القدس التي حباها الله بمكانة متميزة بين العواصم و المدن، مكانة دينية وتاريخية وجغرافية، جعلها تتعرض لأطماع الأمم والممالك والإمبراطوريات منذ فجر التاريخ، فللقدس أسرار اكتشفها القدماء قبل المعاصرين، وهذا الذي جعلها عرضة للمحن والغزو والتدمير عبر تاريخها.
على مدار تاريخها الممتد منذ خمسة آلاف سنة، لم تجد المدينة الهدوء والسكينة، فما أن تخمد حرب، حتى تشتعل بها وبأكنافها معارك وصولات قتال بين قوتين: أحدهما تمثل الحق المتمثل بإنسان الأرض وديمومة وجوده التاريخي. والأخرى الباطل المغتصب من اجل السيطرة وفرض الثقافات وادعاء للحق التاريخي والديني. والأمثلة على ذلك كثيرة بالتاريخ وأهمها: الحملات الصليبية في فترة التعصب الديني المسيحي في أوروبا وسيطرة الكنيسة ومحاولاتها تكريس سيطرتها من خلال شن الحروب الدينية المقدسة والتي كانت تتطلع إلى القدس كعاصمة دينية للعالم المسيحي. والاحتلال الإسرائيلي، الذي يمثل أبشع هجمة تخضع لها المدينة في تاريخها القديم والحديث وتحت ستار من العقيدة الدينية والأيديولوجية الصهيونية.
منذ تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، وإنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام وفلسطين، بقيت المدينة وادعة آمنة تحت الحكم العربي والإسلامي، حتى انتداب فلسطين من قبل الاحتلال البريطاني، وتدفق موجات المهاجرين اليهود إلى فلسطين والقدس، وصدور وعد بلفور بمنح دولة لليهود بفلسطين، وإعلان قرار التقسيم عام 1947 والذي وجد ترجمته العملية علم 1948 عقب هزيمة الأنظمة العربية وقيام دولة إسرائيل على أغلبية أراضي فلسطين. واستكملت احتلال الجزء الشرقي وبقية فلسطين عام 1967 تحت ذريعة توراتية ووعد الهي بمنح الأرض لأبناء إبراهيم.
منذ احتلال المدينة وخاصة الجزء الشرقي، وهي تخضع لاعتداءات مبرمجة من قبل اليهود، ابتدأت بأعمال الحفريات تحت المسجد الأقصى، وإقامة المستوطنات بكافة أرجاء المدينة، بما فيها القدس القديمة. ولم تسلم حتى المقدسات المسيحية من إجراءات السيطرة ومحاولات تغيير المعالم والتهويد منذ 67 وحتى يومنا هذا.
منذ نجاح اليمين المتطرف بالانتخابات الإسرائيلية، ونحن نشهد حملة التصعيد، التي تستهدف الوجود العربي من خلال حملة هدم البيوت، وسحب هويات المواطنين المقدسيين، وتسجيل أملاكهم باسم المستوطنين وبناء أحياء جديدة، بهدف ترحيلهم عن المدينة، وتغيير المعالم الديمغرافية بكافة أرجاءها.
هذا لا يعني أن حكومات إسرائيل السابقة بريئة من الاعتداءات، بل كانت تحمل نفس المبادئ والتوجهات لتهويد مدينة القدس. ولم يكن برنامجها اتجاه المدينة يختلف كثيرا عن برنامج اليمين الإسرائيلي، كونه جزء من إستراتيجية صهيونية، تحرص على مستقبل المدينة كمدينة خالية من السكان العرب، أو حشرهم بنطاق تجمعات يهودية كأقلية أثنية يجب أن تعيش صامتة من اجل الحفاظ على موطئ قدمها.
حكومات إسرائيل لم تقرأ التاريخ جيدا ولم تتعلم من الدروس أو تجاهلتها لتعرف قيمة القدس ومقدساتها بنفوس مليار مسلم حول العالم. ففلسطين هي بيت المقدس لدى الملايين من المسلمين حول العالم.
من ثوابت الصراع الدولي، أن القضية الفلسطينية تشكل احد أسس الصراعات الدولية وتغذيتها في كثير من مناطق العالم، فتنظيم القاعدة، تغذى من العلاقات الدولية الغير متوازنة في ظل القطب الواحد الذي تقوده أمريكا والداعم لإسرائيل واعتداءاتها على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. وكذلك استفادت من وضع الصراع، الكثير من الحركات الجهادية والسلفية في الوطن العربي والعالم، والتي كان السبب في عوامل صعودها الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية وفرض الهيمنة الأمريكية على القرار الدولي المنحاز لإسرائيل.
الهجمة الحالية ضد القدس وأهلها، هي عملية ترسيخ واقع جديد للمدينة يستبق مفاوضات الوضع النهائي، وحتى يلغى إدراج القدس في جدول المفاوضات، خاصة وأن أعمال البناء والاستيطان في عملية تصاعد، وتشمل كافة أنحاء القدس دون ادني اعتبار للمواقف الدولية الداعية لتجميد الاستيطان لمباشرة بالمفاوضات. رغم أن عملية التجميد، غير كافية لإرجاع وضع المدينة لما كانت عليه، هذا إذا انطلقت فعلا عملية تفاوض حقيقية في ظل الخلل الكبير بمراكز القوى لصالح إسرائيل وتكريس يهودية الدولة وعاصمتها القدس الموحدة.
معركة القدس والأقصى، التي يشنها المتطرفون اليهود من طرف واحد تحت حماية الشرطة الإسرائيلية وقوات الأمن ، هي مقدمة لصدام سوف يأخذ أشكالا متعددة في حال استمراره، كما حدث عام 2000م بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى، والتي أشعلت الشرارة لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وانتقلت إلى كافة أرجاء الوطن، وأخذت أطوارا من مراحل المواجهة المسلحة وعسكرة الانتفاضة.
إشعال إسرائيل لفتيل المعركة حول القدس والمسجد الأقصى مجددا، حتما سيؤجج صراعا، ربما تمتد حدوده إلى خارج فلسطين، كون الأوضاع الداخلية الفلسطينية غير مؤهلة للرد نظرا لحالة الضعف والانقسام وتشرذم الجهود في متاهات الخلافات الداخلية. لكن استمرار تصعيد الاعتداءات، ممكن أن يساهم في نضوج عوامل داخلية وميدانية تنذر بانتفاضة ثالثة تحمل في طياتها مفاجآت غير محسوبة لإسرائيل.
فكما تعلمنا من التاريخ، لا يمكن توقف الدفاع عن المقدسات الإسلامية خاصة القدس ومقدساتها، وان سادت فترة من الضعف والاستكانة فهذا لا يعني أن العالم الإسلامي والعربي والفلسطيني سيبقى صامتا إلى الأبد، فما يحدث من استفزازات سيوقظ المارد النائم لا محالة، وان لم يحدث ردة فعل مناسبة لحماية القدس ومواطنيها ووقف الانتهاكات ضدهم، فعلى الأمة السلام.

