بقلم/ خالد صادق
كان الليل موحشا وقد توارى القمر خلف سحب السماء الغائمة.. لا يسمع إلا فزع الأطفال وانين الأمهات, ودوي المدافع وأصوات الصواريخ تتساقط على رؤوس الأبرياء.. بينما كان سيف الدين يرتدي بزته العسكرية ويستعد للرحيل, انه رحيل الفرسان الشجعان الذين ارتضوا أن يسلكوا أصعب الطرق, كيف لا وهو سيف "رائد الثوار"..
لم تغره الدنيا بزينتها وزخرفها بعد أن تزينت له واهدته من خيراتها, لم يتوان لحظة في طلب الشهادة ونيل رضوان الله عز وجل, لم تفلح كل الاستغاثات في ثنيك عن مهمتك الجهادية يا سيف.. لقد كان إصرارك أقوى من الجميع.. وكانت إرادتك أعلى من إرادتهم جميعا.. ولأنك تختار الأصعب دائما فإن عطاءك يفوق كل عطاء.. كنت تعلم انك تخرج من بيتك ولن تعود لكنك زأرت كالأسد الهصور دعوني ألقى ربي شهيدا فإنها أغلى الأمنيات.. لا تحولي يا أمي بدموعك الغالية بيني وبين لقاء ربي فإنها الجنات تجري من تحتها الأنهار.
بوركت تلك الأرض التي تحملك على راحتيها أبا الرائد.. لقد عم السكون المكان وأنت تقف بين يدي ربك خاشعا متضرعا ترجو رحمته ورضوانه.. وما أن فرغت من الصلاة حتى ألقيت نظرة خاطفة على أمك وأخرى على أبيك وثالثة على محبيك وأشهرت سيفك البتار أبا الرائد لتعصف بتلك الرياح العاتية.
"كانت الدنيا مطر وصفير الريح في الأذنين وحش وجأر.. وعلى الوجه يصير البرد شوكا وإبر .. كانت الدنيا مطر وظلام الليل كالفحمة لا نجم يضوي أو قمر.. إنما سيف كالنمر يرى الإبرة في الليل الكثيف.. إنه يعرف هذه الأرض كالكف كما يعرفها قصاص الأثر كانت الدنيا مطر ".
من أنت أبا الرائد اخبرني.. انت ابن الأرض ومن رحم الأرض خرجت.. أم انك ابن السماء ولبطن السماء صعدت.. هل أصبحت نجما متلألئ يدلنا على بوابات النصر.. من أين نبدأ الطريق أبا الرائد من سيفك البتار أم من زوايا دمك المتناثرة على خارطة الوطن الممتد من حدود موت حتى رأس الناقورة.. لقد أهدروا دمك سيدي وما علموا أنهم يزرعون الرعب فيهم , وان موتك ميلاد جديد.. وعالم جديد.. ومرحلة جديدة.. وشهيد يتبعه شهيد.. رتل علينا أبا الرائد من سورة الإسراء تباشير النصر.. اتل علينا قصة النصر الذي وزعته على جباه شعبك تعلو هاماتهم إلى عنان السماء.. لا تلملم اشلائك المتناثرة من صفحات الوطن البالية حتى يقرأ الحادي سيرتك العطرة على مسامع المستسلمين.. لعل رحيق دمك يوقظهم من سباتهم العميق.
لقد ساقوا على مسامعنا نبأ رحيلك أبا الرائد, فودعنا مسامعنا وطوعنا مدافعنا وانطلقت صافراتهم تنعق في بهو المدن المهجورة أن شبح موتك يخيم فوق رؤوسهم فانزوى قادتهم إلى ملاجيء العار مفزوعين.. هي غضبة الأحرار أبا الرائد وثورة العشاق يا سيف كأنها تنبعث براكين.. هي قطرات دمك الهادر تحرق كيانهم الغاصب بحممها اللاهبة.. هي ابتسامتك الأخيرة وانت تودع عالمنا الزائف وتعلمنا أن الحياة في نظرك ابسط بكثير من أن نذرف عليها دمعة.. فأي حياة هذه التي لا تتسع لحريتك يا سيف الدين.. أي حياة تلك التي لا ترقى إلى عطاءك.. أي حياة تلك التي شيعتها إلى المفتونين بها قبل أن نشيعك يا سيف الدين.
"بالهنا يا أمه زفي إلى أحضانه أحلى صبية.. بالهنا يا أمه بيعي ثيابك واشتري له بندقية ".
ها قد عاد سيف يطل على عالمنا بابتسامته المعهودة.. يطبع قبلة أخرى على جبين والده الذي غرس في روحه الطاهرة فطرة الجهاد والاستشهاد.. لقد رضع سيف البطولة من ثورة والده الملتهبة, وانصاع إلى خيار الموت راضيا مرضيا.. فطوبى لك أبا الرائد وأنت تسرح في الجنان وهنيئا لك الشهادة التي لا ينالها إلا من صدق الله.
شيعوا لبني عمومته.. يجيئوا بالطبول وبالزمور.. خبروهم أنَّه قد عاد من غزواته صقر الصقور.. وزعوا الحلوى وأكياس الملبس للكبير وللصغير.. صبايا الحيّ هيئن الذبائح، والمواقد والقدور.. والثياب انقعنها بالعطر نقعا، والمناديل الحرير.. إن سيف الأمير... ابن الأمير... ابن الأمير عاد من غاراته يرتاح في حضني الأثير.. بالهنا يا أمَّه زفي إلى أحضانه أحلى صبيه.. بالهنا يا أمَّه بيعي ثيابك.. واشتري له بندقية.

