دلالات التصعيد.. قراءة المشهد وحيثياته

الإثنين 15 أكتوبر 2012

بقلم/ ثابت العمور

 

بدأ الكيان الصهيوني عمليات تصعيد محدودة ومتدحرجة تستهدف المقاومة في غزة، قد يسأل البعض عن حدود هذا التصعيد ونتائجه وهل يتطور لحرب شاملة أم لا؟، الإجابة تقتضي استحضار المشهد بحيثياته وتفصيلاته، ولا أدعي امتلاك الإجابة القاطعة بنعم أو لا، ولكن قراءة المشهد قد توفر بعض الإجابات على تساؤل آخر، وهو ما دلالات هذا التصعيد وأهدافه؟، لأن الأمر يقتضي التعامل والتعاطي مع ما هو حادث للاستشراف والتنبؤ بما هو آت وقادم، وتقول حيثيات المشهد في غزة، بأن الكيان قد تلقى عدة ضربات موجعة وغير مسبوقة، وكلها توحي بأنه لا يفهم الواقع ومعطياته، وأنه يجهل الممكن والمتاح.

 

البداية كانت ببيان مشترك سرايا القدس و كتائب القسام، وإن لم يكن الأمر سابقة، فإنه شكل تحديا غير متوقع للكيان الصهيوني الذي يراهن على استمرار الانقسام السياسي والافتراق العسكري والميداني، ويعتقد بأن الاجنحة العسكرية منشغلة بالحشد والتوظيف الشعبي والجماهيري، وعلى ما يبدو فإن هذا الكيان لم يقرأ دلالات وحيثيات مهرجان انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي الأخير والانحياز الشعبي والجماهيري، وأن هذا الشعب جبل وولد وتربى على المقاومة والجهاد والاستشهاد وهو منحاز لهذا الخيار دون كثير من الاستقطاب الذي يظنه الاحتلال، ودون إطالة أستعرض هنا وفي هذا الموضع ما ذكرته صحيفة "معاريف" عقب البيان العسكري المشترك سالف الذكر، والتي تدعي فيه بأن التعاون الذي حصل بين السرايا والقسام "أمرا نادر حدوثه".

 

هذا الموقف "لمعاريف" يؤكد التيه الذي يعيشه الكيان الصهيوني ومقوماته وقدراته، وأنه لا زال جاهلا بواقع المقاومة الفلسطينية رغم كثرة التجارب وطول المعركة.

 

فكيف يكون البيان المشترك امرا نادر حدوثه، إلا إذا كان الكيان يجهل الواقع وينسى التاريخ، وهو ما يعني بأن الأمر كان كارثيا بالنسبة له، ولم يكن واردا في حساباته ورهاناته، إن القراءة الموضوعية هنا تقتضي أن يكون البيان المشترك بين السرايا والقسام استراتيجية حقيقية واسعة ومتعددة وليست مجرد حالة اقتضتها الضرورة وألا تكون مجرد تكتيك مرحلي، وهو الأمر الذي يقتضي ويفترض التوسع الافقي والعمودي لهذه الخطوة، وألا تحصر بين السرايا والقسام، لأن التصعيد الحاصل في أحد دلالاته يستهدف التفكيك.

 

هذه الخطوة شكلت رعبا للكيان الصهيوني، وهو ما يفسر أحد أهم أبعاد التصعيد الصهيوني الحاصل والذي يستهدف خلط الأوراق مرة أخرى، واعادة التحالفات الفصائلية لنقطة الصفر، نعم، الكيان لا يختبر الجبهة الفلسطينية، لأنه لا يعلم جهوزيتها والدليل أن البيان المشترك شكل عقبة وتحديا أمامه، ثم جاءت طائرة أبابيل وعملية ايوب لتكون الفاصلة.

 

دلالة أخرى للتصعيد هي أن الكيان يعود مجددا للعب بخلط الأوراق، فالحاصل جراء التصعيد انحساره واقتصاره على استهداف الجماعات السلفية، بعدما قطع البيان المشترك الطريق على كثير من مخططاته، وبالتالي أراد إقحام السلفية الجهادية في المعركة والمواجهة والتصعيد، وهو يراهن على عدة سيناريوهات، الأول الاستفراد بالجماعة، وبالقطع نتائج ذلك كبيرة وجد خطيرة، لأن الأمر سيبدو وكأن البقية غير معنية بالتصعيد، وهو ما يرجح حدوث حالة من التوتر الميداني، باعتبار أن لكل فصيل حساباته وأولوياته، فإذا ردت الجماعة السلفية على التصعيد بالتصعيد سيحمل الاحتلال حكومة حماس المسوؤلية، وبالتالي سيكون التدحرج صوب الجميع متاحا، وإذا حالت الحكومة بغزة دون ذلك، فستتهم بأنها تمنع المقاومة.

 

 واذا ما دخلت كافة الاجنحة العسكرية في الرد والتصعيد سيعتبر الأمر وكأنه اعلان حالة حرب على الكيان، مما يعني بأن الأهداف السياسية ستكون حاضرة في دائرة الاستهداف، وقطعا ستكون الابعاد والحسابات السياسية واعادة الإعمار حاضرة وماثلة وهو ما يعني تصدير التحدي من الحالة الصهيونية للحالة الفلسطينية، لأن للتصعيد تبعاته، وللتوقف دلالاته.

 

لكن وفي أفضل الأحوال فإن أهدافا أخرى تبقى حاضرة لهذا التصعيد وأهمها، طمأنة الداخل الصهيوني بعد كم الهزائم الاستراتيجية التي مني بها مؤخرا، وما حادثة طائرة حزب الله عنا ببعيد.

 

الكيان في افضل حالاته لن يغامر بحرب، وسيكتفى بالتصعيد، هو لا يحتمل هزيمة رابعة تضاف لهزائمه، الاولى صيف لبنان، والثانية خريف غزة، والثالثة الرعب الإيراني الذي بات قريبا للحد الذي يستبيح فيه الاجواء الصهيونية، والرابعة قلق سيناء، والهزائم كثيرة والتحديات ماثلة والجبهات مستعرة ومشتعلة والصاعق يلوح في الأفق، ولو كان الكيان يمتلك الحد الأدنى للخروج للحرب لخرج لايران اولا وللبنان ثانيا لكنه يكتفي بالتصعيد وعلى جبهة غزة فقط، وهو تصعيد يستهدف الحد الأدنى لالتقاء فلسطيني ميداني قد يقلقه ويربك حساباته، وبالتالي استهداف غزة قطع للطريق وردا على البيان المشترك وليست حربا متدحرجة، ولا يمكن أن يتطور الأمر، فالدراجات النارية أفضل ما يمكن استهدافه في بنك الأهداف المزعوم.

 

 

نحن أمام إستراتيجية جديدة، فالكيان هو من يستحضر الرعب، وهو ما يعني بأن المقاومة الفلسطينية باتت حاضرة وبفاعلية وبدأت تجد موضعها في حسابات الكيان وحدود تصعيده، وسواء وجدت طائرات استطلاع إيرانية "مفككة" بحوزة المقاومة بغزة كما يدعي الاحتلال أم لا، فإن المعركة باتت تتطور تدريجيا وميدانيا لصالح المقاومة.

 

ختاما لسنا أمام حالات تصعيد قد تتطور أو تتدحرج لحرب شاملة، ولكنه تحول وتبدل في إستراتيجية المقاومة والمواجهة بأضلاعها وأطرافها المختلفة، وغزة لم تعد مجرد رقم في المعادلة، بل باتت معادلة قائمة بذاتها، ما يعني بأن التصعيد فيها بات جزءا من منظومة وعملية حسابية اقليمية، والاستفراد بها لم يعد ممكنا ومتاحا، والكيان الصهيوني في أفضل حالاته سيبقى خلال المدة القادمة يرتقب من أين سيأتيه الاختراق القادم ومتى؟، وما هي المفاجأة التي ستصدمه مجددا؟!