أرض الرسالات ومهد الديانات ومدينة السلام القدس الشريف ، مسرى النبي الأمي خاتم الانبياء والمرسلين ومعقل الانبياء منذ سيدنا ابراهيم الخليل وعلى امتداد خمسة آلاف عام في حضارة بشرية موغلة في التاريخ .. اليوم تتعرض لمؤامرة خبيثة ونوايا شريرة واستهداف مبرمج تخطط له وتنفذه الصهيونية العالميه لنزع الهوية التاريخية العربية الاسلامية عنها ولكنها ستظل هكذا عربية اسلامية رغم أنف الأعداء ورغم محاولاتهم البائسه لاقتلاعها من جذورها التاريخية السالفه ، ورغم ما تقوم به من اجراءات غير مسبوقه لتهويدها منذ حلت جرثومة الاحتلال البغيض على أرض فلسطين ، ولكنها تبقى آمالا رسمها دعاة الصهيونية ومؤسسيها الاوائل منذ عقد أول مؤتمر للصهيونية العالمية في بازل بسويسرا 1897م ، ولا زالت تلك الآمال تؤسسها العقد والاوهام التي تغذي العقلية الاسرائيلية وتبشر بها بروتوكولات مزعومة .
اليوم تتعرض القدس لأشد حملات التهويد لإزالة كل ما يمت للعروبة والاسلام بصلة ، وللأسف الشديد العرب والمسلمون يشاهدون ما يجري دون حراك حقيقي يوازي تلك القيم المعنوية الحضارية والدينية لهذه المدينة وكأن شيئا لم يكن ، كل ما يعبرون عنه تجاه القدس جملة صغيرة لإدانة اسرائيل في بيانات قممهم الدورية ، أفلا تستحق القدس وقفة صادقة مخلصة ؟! ألا تستحق منا هبة عربية اسلامية كبرى ؟ّ! أم أننا ننتظر محوها نهائيا !! وتتركز الاهداف الاسرائيلية ورغبتها الجامحه لتهويد المدينة لتنفيذ مخططاتها الرامية لتحقيق مشروع ( القدس الكبرى ) وذلك لتكريس شعار القدس عاصمة موحدة أبدية لاسرائيل ، ويأتي تهويدها عن طريق ضم عدد من الكتل الاستيطانية الى مناطق نفوذ المدينة المقدسه كمستوطنة (معاليه أدوميم ) التي تعتبر من أكبر المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية مما يؤدي الى تقليل عدد الفلسطينيين في المدينة ، كما يسعى مشروع اسرائيل الكبرى الى خلق وضع ديموغرافي جديد للمدينة، وبدوره يساهم جدار الفصل العنصري ايضا في اخراج عدد من الفلسطينيين من محيط المدينة حتى تهبط نسبة العرب في القدس الى اقل من 12% مقابل 88% لليهود ، وقد أكد رئيس وزراء اسرائيل في اكثر من مناسبة الى ان تجميد الاستيطان لن يشمل القدس في اشارة واضحة وجلية على نوايا اسرائيل المبيتة لتهويد القدس ، ويتضمن مشروع اسرائيل الكبرى بناء وحدات سكنية جديدة وذلك سيؤدي الى انفصال القدس عن الضفة الغربية تماما .
ان هذا المشروع الاستيطاني الخطير الذي يسير بخطوات حثيثة سبق ان مهدت له قوات الاحتلال بخطوات ملموسه ، ففي وقت سابق من العام الجاري قامت سلطات الاحتلال بتهديد 1500 مواطن من سكان منطقة سلوان بهدم بيوتهم بدعوى انها مبنيه دون تراخيص ، كما هددت بلدية الاحتلال ايضا بهدم 88 منزلا من منطقة البستان الواقعة شرق اسوار البلدة القديمه جنوب المسجد الاقصى ، والذي تطلق عليه قوات الاحتلال (حديقة داؤد) ، وقد بدأت أعمال حفريات تحت المسجد الاقصى منذ مده طويلة بدعوى البحث عن هيكل سليمان ، ولا زالت عمليات الحفريات وبناء الانفاق تحت باحة المسجد الاقصى مستمرة، فقد تم بناء نفق يصل بين حائط البراق والحي اليهودي بالقدس، وتواصل الحكومات الاسرائيلية العمل في هذا الاطار، تلك الخطوات والانتهاكات التي ترتكبها اسرائيل والمتمثلة في عمليات الترانسفير لتفريغ القدس من مواطنيها الفلسطينين وتدمير منازلهم والاعتداء على المقدسات الاسلامية وتنفيذ اعمال الحفريات تحت المسجد الاقصى منذ فترة طويلة دون اعتبار لمشاعر المسلمون حول العالم ، ودون مراعاة للقانون الدولي في ذلك ، وبلاشك انها تأتي ضمن مخططات شريرة ومسلسل خطير لنزع الهوية التاريخية عن زهرة السلام مدينة القدس الشريف ، هذه الاجراءات التعسفية هي ليست وليدة اللحظة ولكنها مخططات قديمة تعد من أهم مخططاتهم لإعادة بناء مدينة داؤد في اسرائيل الكبرى ، لذلك ستواصل اسرائيل عمليات التهجير للمواطنين المقدسيين وتدمير كل الرموز الاسلامية فيها لنزع هويتها العربيه الاسلامية قسرا وزورا ، هكذا هم بنو اسرائيل وليس ذلك بغريب ولا جديد على من وصفهم الله في كتابه الحكيم (قتلة الانبياء) والمفسدون في الارض وهم من حاولوا قتل رسولنا الكريم في المدينة المنورة والتاريخ الحديث والمعاصر سجل لهم الكثير من الجرائم وقد أراد الغرب التخلص من شرورهم ، فساهم في زرعهم في خاصرة الامة الاسلامية، والعالم لن ينسى جريمتهم الارهابية البربرية في قطاع غزة عندما أبادوا بعين باردة أكثر من 1300 مواطن من سكان قطاع غزة المعزول والمحاصر ، اذن تاريخهم غني بالجرائم والانتهاكات والعنصرية والابادة والخيانة والغدر . واليوم تحاول حكومة اسرائيل صرف نظر العالم عن هذه القضية الى قضايا بعيدة لإشغال المنطقة بقضايا تافهة هكذا هو ديدنهم دائما ، فهم يتحدثون الان عن الاستيطان والتطبيع ، ويوهمون العالم بأنهم دعاة السلام الذي لا يوجد في بروتوكولاتهم المزعومة ؟! فكيف لنا نحن العرب الانجراف وراء تلك الاوهام التي يسوقونها على المسرح السياسي الان وكيف لنا الالتقاء بمن تلطخت اياديهم الآثمة بدماء الاطفال والنساء ودماء العروبة لا زالت تسيل في ضواحي غزة ! فلماذا كل هذا الجري وراء التطبيع مقابل ما تقوم به اسرائيل من أعمال عدوانيه شنيعة تجاه فلسطين الانسان والحياة والمقدسات ، وتجاه السلام الذي يتحدثون عنه ، لماذا نساعد نحن العرب في الضلال والتضليل والتموية الذي تحاول به اسرائيل تسويقه في الشرق الاوسط وهي تهدف الى التغطية على جرائمها ، وتحويل الانظار عما يجري من حقائق على ارض الواقع مثل تهويد القدس ، وبها من الحرمات الاسلامية ما لغيرها على امتداد رقعة الجغرافيا العربية والاسلامية ، ألا يجب على العرب التوقف عن مسايرة الخداع الاسرائيلي ، ووقف الاتصالات نهائيا مع اسرائيل والتصدي لممارساتها الخبيثة التي تقوم بها في القدس ؟ ألا يفترض على العرب الانتباه وعدم الانجرار وراء أوهام التطبيع والتي لن تأبه اسرائيل ان تعصف به كلما دعت الحاجه لذلك
لقد حدثت في الآونة الاخيرة تحركات دولية كبرى بين واشنطن والقاهرة وتل ابيب وعدد من العواصم الدولية وعلى جميع المستويات وذلك من أجل تحريك عجلة التطبيع بين العرب واسرائيل ، فالمبعوث الاميركي جورج ميتشل يقوم بجولاته في المنطقة ، والخارجية الاميركية تبشر العرب بالتطبيع سرا وجهرا ، وأقطاب حكومة اسرائيل يتحاورون مع نظرائهم العرب في هيلمان التطبيع ، والحديث السائد هو مسألة التطبيع لصرف أنظار العالم الى هذه المسألة في وقت تجاهل الجميع القضايا الحقيقية وقضايا الحل النهائي ، بل تجاهل الجميع قضية التهويد وما تتعرض له القدس من محاولات حثيثة ومكثفة لإلغاء هويتها التاريخية بشكل نهائي .
ان محاولات تهويد مدينة القدس تعد الان القضية الاولى التي تفرض نفسها بقوة على الساحه العربية وعلى العرب والمسلمين بشتى اطيافهم ومذاهبهم التصدي لهذه الجريمه ، فاسرائيل ماضية في مخططاتها ، ومن هنا يتطلب من قادة الأمة الاجتماع بشكل عاجل في قمة اسلامية طارئة لمناقشة هذه القضية المصيرية، وهذا نداء موجه الى أكمل الدين اوغلو الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي للقيام بدوره التاريخي اليوم ، وذلك قبل ان تضيع البقية الباقية من المقدسات والتراث الاسلامي الذي تحتضنه مدينة السلام وزهرة المدئن القدس الشريف ، فالأخطار باتت محدقة واليمين الاسرائيلي ينادي دائما بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل وانها غير مدرجة في قضايا الحل النهائي ولن يتوقف الاستيطان في القدس لانها ليست مستعمرة حسب ادعاءات قادة اسرائيل بل ينطبق عليها ما ينطبق على ما يسمى دولة اسرائيل ، وتغافلوا ان القدس تعتبر خطا أحمر فاصلا بالنسبة للعرب والمسلمين ، وتناسوا ان القدس من ضمن الاجزاء العربية التي تم احتلالها في عام 1967 ، وتشملها قرارات مجلس الامن 242/338 الداعية الى انسحاب اسرائيل من الأراضي المحتلة
ان على العرب والمسلمين الادراك أن قضية القدس هي أمانة في أعناقهم وسوف تسألهم الاجيال عنها فيما بعد ، وبات من الضروري ان يطرحوا هذه القضية بقوة في اجتماع عاجل لمؤتمر قمة اسلامية لتشكيل لجان لمساندة القدس وطرح القضية في أروقة المنظمات الدولية ، وذلك ليؤدوا الواجب المناط بهم في سبيل تحمل أمانة الأمة ومقدساتها ، كما يجب على منظمات حقوق الانسان العالمية ان تقف وقفة صادقة وبأمانة للتصدي لهذه القضية ، لئلا تترك القدس فريسة للاطماع والقرصنة الصهيونية .

