في القاعة وعلى وجهه تعلو ابتسامة العزة والكرامة مؤمنا بالنصر لا يساوم بل يقاوم رغم الجوع والألم...رأيت صورة التحدي بملامح وجه بلال وثائر...ابتسامه لبلال لم تدم طويلاّ سقط مغمياّ عليه أثناء المحكمة ورأيت في غيبوبته خوف السجان ليس على بلال بل من بلال وثائر وتحديهم ومواجهتهم وقوة إيمانهم بالنصر .
تذكرت في تلك اللحظة كلمات المناضل الشيخ خضر عدنان في يوم استقباله ببلدته عرابه-جنين ..في يوم الأسير الفلسطيني أمام الحشد الكبير الذي جاء لاستقباله مخاطبا : الإيمان وصقل الإيمان ... العزيمة في التحدي..الإرادة القوية..عوامل أساسيه للنصر بإذن الله.
نعم أيها المناضل رأيت ذلك في بلال ذياب وثائر حلاحله.. وعرفت وتعلمت الكثير الكثير وان نصرنا وخلاصنا من الاحتلال بأيدينا ..وأتساءل لماذا قيادتنا ومثقفونا ومطبعونا يتعايشون مع الهزائم ولا يريدون النصر لشعبهم..أم إن كلمة النصر غابت عن قاموسهم وأصبح الاندماج والتعايش والتطبيع سمتهم ويتحدثون عن الأسرى وإضرابهم وبطولات الآخرين ولا يتحدثون عن نصر الأسرى ويتمنون لو ينتهي الإضراب ليعودوا لحياتهم الطبيعية والتطبيعية, ويعلمون إن إضراب الأسرى يضعهم في مأزق ويكشف حقيقتهم حيث أن الأسرى في معركة الكرامة واستمرارهم في التحدي لعنه على برامجهم وأعمالهم ومصالحهم...
في اليوم 71 لإضراب بلال وثائر رأيت بلال للمرة الثانية...مع متابعتي للأبطال في الإضراب اتصلت يوم الاثنين وأثناء وجودي بمدينة تل الربيه المحتلة بالمحامي جميل خطيب وسألته هل هناك قرار من المحكمة..اخبرني بالنفي واخبرني انه بالأمس زار المناضل بلال في مشفى "أساف هروفيه" وانه مستمر هو وثائر في الإضراب رغم الخطورة على حياتهم.
أسرعت إلى المشفى وفي الطريق تسارعت الأفكار هل حقا سأراه فهذا المشفى ليس بمشفى صفد فإلى جانبه مشفى "صرفند" العسكري...لا بأس سألوح له بيدي من بعيد..الحراسة مشدده ربما يراني !! كيف سيعرف أنني جئت من اجله..فهو لا يعرفني وفقط راني بالمحكمة لأول مره, وهل في وضعه الخاص مع الألم والجوع سيتذكر ملامحي؟!
وأنا بتضارب الأفكار يرن هاتفي المحمول ليخبرني المحامي جميل الخطيب إن قرار المحكمة الرفض للاستئناف.
هذه هي عدالتهم..وها هي محاكمهم..وكيف لقاض بعد ان راى بأم عينيه بلال يغمى عليه داخل قاعة المحكمة حكم بقرار الرفض...اليس هذا القرار حكم بالموت البطئ...أين إنسانيتهم أين ضميرهم..ماتت أم خلقت ميتة..أم أن الفلسطيني في نظرهم يبقى متهما حتى لو قام محاميه بإثبات براءته..اسألوا محامينا عن محاكمهم وتمييزهم ولا تنسوا (مواد سريه يا حضرة القاضي) ..
بلال وثائر كانا يواجهان دوله بأكملها في المحكمة بالتحدي والإيمان بالنصر في قضيتهم إلغاء الاعتقال الإداري..لا إيمان منهم بعدالة المحاكم.
وصلت المشفى باحثا عن الغرفة الموجود بها بلال , تجولت وتفحصت غرف المشفى حتى وصلت إلى غرفتين تحيطهما الستائر ، ببابها رجل امن وسمعت اصواتاً فعرفت انه حديث يدور بين الجانين حراس الغرفة..من الصعب الدخول , ومع مراقبتي من بعيد رأيت ثلاثة من الحرس يخرجون من خلف الستائر ورجل الأمن يتحدث بالهاتف.
نعم إنها الفرصة الوحيدة أمامي وبشكل سريع دخلت من فتحة الستائر وبأول وهله رأيت حارسين داخل الغرفة احدهما سألني ماذا تريد..أجبته سمعي ثقيل ولم أسمعك جيدا ودخلت الغرفة وإذ بي أرى بلالا على سرير الشفاء كان في غفوة استفاق على صوتي لأحييه بأحسن تحيه واطمئن على صحته في يومه 71 فابتسم وحياني فتدخل السجان وقال هذا ممنوع...ولكني شعرت بالعزة والكرامة في نظرة بلال ومعنوياته العالية فقلت للسجان إنني اعمل في حقوق المواطن وحقوق الإنسان اتصل بي أهله طالبين زيارة المشفى لأطمئنهم على بلال..نعم فهم بلال الحديث وما اعني مع ابتسامه وداع ابتسامة عزه وكرامه وإصرار على النصر أو الشهادة...لم استطع إبلاغ بلال قرار المحكمة...وشعرت بالنصر وتحقيق ما أتيت من اجله..إنها شحنة نصر اسمها ابتسامة بلال.
في اليوم 72 تم نقل بلال إلى مشفى سجن الرملة وقام المحامي جميل خطيب بزيارة الأسيرين بلال وثائر واخبرهم بقرار المحكمة الرفض , وكان ردهما الاستمرار في الإضراب رافضين اخذ السوائل والدواء رغم كل المحاولات في المشفى والسجن..ورأوا بذلك تحايلا من السجان والطبيب ومؤامرة لإنهاء إضرابهم..وقالا للمحامي مستمرين في الإضراب حتى تحقيق النصر أو الشهادة...نعم ستنتصر بكم فلسطين على موعد مع الحرية لكم ولجميع الأسرى في معركة الأمعاء الخاوية...وشعبكم بأسره معكم على درب الوفاء والعهد لتضحياتكم من اجلنا كي نعيش بعزه وكرامه في وطننا.

