"يوميات مرابط ".. فلسطيني يرابط علي ثغور المسجد الاقصي كي لا يتركه وحيدا أمام اعتداءات المغتصبين

الثلاثاء 19 مايو 2009

الإعلام الحربي – وكالات:

 

يعلق قلبه بحلقات أبواب الحرم القدسي الشريف.. مرابطاً على ثغوره لأيام وأحياناً لشهور كي لا يتركه وحيدا أمام اعتداءات الاحتلال.. يحدوه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي ‏كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان"‏.

 

وإن كان العلماء يعرفون الرباط بأنه حَبْس النفس بالإقامة في الثغور التي يخاف فيها هجمات العدو لتقوية المسلمين والدفاع عنهم، فإن الشيخ الستيني غسان يونس "أبو أيمن" قد ربط هذا المعنى بالمسجد الأقصى الأسير قائلاً: "الأقصى يئن تحت الاحتلال؛ ولذا أعتكف فيه باستمرار حتى لا نتركه وحيدا لهم.. وقد اعتكفت مرة لمدة 6 أشهر متواصلة، ومرات أخرى لمدة 3 أشهر".

 

ويضيف "أبو أيمن" من بلدة عارة في فلسطين المحتلة عام 48: "نعم.. الصلاة بالأقصى توازي 500 صلاة، لكن تعبدنا لله عز وجل بالرباط في باحاته ليست بالصلاة وحدها، بل هناك مجالات متعددة تكتمل كلها بالدفاع عن أرض الإسلام ومقدساته وتكثير السواد.. وأنا أرابط في الأقصى بهذه النوايا".

 

ويعود أصل مصطلح الرباط الذي ورد ذكره في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" آل عمران، إلى قيام المجاهدين بربط خيولهم وتجهيزها استعداداً لأي وقت يدعوهم فيه داعي الجهاد فيسرعوا ملبين للدفاع عن ثغور الإسلام وحياضه.

 

وانطلاقاً من معاني الرباط السابقة اعتاد فلسطينيو 48 على أن يكون من بينهم مرابطون بالمسجد الأقصى -منذ احتلاله من قبل إسرائيل عام 1967- في أوقات مختلفة، بحيث لا يكون خاليا من رواده في أي ساعة على مدار اليوم.

 

رباط القلوب والأبدان

بكلمات تحمل في طياتها تجربة عمره يقول أبو أيمن "الفضل لله أن منَّ علي أن أكون من سدنة وحماة المسجد الأقصى.. وأكون من المرابطين الأوائل في ساحات الحرم القدسي الشريف.

 

وتترقرق العبارات على شفتيه راسمة ملامح رحلة الرباط من بدايتها "أقف بالقرب من الشارع الرئيسي المؤدي إلى القدس والذي يمر بالقرب من بلدتنا.. يعرفني غالبية أصحاب الحافلات، وأعرفهم.. فلا ألبث إلا دقائق حتى أركب وأنطلق باتجاه زهرة المدائن".

 

يبدأ برنامج الرباط بمعناه الواسع منذ اللحظات الأولى لركوبه الحافلة فيقول "استغل وجودي بالحافلة للتعارف مع الناس، وإعطاء دروس وتوجيهات حول حب المسجد الأقصى وأهمية الدفاع عنه.. والحمد لله أن منّ علي بصحبة غالبية أهالي مدن وبلدات فلسطيني 48 في رحلاتي إلى القدس".

 

رباط أبو أيمن بالأقصى ليس رباطًا بالبدن فقط، بل هو بقلبه كذلك الذي يدغدغه الشوق والحنين كلما غادر الحرم القدسي ولا يستقر مكانه حتى يعود إليه مرة أخرى، وهو ما لخصه المرابط الفلسطيني بقوله: "ونحن بالحافلة متجهين إلى الأقصى نعد الدقائق متلهفين لموعد الوصول.. نشتاق إلى رؤيته في كل مرة".

 

ويتابع "في أحد الأيام سألت نفسي: هل اكتفيت أو شبعت أو أخذت حقي من الأقصى؟!. فيكون الرد: بالطبع لا..، فحتى لو زرته كل يوم، يبقى هناك شيء عجيب يجذبك للعودة إليه في كل مرة.. مهما قضيت فيه من وقت لا تشبع من زيارته أبداً".

 

ويرى أبو أيمن أن "الرباط بالأقصى وحمايته من الاحتلال فرض علينا كمسلمين وأنا مسلم.. وكل شيء في جسدي يتغذى من الوجود في ساحات الأقصى.. هذه وقود وطاقة يستمدها الجسد في زيارته ولا يعرفها إلا من يزروه باستمرار".

 

حلقات العلم

لحظات وتتوقف الحافلة بالقرب من الطريق الموصل للمسجد الأقصى.. يترجل أبو أيمن كما الآخرون.. ومن بوابات الأقصى الرئيسية تبدأ حكاية الرباط داخل أسوار الحرم القدسي الشريف.

 

يقول: "ما إن ندخل المسجد حتى آخذ مكاني المعتاد.. زاوية خصصت لي لإعطاء بعض الدروس والمواعظ لزوار الأقصى.. ويبقى الأمر كذلك حتى صلاة الظهر.. وهناك حلقات للتدريس مختلفة، كل عالم أو شيخ له حلقة يدرس فيها.. ويعطي المواعظ، وأنا شخصيًّا تلقيت العلوم الشرعية على مدار عامين في حلقات لشيوخ بالأقصى".

 

ويردف "كنت محافظا أيضا على حضور درس يوم الأحد لإمام المسجد المبارك ما بين المغرب والعشاء.. وكذلك الدروس اليومية في شهر رمضان من كل عام، فضلاً عن دروس يومي الإثنين والأربعاء لبعض أساتذة الفقه والحديث، ودروس الثلاثاء".

 

اعتكاف وعمل

وللرباط بالأقصى معانٍ وحكايات شتى في ذاكرة "أبو أيمن": "ساحات الأقصى تئن من قلة الزوار والمعتكفين، حيث يمنع الاحتلال المصلين القادمين من باقي المدن الفلسطينية وتحديداً من الضفة الغربية المحتلة".

 

ولذا "أحرص على الاعتكاف باستمرار هناك.. وفي إحدى المرات اعتكفت 6 أشهر متواصلة، ومرات عديدة اعتكفت لـ 3 أشهر كاملة.. ولدي برنامج اعتكاف متواصل بين الفترة والأخرى لمدة 3 أيام.. ويشمل برنامج الاعتكاف العبادة وقراءة القرآن، إلى جانب إدارة حلقات العلم والدروس الدينية، وتعلم أحكام الدين".

 

العبادة كذلك عند "أبو أيمن" لها أشكال شتى، تتخطى الصلاة والقرآن وحلق العلم إلى المشاركة في غالبية أنشطة المسجد من صيانة لأرضية ساحاته وتنظيف بلاطها، على حد تعبيره.

 

ويذكر مرابط الأقصى أيضًا أنه شارك في صيانة المصلى المرواني وإعداد إفطارات الصائمين في رمضان، ومسيرة البيارق التي تنظمها الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 48، وهي مسيرة تشارك بها عشرات الحافلات التي تقل فلسطيني الداخل لعمارة الأقصى ومدينة القدس.

 

وللرباط ثمن

وبحروف ترتعش إشفاقاً يلفت أبو أيمن إلى المحاولات المستمرة من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة لاقتحام الأقصى، فضلاً عن تعنت سلطات الاحتلال مع المرابطين قائلاً: "تخيل.. حتى إدخال الطعام لإفطار الصائمين ممنوع من قِبَل الاحتلال.. نحن بوجودنا ندخل الطعام.. نقاومهم ونتصدى لهم".

 

ويضيف "وكذلك حلقات العلم والتعليم تبقى تحت مراقبتهم حتى يعرفوا ماذا نقول ونفعل.. لكننا لن نتوقف عن هذه الحلقات، ولن نترك الأقصى وحيدًا مهما فعلوا".

 

ويتابع في أسًى "في حالات كثيرة كنت شاهدا على إصابة بعض المصلين نتيجة اقتاحامات اليهود لساحات الأقصى.. كيف تريدنا ألا نكون من بين المدافعين عنه؟!".

 

ويروي أبو أيمن كيف عرضه رباطه بالأقصى إلى الاستجواب والتحقيق من قبل سلطات الاحتلال قائلاً: "في إحدى المرات تم إخضاعي لتحقيق متواصل يزيد على ثلاث ساعات.. وتعرضت لتهديد.. لكن إتقاني للغة العبرية جعلني أتمكن من التحايل عليهم وعدم تمكينهم من إثبات أي شيء ضدي".

 

ويعاني المسجد الأقصى عبر السنوات الماضية من تراجع في أعداد المصلين والمتواجدين فيه نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال على كل من يرغب في الصلاة به، وذلك بهدف إفراغه من المصلين وفتح المجال أمام الجماعات اليهودية المتطرفة للدخول إليه وتنفيذ مخططات تهويده.