الإعلام الحربي _ وكالات:
تعتبر سياسة العزل الانفرادي إحدى وسائل التعذيب المريرة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، وتهدف بها سلطات الاحتلال إلى تدمير الأسير وعزله عن العالم الخارجي، حيث يمعن الاحتلال الصهيوني في ذلك ويستعين بخبراء ومختصين في الهندسة البشرية للبحث عن أساليب لتدمير الروح المعنوية للأسرى من خلال سياسة العزل.
ويصف هذا التقرير لحال الأسرى داخل زنازين العزل الانفرادي مستعيناً بدراسة أعدها الأسير المحرر المختص بشؤون الأسرى فؤاد الخفش وهي تحت عنوان أسرى العزل .. أسلوب ممنهج للموت البطيء، وهذا يجعلنا أن نقف إجلالاً واحتراماً لجميع الأسرى، وخاصة أبطال العزل الانفرادي.
فالعزل عقوبة تفرضها إدارة سجون الاحتلال إمعاناً في إذلال السجين ومحاولةً لكسر إرادته وتحطيم نفسيته، حيث يعيش معزولاً عن العالم الخارجي لا يستطيع الاتصال مع أي إنسانٍ كان سوى السجان، وهو شبيه بعقوبة السجن الإداري حيث يقضي الأسير المعزول سنوات عديدة من عمره دون أن يدري متى يخرج.
وهناك محكمة صورية يعرض لها الأسير كل ستة شهور إذا كان العزل انفراديا ( أي شخص واحد في الزنزانة) أو كل سنة إذا كان العزل مزدوجاً ( أي شخصان في الزنزانة)، وهذه المحكمة تأتمر بأمر مخابرات الاحتلال أو ما يسمى" الشاباك" ومصلحة السجون أو ما يسمى " الشاباص"، وتفتقر لأدنى صور ومقومات العدالة.
وصف الزنزانة
غرف العزل صغيرة الحجم حيث تبلغ مساحتها 1.8م x 2.7م تشمل الحمام ودورة المياه، ولا يوجد مكان أو متسع للمشي وحتى لا يوجد متسع لأغراض الأسير وحاجياته وقد تتضاعف المأساة إذا كان هناك أسيرين في الزنزانة.
وتزداد المعاناة في غرف العزل بقلة التهوية والرطوبة العالية، حيث يوجد في زنزانة العزل شباك واحد صغير ومرتفع وقريب من السقف، بينما باب الزنزانة لا يوجد فيه سوى شباك صغير مساحته 8 سم x 8سم، مما يتسبب في انتشار الأمراض وبالذات أمراض الجهاز التنفسي، كما حدث مع الأسير المقدسي جهاد يغمور والذي يعاني من التهاب رئوي حاد، وإذا أراد أحد تصور حجم المعاناة، فما عليه إلا أن يتخيل أن الأسير في هذه الزنزانة الضيقة يطبخ ويستحم ويقضي حاجته، مما يجعل الزنزانة ممتلئة بأبخرة الطعام عند الطبخ وبخار الماء عند الاستحمام وروائح قضاء الحاجة.
إمعان في التعذيب
لا تتوقف ممارسات الاحتلال عن استخدام كل الوسائل في انتهاك إنسانيتهم، وحرمانهم من أدنى حقوقهم التي كفلتها لهم كل القوانين والشرائع والأعراف، ومن ألوان هذه المعاناة، العزل المباشر بعد انتهاء مرحلة التحقيق دون الدخول إلى أقسام السجن العادية، والإقامة مع المساجين الجنائيين حيث رفع أصوات المسجلات ليلاً ونهاراً والصياح المستمر الذي يرهق الأسرى، تدهور حالة الأسرى الصحية تركهم دون علاج ودون اكتراث مصلحة السجون لهم، والمداهمات الليلية وحملات التفتيش والتي تبث فيهم الرعب والذعر، واستخدام العنف المفرط ضد الأسرى، ومنعهم من مواصلة التعليم، واستهداف قادة الحركة الأسيرة وعزلها، وتحديد وقت طلب الماء، وإعاقة زيارات المحامين، واستخدام العزل ضد الأسيرات.
وأيضاً مدة الخروج إلى الساحة ( ما يسمى بالفورة ) لا تزيد عن ساعة يومياً،ً وهذه مدة ليست كافية، حيث يحتاج الأسير للتعرض للشمس والحصول على فيتامين D ولعب الرياضة والركض والمشي، وهذه المدة القصيرة لا تسمح بكل ذلك، كما أن توقيت الخروج لهذه الفورة غير ثابت ويعود لمزاج إدارة السجن، وأما عن نوعية الطعام في غرف العزل متردية إلى حد بعيد، لذلك يعتمد الأسير في معظم الأحيان على بقالة السجن (ما يسمى الكنتين) لشراء وطبخ الطعام، مما يثقل كاهل الأسير وعائلته مالياً.
ومعظم الأسرى المعزولين ممنوعين من زيارة عائلاتهم، ما يؤدي إلى زيادة حجم المعاناة النفسية لكل من الأسير وعائلته، علماً أنه يعاني من نقص في حاجياته الأساسية وعدم القدرة على إدخال تلك الحاجيات عن طريق العائلة، وفي الآونة الأخيرة منعت إدارة السجون نقل الأغراض بين زنزانة أسير معزول وآخر منعاً باتاً، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناتهم، حيث يتم عزل بعض الأسرى من الأقسام العادية أو من التحقيق مباشرة دون أن يكون معهم احتياجاتهم الأساسية، ودون أن يكون لديهم مال على حساباتهم.
وتصل المعاناة إلى استخدام عقوبة "السنوك" وهو عبارة عن غرفة صغيرة جداً طولها 180سم وعرضها150 سم، وبالكاد تكفي للنوم، ولا يوجد فيها متسع للصلاة، كما إنها لا تحتوي إلا على الفرشة وقارورتان إحداهما لشرب الماء والأخرى للاستنجاء من البول، والخروج للغائط مسموح به مرة واحدة في اليوم، مما يجعل الأسير يقتصد في الأكل كي لا يحتاج للخروج لقضاء حاجته.
طمأنينة من الله
وأكد فؤاد الخفش أن الأسرى المعزولين هم بشر تمر عليهم لحظات صعبة جداً، فمثلاً أيام العيد تكون صعبة على الأسرى العاديين فكيف بالمعزولين الذين لا يرون أحد، وأيضاً عند وصول خبر للأسير أنه قد توفى قريب له، ولكن هم ليسوا أناس عاديين، بل إنهم مميزون بصبرهم وثباتهم، وهم أصحاب فكرة وهدف، واستذكار هذا الهدف يخفف عليهم ما هم فيه من المعاناة، فالمعزول يشغل وقته بقراءة القرآن، وفي ذكر الله، وأيضاً أن الله ينزل سكينته ورحمته على أولئك الأسرى، وبالتالي يصبحوا قادرون على تحمل كل ما يتعرضون له.
وبعد خوض الأسرى معركة الأمعاء الخاوية، وانتصارهم فيها على سياسات الاحتلال الظالمة، فقد من الله على جميع الأسرى المعزولين بالفرج إلى الأقسام العادية، واستقبلهم الأسرى بفرح شديد، وبلحظات لا يمكن وصفها، وعاد الأسرى المعزولين للممارسة حياتهم الطبيعية بين أخوانهم، ليفشلوا بذلك كل مخططات الاحتلال الصهيوني التي تريد أن تنال من عزيمتهم.

