الإعلام الحربي _ خاص :
السادس من أكتوبر 1987 تاريخ يحفظه شعبنا جيداً، فهو يصادف ذكرى معركة الشجاعية البطلة بين طلائع (الجهاد الإسلامي) وبين جنود الجيش الصهيوني ففي ذلك المساء التشريني الخالد كان النشامى ينسابون كالماء المتدفق في أزقة (الشجاعية) الباسلة، كان سامي الشيخ خليل وأخوانه يرسمون في تلك اللحظات تاريخ أمة بأسرها ومقابل مسجد التوفيق في الشجاعية التقى الجمعان جمع الحق والإيمان من جهة وجمع الباطل والطاغوت من جهة أخرى، ويطلق سامي الرصاصة الأولى على الجسد الحرام ليبدأ النزال، وليزغرد الرصاص بعدها في سماء غزة الإسلام.. غزة الشموخ والكبرياء.
كان دم النشامى رصاصات في وعى الأمة لتفيق من سباتها، وكانت طلقاتهم القسامية نطفة طاهرة في رحم المعاناة ليتكون بعدها جنين الثورة، ويتم الحمل والوضع في أقل من شهرين لتولد الانتفاضة الثورة، وليدخل الشعب الفلسطيني معها أهم محطة في تاريخه المعاصر، وتدخل الأمة معها أجمل لحظاتها في النهوض والثقة بالنفس ويسقط الشهيد البطل سامى الشيخ خليل مدرجاً بدمائه الزكية ليلتحق بركب الصحابة والصديقين والشهداء.
ميلاده ونشأته
ولد شهيدنا البطل بمدينة غزة عام 1964 م، أي قبل ثلاث سنوات من حزيران النكسة، درس في المدارس حتى الصف الثالث الإعدادي، ثم ذهب ليتعلم في الصناعة «باتحاد الكنائس بغزة» قسم الحدادة، وحصل بعدها على شهادة، تتكون أسرته من شقيقين وخمسة أخوات، توفت والدته عام 1986 رحمها الله.
يقول والده «أبوعبد الرحمن» أن ابنه الشهيد كان له ميولات إسلامية منذ صباه، ويسرد قصة يتذكرها أثناء وجود الشهيد طالبا في اتحاد الكنائس حيث عمل مشكلة مع الإدارة، وجاءت هذه الأخيرة شاكية للوالد على البيت ويدور الخلاف حول الدين والإسلام، ويضيف الوالد ذهبت بعدها وأصلحت الأمر بين الطرفين.
انتمى الشهيد للمسجد منذ الصغر، وكان جميع أصدقائه من الشباب الذين تربوا في المساجد، كان نقياً طاهراً، لم يرتكب في حياته أي من الانحرافات، يقول والده «أبو عبد الرحمن» أنه في مرة من المرات تأخر سامى عن البيت على غير عادته وافتقدناه لأنه لم ينم في البيت وقلقنا عليه أنا ووالدته وعرفنا فيما بعد أنه في القدس ذهب للمرابطة في المسجد الأقصى والتصدى لتحرشات المستوطنين اليهود.
كان الشهيد جهادياً منذ صباه، كان فؤاده ينبض بالمقاومة والجهاد ضد العدو المحتل، يقول والده انه في سنة 1985 كان سامى يسير في المدينة مع بعض أصدقائه وكان يلبس الكوفية الفلسطينية «الحطة» فاعتقله جنود الاحتلال مع أصحابه لأن مظهره كان استفزازاً لهم، وعند الإفراج عنه عاتبه أصدقاؤه وبشدة على موقفه فأجابهم بعناده المعهود بأن الجهاد لايعرف الوسطية أو الخوف.
وفي سنة 1986 اعتقل الشهيد سامى مع قريب له منظم في حركة فتح حيث كان قد نظم سامي معه، حيث ذهبا معاً لردع أحد العملاء، ومنذ الأيام الأولى انتمى الشهيد لحركة الجهاد الإسلامي في السجن وعمل مشاكل كثيرة مع تنظيم فتح في السجن بسبب قضية التحويل، ويقول والده ان صدى هذه المشاكل وصل الى بيتنا وعندما راجعته أثناء زيارته في السجن أجاب سامي «الجهاد الإسلامي هو الطريق الصحيح».
ويضيف والده أنه بعدها منعتنا إدارة السجن من زيارته مرتين وعند الاستفسار علمنا أنه ضرب أحد السجانين ضربة قوية في إحدى المرات حيث كان الشهيد يجيد الكراتية وكان على وشك الحصول على الحزام الأسود وكان يداوم على حضور تمارين الكراتية، لأنه يراها مسألة مهمة لمن يريد مقاومة الاحتلال، وبعدها ضربوه ومنعوا علينا زيارته، وبعدها زرناه وعاتبته على فعله، فأجاب بعناد سنواصل قتالهم لأنهم ظلمة ويجب مواجهتهم.
عملية الهروب الكبرى
يقول والده: أثناء وجود الشهيد سامي في السجن وفي أحد الأيام جاء الجنود والجيش بكثرة وبشكل مفاجئ إلى البيت ورابطوا فيه، عندها فهمنا ضمناً أن سامي حصل معه شيء، وبالفعل، سمعنا بعدها مباشرة من الأخبار عن الهروب من سجن غزة المركزي «السرايا» ويواصل أبو عبد الرحمن حديثه: كان يومها في رمضان المبارك وكانت ليلة عيد لليهود تقام فيه الحفلات.. ولقد احتفل الجنود الإسرائيليون في السرايا ليلتها بعيدهم وشربوا وسكروا، وكان الجو شديد الضبابية (غطيطة) - حيث رعاية الله سبحانه وتعالى ترعاهم وتحرسهم - وقفزوا من خلال نافذة حمام السجن التي نشرت من طرف صاحب الفكرة الشهيد القائد / مصباح حسن الصوري «رضوان الله عليه» وكان الحراس بجوارهم ولكنهم لم يروهم، ونزل الشباب المجاهد واحداً واحداً من الشباك على سطح الدور الأول لورشة كان فيها سيارات إسرائيلية وقفزوا من السطح الى الأرض وقطعوا المسافة جرياً حتى الكافتيريا التي كان يتناول الجنود الصهاينة طعامهم، وكانت للكافتيريا عند السور الشرقي للسجن فقفزوا فوق السور، وانطلقوا من غياهب الزنازين الى أزقة غزة المجاهدة.
يتنسمون عبير الحرية، ليبدأوا مشوارهم الجهادي على طريق إرساء أولى الأسس التي فجرت الانتفاضة فيما بعد. والجدير بالذكر هنا أن الشهيد القائد / مصباح الصوري العقل المدبر لعملية الهروب وقائدنا قد حاول الهرب عدة مرات من السجن المركزي ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، ومع ذلك فقد ظلت فكرة الهروب تراوده على الدوام حتى مكنه الله سبحانه وتعالى من الهدف لينطلق نحو مواصلة الجهاد المقدس ضد جيش الاحتلال.
مواصلة مسيرة الجهاد
عندما هرب الشهيد سامى مع إخوانه من السجن استقر بهم المقام حتى أحد البيوت في رفح، كان منظر الشهداء غير مألوف على الإطلاق في زمن سقطت فيه كل البنادق، كان الشهداء يمتشقون سلاحهم وهم يتبادلون النكت على الجندي الإسرائيلي الذي لا يهزم ومدى هشاشة الكيان الصهيوني لو تصد له المجاهدون الربانيون، وإحدى هذه النكت كانت بعد اغتيال مسئول الشرطة العسكرية في قطاع .
غزة «رون طال» عند موقف جباليا حيث خرج الأخوة بأسلحتهم لنصب كمين لرجال المخابرات الصهاينة الذين اعتادوا المرور من شارع النصر، وقدر لهم أن ينتظروا كثيراً ولكن المخابرات لم يأتوا فرجعوا في سيارتهم، وعند موقف جباليا بالضبط لاحظ الشهيد / سامى أحد رجال المخابرات وهو يجلس في حالة من الاسترخاء في سيارته من بين السيارات التي ازدحم بها موقف جباليا، كأنه آمن على حياته، فنزل الشهيد سامى بمسدسه الذي صوبه على رأس رجل المخابرات وضغط على الزناد فلم يخرج الرصاص وانتبه ضابط المخابرات فأمسك بيد سامى يريد أن يخلص من يده المسدس، ولكن سامى تحرك في الوقت المناسب وسحب يده بقوة، وأنزل الأمان بسرعة وأطلق من مسدسه 6 رصاصات اطاحت بكبرياء إسرائيل على امتدادها.
ومن المفارقات المضحكة أن اغتيال الضابط الصهيوني جاء في يوم عيد الأضحى المبارك وكان الشهداء يضحكون، وكان سامى يومها مصابا بالأنفلونزا ونائماً فضحك الشهيد / مصباح وقال له مازحاً: «آه يا سامى.. الله ما في حدا زي سامى ضحى يوم العيد بالضابط، نحن بقينا بدون أضاحى» فضحك أحد الأخوة الذي استشهد معه فيما بعد..،. «آه يا عمى عامل حاله مش سامع.. ما هو بفكر في حدا غير الحور العين». ولقد كانت هذه الفترة مرحلة جهاد كبرى قادها الشهيد / سامى وأخوانه أوقعت العديد من جنود وضباط العدو ومستوطنيه بين قتلى وجرحى وبثت الفزع في أوساط أجهزة العدو وخرجت الصحف العبرية آنذاك بعناوين عريضة «الجهاد الإسلامي اسم جديد يثير الرعب في غزة».
يقول والده الذي قابله أثناء هروبه إنه طلب من المغادرة للخارج كما فعل بعض إخوانه فأجاب سامى: «الخروج سهل في ليلة بنطلع، ولكننا نريد البقاء هنا ونستشهد على هذه الأرض الطاهرة».
ولقد تعرضت عائلة الشهيد إثر الهروب لشتى أنواع الضغط والتضييق لاكراهها على الإدلاء بأى معلومات عن مكان اختبائه أو على الأقل تزويدها بمعلومات عنه، ولقد تمت مداهمة المنزل عشرات المرات، وتكسير الاثاث والشتم والتهديد والوعيد ولقد اعتقل والده وأخوه في السجن لمدة قصيرة متفاوتة، كان آخرها اعتقال الوالد لمدة 18 يوماً في محاولة لارغامه على الإبلاغ عن مكان وجوده ولقد ساوموه حتى على شرفه فأحضروا ابنته - شقيقة الشهيد - والتي لم يمض على زواجها إلا قليل ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل.
معركة الشجاعية واستشهاد الفارس البطل
خرج الوالد «أبو عبد الرحمن» من السجن في 25/ 9/ 1987م. بعدها بفترة بسيطة وبالتحديد في 6/10/1987م كانت عصبة الإيمان في سيارتين الأولى تضم الشهداء (حلس وقريقع) والثانية تضم الشهداء (الجمل وسامى الشيخ خليل) وغيرهم ممن لم تكتب لهم الشهادة، كان النشامى كما يبدو في مهمة جهادية أو استطلاعية لأنهم كانوا معاً وبأسلحتهم، وكان العدو ناصباً كميناً لهم قبالة مسجد التوفيق بالشجاعية وتركوا السيارة الأولى تمر دون اعتراض وعندما وصولت السيارة الثانية اعترضوها ووقف ضابط مخابرات صهيوني وقال بصريح العبارة «سلّم نفسك يا سامى» فعندها أسرع سامى بإطلاق الرصاص عليه من مسدسه فأرداه قتيلاً على الفور، وكان هذا الضابط - كما كشفت التفاصيل فيما بعد - هو الذي حقق مع سامى في السجن فضغط بالتهديد على سامى كثيراً فصرخ سامى عليه إنني سوف أقتلك ولو آخر يوم في حياتي، وآخر يوم في حياة الشهيد رحمه الله أطلق سامى رصاصة الوفاء للعهد والقسم على رأس الجلاد فأوفى بوعده كاملاً، وبعدها بدأت المعركة التي انتهت باستشهاد الفرسان الأربعة رضي الله عنهم أجمعين بعد مطاردة السيارة الأولى..
لقد وقعت المعركة مقابل مسجد التوفيق الذى تربى فيه سامى وبلور عقليته ورؤيته الجهادية الحضارية فكما كان المسجد شاهداً على حياته كان شاهداً كذلك على استشهاده.
وهكذا سقط الشهيد البطل متسربلاً بدم الطهارة، أحب الشهادة حتى العشق فأكرمه الله بها.. يقول والده: تساءل سامى ماذا دهى الناس، مالى أراهم راكنين الى الدنيا وشهواتها إننا نسعى لإماطة الذل والاحتلال وتحريك الجماهير المسلمة.

