إضراب الأسرى.. وفرح الانْتصار المحْمود

الخميس 24 مايو 2012

بقلم/ احمد اسماعيل

 

عندما تجتاح الحقيقة قلب الإنْسان وتتملك كلّ وجدانه لا بدّ من أنْ يكون هناك عزيمة لا تُضاهيها أيّ عزيمة ليجابه بها كلّ صور الباطل، وعندما يكون الصّبر عنوان الصّادقين الفّارين نحْو وجه الله لا بدّ من أنْ تكون هناك إرادة جبّارة يمتلكها إنْسان غير عادي في زمن غير عادي ليواجه أعتى قوّة على وجه الأرض.

 

وإذا كانت الإرادة والعزيمة هما مفتاح كلّ مواجهة ضد قوى الشرّ فلا بدّ من أنْ يكون هناك فرح يكتنفه تأييد الله لهذا الفرح المحْمود.. (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

 

إنّها الحقيقة التي يجب على كلّ امرئ منّا أنْ يعمل على أنْ تستقر في حياته وكيانه وصباحه ومسائه.. حقيقة الحقّ التي يغفل عنْها الإنْسان وهو يلهو في هذه الحياة التي لمْ تبق -ولنْ- لأنّها فانية.. إنّه الفرح الذي منّ الله به على عباده الصّادقين.. فرح الصّمود والتحدّي.. فرح الصّبر والمصابرة.. فرح العاشقين الذين عشقوا المُقَدّس فينا..

 

إنّه فرح الصّابرين الذين تجرّعوا مرارة الجوع والعطش منْ أجل أنْ يحْيا وطنهم وأمّتهم وشعبهم بعزة وكرامة؛ فالكرامة التي صنعوا منْها شعارهم المبارك لمرحلة الثورة والتحدّي أغلى منْ كلّ متاع الحياة، وأغلى منْ ربطات العنْق المزخرفة التي أنْست ثوّار الأمْس ساحات المعركة فتلذّذوا بالحياة وبكيفية أنْ تُبرق وجوههم أمام كاميرات الاستعراض!..

 

الكرامة فرح الإنْسان الذي يمتلك كلّ مفردات الكرامة.. شعارٌ مباركٌ وخالدٌ في وجداننا ما حيينا.. الذي صرخ به شيخ المواجهة والتحدّي الشيخ خضر عدنان وهناء الشلبي.. وسار على هذا النّهج العظيم بلال ذياب وثائر حلاحلة ومحمود السرسك وجعفر عزّ الدين وكلّ الأحرار، لأنّهم أيقنوا أنّ الحقّ معهم وأنّ الحقيقة تكْمن في الحقّ الذي لمْ يغب يوما عنْهم، فكانوا حقّا متميزين في تحدّيهم.. في صبْرهم.. في شعارهم.. ومتميزين في فرحهم..

 

شعار الكرامة الذي صرخوا به حققوا انتصارا حقيقيا له منْ معاناتهم وآلامهم ودمائهم وجوعهم وتعبهم على سجّانيهم.. لمْ يكترثوا بكلّ ما حلّ بهم كأنّهم أرادوا أنْ يُعلّموا كلّ التائهين والمترامين على طرقات التّرف والبذخ درسا في كيفية أنْ يكون الإنْسان الحرّ ذو إرادة وعزيمة تلين لها كلّ الصّعاب.. شعار شقوا به طريق النّصر حتى مَنّ الله عليهم بهذا الفرح الذي زينوا به كلّ فلسطين..

لا يأبهون بما أصابهم ولا بما حلّ بهم منْ تعب وظمأ لأنّهم آمنوا بعدالة قضيتهم.. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، فحُقّ لهم أنْ يفرحوا ويُفْرِحُوا كلّ المستضعفين على وجْه هذه الأرض المباركة والمنْكوبة..

 

 حُقّ لفلسطين كلّها أنْ تفرح بأبنائها الذين صنعوا ملحمة حقيقية نابعة منْ حقيقة الحقّ التي غابت عن الذين ألْهتهم ملذّات الدّنيا ونسوا واجبهم اتجاه دينهم وقضيتهم ووطنهم وأحرارهم!.. ويُريدون أنْ يُحْمَدُوا بما لمْ يفعلوا!.. (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ويفرحون بما لمْ يصنعوا متناسين تضحيات الذين وضعوا اللبنات الأولى لبوابة الصّمود وكانوا المفتاح الأوّل والحقّ لمرحلة التحدّي حتى أجبروا السجّان المدجج بكلّ صور الغطرسة والجبروت على أنْ يرضخ مذلولا مكسورا أمام صبر الصّادقين وإرادتهم وعزيمتهم وصمودهم..

 

لا يحقّ لأحد أنْ يختطف هذا الفرح منْ صدورهم التي صدقت فصدقها الله، لأنّهم همْ وحدهم منْ صَنَعَ هذا الانتصار وهذا الفرح المؤيد منْ صاحب الحقّ مالك الملك، فالأجدر أنْ يتعلّم منْهم التائهون المشتتون في "زقاق التّرف": كيف يكون الصّمود والتحدّي والمواجهة؟!..

 

إنّنا وبكلّ صدق فخورون بهؤلاء الأحرار الذين علّمونا كيفية التحدّي وصنْع المراحل الصّادقة، فالإنسان إذا امتلك الإرادة والعزيمة والثبات على الحقّ فلا بدّ من أنْ يتوّج ذلك بالنّصر العظيم، فهم الأجْدر بأنْ يكونوا على خطّ المواجهة ليقودوا المرحلة حتى يُحققوا انتصارا مؤزراً كريما عظيما لتفرح منْ بعدهم كلّ الأمّة على امتداد الوطن العربي والإسلامي..

 

فبوركتم أيّها الأحرار.. بورك جهادكم.. بورك صدقكم.. بورك صبركم وصمودكم.. بورك عطاؤكم.. بورك فرحكم المبارك.. وبورك انتصاركم الذي أهديتموه لنا نحن -المقيدين بترف الدّنيا الزّائف-!..