الفن المقاوم صراعٌ خلف الكواليس يحصد نصرًا ويخلّف كوابيس

الثلاثاء 04 ديسمبر 2012
الإعلام الحربي - وكالات
 
أيامٌ ثمانية قضتها "غزة" تحت النار في حربٍ بدأها العدو الصهيوني على قطاع غزة، ويومٌ بيوم كل عائلة فلسطينية كانت تتسمر أمام التلفاز تتابع ما يجري، وإن غابت "الكهرباء" فحول المذياع تحلقوا مرهفين السمع.
 
فبين خبر عاجل لقصف يستهدف غزة وآخر يروي إثخان المقاومة للعدو كانت فواصل مهمة تتخلل الحدث، نعم إنها الأناشيد أو الأغاني الوطنية، التي ما فتئ أهل القطاع عن ترديدها طوال الحرب.
 
وبالمقابل كان النصر الذي حصدته الأناشيد لتلهب حماس المواطنين "كوابيس" تقض مضاجع الاحتلال؛ بسبب القوة التي تخللت كلماتها أو ألحانها مرافقة للأداء الثوري، الذي جعلهم يرتبكون محاولين التشويش على بث الفضائيات برسائل هزلية لم تفت في عضد الشعب قط.
 
ستنتهون بها أشلاء
لعلك الآن تسرح بفكرك متذكرًا ما كنت تنشد وتتغنى به في تلك الأيام الثمانية، وبالتأكيد أن أول ما يخطر ببالك هو هذا المقطع: "على الجبال، خلف التلال، وفي الوديان، ستهزمون ستهزمون، برًّا جئتم، بحرًا جئتم، جوًّا جئتم ستسحقون ستسحقون، أذرعكم إن مدت تقطع، أعينكم إن نظرت تقلع، والجيش المهزوم إن عاد الكرة لن يرجع، رعبًا نحن لكم قد جئنا، ثم الويل لكم إن عدنا، أرضًا جئتموها أحياء ستنتهون بها أشلاء، هذا وعد الله".
 
فماذا لو أخبرتك أننا حاورنا المنشد اللبناني "علي العطار"؛ لتعرف منه الشعور الذي يراوده وهو يرى أهل غزة في حربهم ضد الاحتلال يتغنى صغيرهم وكبيرهم بهذا المقطع من نشيدته الوطنية، التي صدرت له عقب دحر الاحتلال خاسرًا في حربه مع لبنان في تموز (يوليو) 2006م.
 
والمنشد "علي العطار" صاحب الصوت القوي الذي دحر الخوف من أعماقنا، يقول: "الصوت عاملٌ مهم يقف إلى جانب الكلمات واللحن، فإن توافرت عناصر قوة للثلاثة خرج نشيدٌ يفجر الطاقات الكامنة في من يستمع له"، لافتًا إلى أن المحرك الأساسي لينخرط في الإنشاد بصوته الجهوري نابعٌ من تربية دينية لأسرة عشقت الوطن والمقاومة.
 
أسلاك الهاتف كانت وسيلة اللقاء بالمنشد "العطار"؛ ليكن لي حظٌّ بسماع صوته دون لمسة فنية أو موسيقا تأثيرية، فكان حقًّا صاحب "بصمة" صوتية قوية، لكنه يشير إلى أن الصوت يمكن أن يكون هادئًا ذا تأثير روحاني لإبداع ابتهال ديني، وعندما يحتاج إليه الوطن للمقاومة ينزع الهدوء مرتديًا "حلة" الصوت الجهوري.
 
واحتلال آخر احتل وجدان "العطار"، لكنه لن يسمح له بالرحيل من داخله، فمشاعر فخر وعزة تمكنت منه وهو يتابع ما يجري في قطاع غزة، سيما عندما تتحفه الفضائيات الفلسطينية ببث مقطع من أنشودته "ستهزمون".
 
عليها يعلق العطار قائلًا: "شرفٌ كبير أن يكون لنشيدي جمهور شقيق في درب المقاومة، و"فلسطين" تستحق أن نقدم لها أعز ما نملك"، وها هو يهدي إلى انتصار المقاومة في غزة نشيدًا جديدًا بعنوان: "نداء فلسطين".
 
"بندقية".. طراز خاص
"كررت تسجيل أحد الأناشيد ثلاث مرات، أتعرف لماذا؟"، قلت: "ربما صوت القصف كان السبب، بأن أحدث تشويشًا يؤثر على جودة التسجيل"، فجاءني رده ضاحكًا: "أخطأتِ، كررتها لأن (الأستوديو) الصغير في بيتي تحول إلى مزار من الجيران؛ فكانت لهم مشاركة في اختيار الشكل النهائي للتسجيل وفق ما يتحرك به وجدانهم".
 
كان هذا رد موزع الموسيقى "محمود سلمي" على سؤال له: "كيف يمكن أن يختار الموزع نوع الموسيقى المرافقة لأنشودته؛ حتى تواكب القدرة على إشعال "فتيل" مشاعر المستمعين لها؟"، مخبرًا إياي قبلها أن الدافع الذي جعله وزملاءه في رابطة الفنانين الفلسطينيين يعملون في أجواء الحرب لإنتاج (ألبوم) "للمعركة" هو الرغبة بنصرة المقاومة وفق تخصصهم.
 
ويكمل "سلمي" حديثه: "جلسة جمعتني بزملائي في بيتي، وكلٌّ منا يفكر في عقله كيف يمكن أن نشارك، إلى أن خرج أحدنا بالكلمات، والثاني بدأ يلحن وينشد، وأنا أخذت أفكر وأفكر ما نوع الموسيقى المطلوب"، وكان "محمود" بعد رحيل زملائه على موعد مع زيارة لمرابطين بالقرب من بيته، ومن مجالستهم بدأت بعض الأفكار تتجمع.
 
فعاد مسرعًا إلى (الأستوديو)؛ ليضع لحنًا من هنا وآخر من هناك بإمكانات بسيطة جدًّا، ويوزع الخامات شاعرًا أنه يمسك "بندقية" من نوع خاص، وبدأت تتضافر معه جهود كل زملائه، فيتصل به فلان من جباليا وآخر من الشاطئ وغيره من هناك وهناك، كلٌّ يسأل: "ماذا يمكن أن أقدم؟"، حتى إنه تلقى اتصالًا من رسامين يطلبون منه المشاركة بأي رسم؛ علهم يحظون بشرف المشاركة في (ألبوم) "المعركة".
 
عزيزي القارئ، أظنك استنتجت معنا أن "الحدث هو الذي يصنع قوة "بندقية" الفن المسلطة على رقاب العدو"، وهو ما يوافق قول "محمود سلمي"، إذ أكد أن القوة المجلجلة التي تصدح بها الأناشيد خرجت من عمق الحدث وقوته، وكل الفكرة خرجت مع أول صاروخ سقط ليحصد معه "جسد" "أحمد الجعبري" القائد في كتائب القسام، وكأن "روحه" تحررت لتتغلغل في أرواح من حوله؛ ليقاوم كل شخص بالوسيلة التي يعرف.
 
"الكهرباء" و"صعوبة المواصلات" كانتا العائقين الأبرزين، ولكن "روح الفريق" وعشق المقاومة أذابا كل الحواجز ليخرج إلى النور "حجارة سجيل"، وتتوالى الاتصالات على "سلمي" من الإذاعة يخبرونه أن الجمهور المستمع يطلب عرض الأناشيد مرارًا وتكرارًا؛ لتزول معها كل "معاناة" فكرت أن تتسلل إلى قلب أحد العاملين في (الألبوم).
 
كلمة بقوة "فجر"
محطتي التالية وضعت رحالها على مرفأ "الكلمات" برفقة شاعر الأغنية الوطنية المخضرم "جمال الدريملي"، صاحب الأعوام الثلاثة والستين المرافقة لمراحل كثيرة عصفت بحياة الشعب الفلسطيني.
 
صوته الأبوي عانق الحروف وهو يقول: "ما يقوم به العدو من أفعال تشحن الوجدان أكثر وأكثر لتنفجر الكلمات، ما يجعلها تعيش في قلوب من يسمعها؛ لأنها خرجت من البوتقة المشتركة نفسها"، منبهًا إياي إلى أنها _أي الكلمات_ لا تحتاج إلى تحضير؛ فيكفي اتصافها بالصدق والوصف الدقيق لتتوافر لها سلاسة الخروج من عقل الكاتب إلى قلمه.
 
ويردف "الدريملي" بقوله: "معركة غزة جعلتني أكتب بعزة وفخار لتخرج كلمات تضفي طمأنينة وسكينة على من يسمعها؛ لأني شعرت كغيري من الفلسطينيين أن المقاومة شفت غليلي ولو قليلًا في حربها ضد المحتل، على عكس مواقف أخرى كانت فيها تخرج كلماتي وهي تعاني وجعًا يستصرخ عونًا"، فحسب وصفه شعر أن كلماته استمدت قوتها من صواريخ "فجر".
 
قوية كـ"جلجلة" الحدث
وأخيرًا، في ضيافة "الإعلام" أختم جولتي بحثًا عن التأثير الدعائي والنفسي حسب أصول "الدعاية" مع أستاذ الإعلام في الجامعة الإسلامية أ.د. جواد الدلو، الذي يبدأ حديثه بالإشارة إلى قول قائد فرنسي: "أعطني (مريسل) وأنا كفيل بتحرير فرنسا"، و(مريسل) هي الفرقة التي تعزف النشيد الوطني لفرنسا، في دليل واضح على الأثر الكبير الذي يعود على الشعب باستخدام "سلاح النشيد".
 
ويقول أ.د. الدلو: "إن الأناشيد تأتي في إطار الدعاية والحرب النفسية لشحذ همم المواطنين والجبهة الداخلية وتماسكها، وتوحيد قوتها خلف المقاومة"، منوهًا إلى عدد كبير من الحروب التي كانت فيها الاستعراضات العسكرية ذات شعبية لدى الجمهور، كما في العدوان الثلاثي على مصر أو حربي: 1967م و1973م.
 
ويشدد على أن الصورة التي عرضتها المقاومة خلال معركة غزة كان لها الأثر الأقوى في الحصول على دعم الشعب الفلسطيني، فإن كان يسمع "زلزل أمن (إسرائيل)" ويراها مصحوبة بصاروخ مقاومة يزلزلهم حقًّا؛ فإن ذلك يعطي مصداقية أكبر للمقاومة ويغدو للنشيد أثره؛ لحقيقة الصورة أمام عينيه.