فشل سياسة الردع الصهيونية

الخميس 13 ديسمبر 2012

بقلم/ داود كُـتــّاب

 

لسنوات طويلة اعتنق الصهاينة نظرية الردع وانتهجوها كسياسة ثابتة في علاقتهم مع قطاع غزة، وملخص الفكرة أن سكان غزة لو ذاقوا الألم وعانوا البطش فإنهم سيمتنعون عن مهاجمة الكيان الصهيوني.. لكن هذا النوع من الردع الاستراتيجي لا يمكن له النجاح، فبدلاً من الإحجام عن استهداف الكيان تكون ردة فعل الغزيين أمام الألم والعنف الذي تمارسه عليهم دولة الاحتلال التمسك أكثر بالمقاومة ورغبة أشد في رد العنف بمثله، والأكثر من ذلك أن الردع الصهيوني من دون إمكانية التسوية السياسية ستضمن استمرار العبث في المنطقة وتفاقم العنف.

 

وفي توضيحه لنظرية الردع الصهيونية قال «موشي يعلون»، وزير الشؤون الاستراتيجية الصهيوني خلال الأسبوع الماضي «إذا لم توقف التنظيمات الفلسطينية إطلاق النار، سنتشدد أكثر في ردود فعلنا حتى يقول الفلسطينيون كفى»،وفي سياق الردع نفسه، أعلن وزير الداخلية الصهيوني أن الهدف هو «إعادة قطاع غزة إلى القرون الوسطى».

 

والحقيقة أنه ليس مستغرباً أن تكون هذه القسوة هي ما يحرك الساسة الصهاينة فقد استخدموا خلال الهجوم الأخير على القطاع ترسانتهم العسكرية الهائلة وتفوقهم الاستراتيجي في مجال الأسلحة لقصف غزة جواً وبراً وبحراً، لتكون النتيجة سقوط أكثر من مائة مدني في القصف بمن فيهم أطفال عزل، كما أن تسعة قتلى ممن سقطوا ينتمون إلى عائلة «الدالو» في غزة التي قُصف منزلها بصاروخ صهيوني دمره وقتل الجميع. ومع أن دولة الاحتلال تقول إن هدفها هو ضرب من يطلق الصواريخ، إلا أن الطريقة التي هاجمت بها القطاع تضمن استمرار العداء لها في صفوف الفلسطينيين وستؤدي إلى ظهور مقاتلين جدد مصممين على مهاجمتها.

 

وبالنسبة للفلسطينيين يأتي إطلاق الصواريخ كرد فعل طبيعي على الحصار البري والحصار البحري الذي يطوق غزة منذ 2007، ومع أن قتل المدنيين على الجانبين لا يمكن التسامح معه، وأن الفلسطينيين أطلقوا بالفعل صواريخ استهدفت البلدات والمدن الصهيونية في الجنوب، إلا أن الهجمة الأخيرة للكيان على قطاع غزة كانت غير متوازنة بحيث استهدفت المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، كما أن المدنيين لا مكان لهم يهربون إليه في ظل الواقع الجغرافي للقطاع، ثم إن تصاعد العنف وتجدده بين الكيان وغزة بعد كل مرة تقول فيها دولة الاحتلال إنها حققت الردع يدل على فشل سياستها وإخفاق نظرية الردع كلياً، هذا في الوقت الذي يؤدي سقوط المدنيين في القصف الصهيوني إلى تجذر الحقد والكراهية التي تدفع بدورها إلى مزيد من العنف والرغبة في الانتقام.

 

 ولعل ما يجعل من سياسة الردع الصهيونية مشروعاً فاشلاً هو غياب خطة متكاملة ذات أبعاد سياسية، فبرفضها التعامل السياسي مع من يتولى الحكم في غزة تحصر دولة العدو نفسها في نطاق الحل العسكري لمشكلة لا يمكن حلها دون تسوية سياسية، فأحمد الجعبري، القيادي في كتائب القسام الذي اغتالته دولة الكيان، كان هو من سلم الجندي جلعاد شليط إلى مصر في إطار اتفاقية بين الطرفين، كما كان يدرس رده على وثيقة لتثبيت الهدنة بين المقاومة والكيان قبل أن يأمر نتنياهو باستهدافه، واضعاً نصب عينه الانتخابات القادمة.

 

ومع أن انغلاق الأفق السياسي أمام الفلسطينيين وابتعاد فرص التسوية العادلة تنعدم المحفزات لوقف إطلاق الصواريخ، هذا الغياب التام للحل السياسي هو ما دفع السلطة الفلسطينية إلى التوجه نهاية الشهر الجاري للأمم المتحدة طلباً لدولة غير عضو في الجمعية العامة مع ما للتوقيت من رمزية دالة، حيث يصادف الطلب ذكرى القرار الأممي بتقسيم فلسطين، وهو القرار الذي استقبله اليهود بترحيب بالغ لأنه يضمن لهم دولتهم القومية في حين تواصل رفضها حتى اليوم منح الفلسطينيين الفرحة ذاتها.