الإعلام الحربي – خاص:
مرّ قومٌ من قريتنا، كنّا نسمع عن تاريخهم وجرمهم وإجرامهم.. لم نعي وقتها ما يُقال عن حالهم.. لكنّنا اليوم شاهدنا حالهم وأحوالهم.. قومٌ تحدثت آيات الله عن شبيههم، كقوم يأجوج ومأجوج، نالوا من الأخضر واليابس.. في خطوة شرّيرة لا تحمل في جنباتها سوى حلمٌ يشتهيه قادتهم منذ زمن بعيد، لكنّه في حقيقته حلم الرجل البائس.. ولكنّهم لم ينالوا من عزيمتنا، ولن ينالوا من قضيتنا، حرقوا كلّ شيء وغيروا ملامح الأرض، ظنّاً منهم أن ننسى طبيعتها وهياكلها، لكنّها راسخة في عقولنا وقلوبنا ووجداننا، كرسوخ شجر الزيتون الشامخ في ديارنا، فنحن لسنا قوم يائس..
مرّ قومٌ من قريتنا، فاستباحوا كلّ شيء، دمّروا.. قتلوا.. سفكوا دماء الأطفال والأبرياء.. حتّى الشيوخ لم يأمنوا بطشهم ولا النّساء.. داسوا بحقدهم الدفين منذ قرون مضت أجمل أرض في الكون، فعاثوا خراباً فيها، وشتّتوا الأمّ عن أطفالها ورضيعها، فلم نسمع إلاّ البُكاء.. هذه هي حكاية شعب حرّ لم يستقر له أمر، يجابه ثلّة الإفساد ليكتب بدمه المتدفق حبّه وعشقه لوطن يسكن طهره أروع رواية في تاريخ الأمم، فتتجدد فينا سورة الأنفال وحكايات الإسراء..
فعندما يبكي الرّجال وملامح الحسرة تُغطّي وجوههم.. وتجاعيد وجع السنين ترتسم عليها بألوان الهمّ الكبير الذي يسكنهم.. يجب على كلّ العالم أن يصمت، وأن يُلجم لسانه كما الأموات الصمّاء.. وعندما لا تجد نساء الأمّة وهي تصرخ بمرارة من نخوة المعتصم مكاناً بيننا، يجب على أشباه الرّجال أن يرحلوا إلى زوايا النّسيان، فلا مكان لهم بين ثنايا الوطن الذبيح.. ووجودهم لا يزيد إلاّ من ألم عشقنا الجريح.. فجهنّم خير مأوىً لهم ليكونوا وقودها، فهي لهم خير داء..
وعندما تعلو صرخات الأطفال لتنطلق نحو السّماء لكي تشكو ظلم المتخاذلين وخيانتهم، كما صرخ محمّد وهو يبحث عن أبيه وباقي أسرته، وفارس لم يجد أثراً لأخته، بل أمّه، بل باقي عائلته، صرخواً جميعاً بصوت العاشق أين أنت يــــــــا أيّها المعتصم، فلم يجدوا من يمسح دموعهم المتساقطة كما النّبع المتدفق، فلا بد وقتها للمتأرجلون أن يُغطوا رؤوسهم بحجاب الخزيّ علّهم يحفظوا ما تبقّى من قُبح في وجوههم كما سيدتهم الشّمطاء..
غزة اليوم تبكي دماً، فترتوي الأرض وتنبت رجالاً ليحملوا سيوف الحقّ في وجه كلّ طواغيت الأرض.. غزة اليوم تدفع فاتورة العشق للحريّة، والوقوف بجانب الحقّ الذي افتقده كلّ من يدّعون حريّة الديمقراطيّة، فتصبح نبراس الثّوار الذين يسلكون طريقهم نحو المجد المقدس..
غزة.. يا وهج هذا العالم المليء بالظلمات والقهر، سيبقى عشقكِ في القلب ما حيينا ولن نحيد.. غزة.. يا نبض الأمّة في زمن لا يعيش فيه هذا العالم إلاّ في صناديق الموت الطويل، ستبقي شريان الحياة في عروقهم، علّه ينبض لهم عرق فيحيا من جديد..
فيا دمنا المسفوح من الوريد إلى الوريد، لن ننسى عهدك، عهد الشّهداء الذين رسموا لنا طريق النّجاة المعبّدة بورود الحياة الممتدة منذ سميّة وعمّار ..
يا دمنا.. يا عشقنا.. يا حبّنا.. دلّنا على دمنا، علّنا نستلهم من رائحة طهركِ شارة النّصر لنسافر به نحو السّماء، حيث المهرجان الملائكي يشع بنور الدّم الذي سُفك، ليعلو على سيف الباطل الذي يستبيح كلّ شيء جميل في حياتنا.. غزة.. يا قبلة الصّادقين الذين نذروا حياتهم دفاعاً عن الأمّة وجدارها الأخير، يا طير أبابيل في وجه طواغيت الزّمان..
ففي هذا المقام الذي تتسع فيه بقعة الدّم، وينزف كلّ شيء على وجه الأرض، لا تُسعفنا كلّ الكلمات والتي أصبحت لغة الضّعفاء العاجزين عن وقف الألم المستديم والمليء بجراحات يصعب تداويها.. غزة.. يا جناح الأمّة الصاعد نحو المجد، حيث مسك الشّهداء الفوّاح في أرجاء المعمورة، يُلاحق قاتليكِ ومن صمتوا على ذبحكِ، لِيُزَكّم أُنوفهم التي لا تشتم إلاّ عطر عُهرهم المنبعث من فُجر بيوتهم المستباحة..
غزة.. يا عنبر الكون في زمن لا نشتم فيه إلاّ رائحة الدّم المتدفق من شرايين الفقراء والمسحوقين على امتداد الوطن فلا استراحة..
فالدّم هو عشق الثّوار الذين ينتظرون لحظة المعركة، ليسطّروا بثباتهم أجمل لحظات النّزال ليُحدثوا زلزالاً لا يحمل في طيّاته سوى رسالة سماويّة، بأنّ الحقّ لا يسكن إلاّ رجال كالجبال يعشقون سحابة الإيمان لتُمطر نصراً مؤزراً، حققه الدّم المسفوح في شوارع الوطن وأزقّته الفقيرة، وينتظره المستضعفون لكي تُشفي جراحهم التي أدمت قلوبهم، وتُغرد به أرواحهم لتباهي به ملائكة الكون في عرس يشهده أهل السّماء، لكي يُلقوا بظلاله في كامل الوطن الذبيح، ليضيء عتمة القلوب بعد ليالِ القلق والخوف، فينتج أشجار الجمال، غصونها مليئة بالحب والعشق، فتقذف برائحة الشّهداء المسكيّة، فتتمايل في ربوع الوطن لتُلقي بثمارها أهازيج النّصر المنبعث من شرايين الفقراء والمذبوحين لكي يتزين بها كلّ الكوّن، ففيها حريّة وحبّ وحياة مليئة بالسعادة ..

