غزّة تقاتل.. عن الفلسطينيين والعرب والمسلمين، تقاتل في تل الربيع ويافا وأسدود وعسقلان وبئر السبع وبيت لحم والقدس، تقاتل بصواريخها في البر والبحر والجو، تقاتل بإعلامها المرئي والمسموع، تقاتل بشبابها ونسائها وأطفالها وشيوخها.
فوجىء الفلسطينيون أكثر من غيرهم بقدرة المقاومة الفلسطينيّة على إدارة معركتها مع الاحتلال بجدارة، ولم يكن أحدٌ من الفلسطينيين يتوقّع أنّ المقاومة ستصل لمرحلة تصنع فيها صواريخها لتضرب كل تلك المناطق الفلسطينية المحتلة بجهود ذاتية، ومن كان يتوقّع أن يحيا ليرى القدس وتل الربيع المحتلة تتعرّضان لصواريخ فلسطينيّة خالصة ومن أرض فلسطينية؟.
غزّة تقاتل، والاحتلال مرعوب من فكرة أن يقاتل، ينتظر مقاتلو المقاومة الفلسطينية على حدود غزة لمقاتلة قوات الاحتلال قبل "ثلاثة كيلو مترات عن حدود غزة" والاحتلال يجبن عن الاقتراب من هذه المسافة من الحدود، فهو يعلم أنّ صواريخ الكورنيت بانتظاره، بوارج الاحتلال ومروحياته تعلم أنّ الاقتراب من حدود غزة سيؤدي لتدميرها وتحاذر بعيداً عن القطاع، ولأول مرة ينصح الأمريكيون والبريطانيون صنيعتهم وجيشها بعدم المغامرة بدخول القطاع، فهم يعلمون أنّ المقاومة أعدت لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على عقل بشر، ولذلك هم يرفضون الاقتراب ويقصفون من بعيد، وتغيّر الوضع، العرب يقاتلون والجيش الّذي كان لا يقهر لا يجرؤ على دخول حقل ألغام غزّة.
غزّة تغيّر.. جمهور الاحتلال بدأ يدرك الآن أن المقاومة الفلسطينيّة أصدق من قياداته السياسية والأمنيّة والعسكريّة، فعندما يقول الاحتلال أنّه دمّر قدرات المقاومة، ويبقى تحت قصفها حتّى الآن بلا توقّف، فمن سيصدّقه؟ عندما تعلن المقاومة عن إسقاط الطّائرات وتُظهر ذلك، عندما يقصف الآليات ويُظهر ذلك؟ عندما يعدهم بالمزيد ويصدق في قوله، فمن يصدّقون؟ لا خلاف أنّ جمهور الاحتلال بدأ يصدّق خطاب المقاومة الفلسطينيّة وهذه هي الهزيمة النّفسية، وأقصر الطّرق لإتمام النّصر المؤزّر في قادم الأيّام، بالإضافة إلى الثّمن الّذي سيدفعه ساسة وقادة دولة الاحتلال سياسيّاً.
غزّة غيّرت نفسيّات الفلسطينيين في غزّة وفي الضّفّة الغربيّة وداخل فلسطين المحتلّة عام 1948م وفي الشّتات، فقد أدرك الفلسطينيون أنّ هناك من يدافع عنهم ويحميهم، وبدأ يلمس الفلسطينيون في الضّفة الغربيّة رُعب المستوطنين وهروبهم لجحورهم بعد أن أذاقوهم الكثير وآذوهم أذىً كثيرا، ويلمس من يسير في الضّفّة الغربيّة والدّاخل الفلسطيني والخارج مقولة: ( إرفع رأسك أنت فلسطيني) متجسّدة في أقوال وأفعال الفلسطينيين والعرب والمسلمين كذلك.
غزّة غيّرت خطاب وسلوك العرب على أرض الواقع، فالخطاب السياسي للعرب تغيّر للأفضل – وإن بشكل طفيف- وأن يأتي قادة عرب إلى غزّة تحت القصف ويعلنوا أنّهم سيدعمون غزّة، ويجتمع العرب والأتراك والماليزيون في القاهرة لخلق جبهة سياسية لدعم الفلسطينيين ومعاقبة دولة الاحتلال، فهذا لم يكن ليكون لولا ثورات العرب وثورة الفلسطينيين التي أثبتوا فيها جدارتهم وقدرتهم.
غيّرت غزّة ثقافة الفلسطينيين في الضّفّة الغربيّة، فقد كادت القوى العالميّة المعادية تحتفل بتغيير ثقافة الفلسطينيين في الضّفة، فجاءت حرب غزّة لتخترق قشرة ما بناه هؤلاء خلال سنوات، وعاد للفلسطينيين تألقهم الفكري، وعادت لهم الرّوح بعد أن ظنّ الكثيرون أنّهم ماتوا ودُجِّنُوا، فمن يشاهد ثورة الشارع الفلسطيني ورقعة انتشارها ومعنويات النّاس التي تلامس عنان السّماء ولغتهم المتألّقة في الحديث، يدرك أنّ غزّة ومقاومتها غيّرا الكثير في الفلسطينيين، وأهم ما غيّرته هو تحطيمها لليأس وبثّها للأمل في نفوس النّاس.
غيّرت غزّة المصطلحات، فقبل الحرب كان يقال عن فلسطين المحتلة ( إسرائيل) ولكن صواريخ المقاومة ربطت بين تل الربيع وغزة والخليل والقدس وعسقلان ويبنا وبئر السبع وأسدود وعيون قارة ومطار اللد وغيرها من مدن وقرى فلسطين، وبهذا عادت لفلسطين أسماؤها الحقيقيّة عبر صواريخ أهلها الأصليين، ومُسِحَ من الذّاكرة الفلسطينية ما علق بها درن تكرار مصطلحات التّهويد التي تأثّر بها مجموعة من النّاس.
غيّرت غزّة طريقة تعاطي وسائل الاعلام معها، فالإعلام لم يستطع أنّ يتغاضى عن إنجازاتها، ولم يستطع أن يستمر في سياسته السّابقة تجاهها، وتجنّدت أغلب وسائل الإعلام لتغطية إنجازات المقاومة، حتّى تلك التي كانت لا عمل لها سوى الحط من شأن المقاومة والعمل على تشويهها، أصبحت الآن تتغزّل بالمقاومة الفلسطينيّة وبإنجازاتها وبصواريخها وبدقّة تصويبها.
غيّرت المقاومة الغزّاويّة خطاب وسلوك عدد كبير من خصومها السّياسيين، فقد أدرك أغلبهم أنّ اتهاماتهم لتلك المقاومة لم تكن في محلّها، فتضحياتهم أثبتت أنّهم طلاب شهادة ، وإنجازاتهم في التّصنيع والاستخبارات وإدارة المعركة أثبتت أنّهم لم يكن هواة يبحثون عن الفرقعة الإعلامية، وأثبتت أنّهم كانوا يصنعون الأسلحة النّوعية في فترات الهدوء، وما اتهامهم في ذلك الوقت من بعض المزاودين إلا هرطقات سياسيّة وإعلاميّة، في حين تبَخَّرَ من كانوا يقولون أنّ المقاومة تمنعهم من الجهاد، ولا نرى لهم فعلاً ولا نسمع لهم صوتاً.
أعادت المقاومة الاعتبار للوحدة الفلسطينية على الأرض، فكل الفصائل الوطنيّة تشارك في هذا الجهد البطولي من أجل فلسطين والعرب، وبيّنت أنّ سراب المفاوضات الخادعة لا يبدّدها إلا وحدة المقاومة على الأرض، كما أخذت بثأر العرب والمسلمين الّذين أدمتهم عربدة طائرات وبحريّة واستخبارات الاحتلال، وأكّدت للعرب والمسلمين أنّ الفلسطينيين هم طليعتهم المقاتلة، وليسوا حركة مقاومة للاحتلال فقط.

