الإعلام الحربي _ غزة:
يصوم المسلمون في كافة أرجاء المعمورة شهر رمضان المبارك في كل عام، إيمانًا واحتسابًا لله عز وجل ليغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم. إذ يُمسِك الصائمون عن المفطـّرات من أكل وشرب وجماع وغيره من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس، مع ضرورة تبييت النية في القلب.
وتمثل موائد الإفطار الجماعية مظهرًا من مظاهر الشهر الفضيل، إلى جانب صلاة قيام الليل "التراويح"، والعبادات الأخرى كقراءة القرآن والدعاء وغير ذلك من الطاعات، لكن هذا وأكثر يُحرم منه الأسرى الفلسطينيون والعرب في سجون الاحتلال الصهيوني.
سامر البرق، أحد هؤلاء الأسرى المحرومين من التمتع بشهر رمضان المبارك كباقي مسلمي العالم، نظرًا للعنجهية والصلف الصهيوني الذي يبطش بهم دون أدنى رحمة أو مراعاة لحرمة الشهر الفضيل، هؤلاء الأبطال الذين آثروا الصيام ولكن على طريقتهم الخاصة.
البرق (37 عاما) الذي ينحدر من قرية جيوس في محافظة قلقيلية، بدأ صيامه مبكرًا منذ الثاني والعشرين من مايو/ أيار الماضي، عندما أعلن إضرابه المفتوح عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله إداريًا دون محاكمة، وفي محاولة منه لانتزاع قرار صهيوني يقضي بالإفراج عنه.
ويعدُّ الأسرى الاعتقال الإداري السياسة "الأكثر اجحافاً" التي تتبعها إدارة السجون الصهيونية بحقهم، ما دفعهم لخوض العديد من الإضرابات المفتوحة عن الطعام من أجل إنهائها.
وكان آخر هذه الإضرابات ما خاضه الأسرى في السابع عشر من أبريل/ نيسان الماضي، لمدة استمرت 28 يوماً، توجت بتوقيع اتفاق "الكرامة" منتصف مايو/ أيار الماضي، بين قيادة إضراب الأسرى وإدارة مصلحة السجون الصهيونية برعاية ووساطة مصرية.
"مسلخ الرملة"
لم تكد تمر تسعة أيام على إضرابه إلا وطرأ تدهور كبير على صحته، ما دفع إدارة سجن "عوفر" إلى نقله لعيادة "سجن الرملة" الصهيوني، لكن ذلك لم يشفع للبرق لدى من يُطلَق عليهم "ملائكة الرحمة"، بل كانوا "جلادين" داخل "مسلخ"، كما وصفهم بعض الأسرى المحررون.
ويعاني الأسير المضرب عن الطعام منذ 115 يومًا من إصابة سابقة في فخده، إضافة إلى وجود بلاتين في جسده ما يجعله بحاجة إلى رعاية طبية مستمرة، إلى جانب إصابته بمشكلة في الكلى، وهبوط حاد بالسكر، وارتفاع في ضغط الدم وكريات الدم الحمراء، وتناقص وزنه من 93 كيلوجرام إلى 72 كيلوجرام.
ورغم هذه المشاكل الصحية إلا أن إدارة السجون الصهيونية تمارس سياسة الإهمال الطبي بحق الأسير البرق كباقي الأسرى المرضى، منتهكةً بذلك وبشكل سافر كافة القوانين الدولية والإنسانية التي تلزمها بتقديم العلاج اللازم للأسرى المعتقلين لديها.
ولم تقتصر التجاوزات الصهيونية على اتباع سياسة الإهمال الطبي، بل تعدت ذلك ووصلت إلى حد الاعتداء على الأسيرين المضربين البرق وحسن الصفدي، إذ اعتدى السجانون الصهاينة عليهما مرتين في محاولة للضغط عليهما من أجل فك إضرابهما وثنيهما عن خطوتهما النضالية.
ويخوض الصفدي إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، منذ 21 يونيو/ حزيران الماضي،احتجاجًا على تنصل إدارة السجون الصهيونية من وعدها بالإفراج عنه وتجديد أمر الاعتقال الإداري بحقه لمدة 6 أشهر أخرى، لكن محكمة "عوفر" أصدرت قرارًا بتثبيت اعتقاله إداريًا لمدة أربعة شهور.
كما يخوض الأسير أيمن شراونة إضرابًا عن الطعام منذ الأول من يوليو/ تموز الماضي،في حين أن الأسير نبيل الراعي أضرب في الرابع من ذات الشهر، والتحق بهم الأسير سامر العيساوي في الأول من آب/ أغسطس الماضي.
وجميع هؤلاء الأسرى أكدوا عزمهم الاستمرار في الإضراب عن الطعام إلى حين تحقيق مطالبهم العادلة وفي مقدمتها الإفراج عنهم.
رحلة المعاناة
ولم يتمكن البرق، الثلاثاء الماضي، من الخروج لمقابلة المحامي، نظرًا للتدهور الخطير في وضعه الصحي جراء إضرابه المستمر عن الطعام، بحسب ما ذكرت مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان في مدينة رام الله.
وطالبت المؤسسة في بيان صحفي، أمس، منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية واللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي بالتدخل العاجل للإفراج عن هؤلاء الأسرى المضربين عن الطعام، بعد التدهور الخطير في حالتهم الصحية.
وكان البرق قد سافر إلى الباكستان عام 1995، والتحق بإحدى الجامعات هناك لنيل درجة الماجستير في التحاليل الطبية، ثم عمل مدرساً لمادة العلوم في مدرسة تابعة للسفارة السعودية في مدينة كاراتشي الباكستانية لمدة عام دراسي كامل، وفق تصريحات لوالده حلمي البرق.
وبحسب مدير الوحدة القانونية في نادي الأسير، المحامي جواد بولس، فقد عاد البرق من الباكستان إلى الأردن في عام 2003، وتم اعتقاله هناك ومحاكمته وسجنه لمدة 5 سنوات متواصلة إلى أن أفرج عنه عام 2008، وبقي رغم ذلك في الأردن وعمل في مهنة التدريس.
وأعادت السلطات الأردنية عام 2010 اعتقاله لمدة 77 يومًا، بناءً على شكوك تتعلق بانتمائه لتنظيم إسلامي جهادي، وبعد ذلك وتحديدًا في 11 من يوليو/ تموز عام 2010، سلم للجانب الصهيوني على معبر "الكرامة" على الحدود الأردنية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث ما زال أسيرًا في سجون الاحتلال دون تقديم أي تهمة واضحة ضده، وفق بولس.
وشارك البرق الأسرى في إضراب "الكرامة" في الفترة ما بين السابع عشر من أبريل/ نيسان والرابع عشر من مايو/ أيار الماضي، رفضًا للاعتقال الإداري والعزل الانفرادي وسياسة الإهمال الطبي المتبعة بحقهم من قبل إدارة السجون الصهيونية.
وبعد تنكر إدارة السجون الصهيونية لالتزاماتها بموجب توقيعها اتفاق "الكرامة" مع قيادة إضراب الأسرى بوساطة مصرية، بعدم تجديد الاعتقال الإداري إلا في حالات استثنائية، استأنف البرق إضرابه عن الطعام في 22 مايو/ أيار الماضي، بعد تجديد اعتقاله إداريا لمدة 3 أشهر.
وتضع سلطات الاحتلال شروطًا تعجيزية للإفراج عن البرق، تتمثل في موافقة إحدى الدول على استقباله أو بإحضار وثيقة صادرة عن جهات باكستانية رسمية تبدي استعدادها لدخوله إلى الباكستان للقاء زوجته الباكستانية هناك.
ولا يزال البرق ينتظر منذ فترة ليست بالقريبة أن "تؤذِّن" إحدى الدول العربية أو الأوروبية لـ"يفطر" عن صيام شارف على دخول شهره الرابع على التوالي، في أحضان عائلته وزوجته التي غاب عنها منذ عام 2010.

