الإعلام الحربي – وكالات
لم يدر في خلد فيرونيكا أبو سيسي، أن يتعرض زوجها المهندس ضرار أبو سيسي مدير تشغيل محطة كهرباء غزة، لـ"عملية اختطاف" أشبه ما تكون بـ"فيلم سينمائي"، تدور أحداثه في 48 ساعة تفصل رحلة "موت" من أوكرانيا إلى الكيان الصهيوني.
عمليةٌ أثارت الكثير من التساؤلات في ذهن فيرونيكا التي تحمل الجنسية الأوكرانية، أبرزها: "لماذا اختطف ضرار من أوكرانيا؟!.. وكيف نقل إلى (الكيان الصهيوني)؟!.. وهل كان هناك دور للسلطات الأوكرانية؟!".
ولا تزال فيرونيكا التي تبلغ من العمر 33 عامًا، تناضل في غزة و أوكرانيا من أجل حرية زوجها وعودته سالمًا إلى منزله وأطفاله الستة في مدينة غزة، رغم مرور 22 شهرًا على اختطافه من أوكرانيا في 18 شباط/ فبراير 2011.
بداية القصة
وتعود تفاصيل القصة إلى مطلع عام 2011، إذ قرر وقتها "ضرار" السفر وزوجته إلى أوكرانيا لإنهاء بعض المعاملات والاجراءات للحصول على الإقامة والجنسية الأوكرانية.
وغادر أبو سيسي وزوجته وطفله الصغير أسامة في 18 يناير 2011، قطاع غزة، عبر معبر رفح البري، باتجاه الأراضي المصرية، تاركًا أبناءه الخمسة خلفه ينتظرون عودته بشغف من رحلة سفر لن تستغرق سوى عدة أسابيع.
بعد اجتياز "ضرار" وزوجته معبر رفح البري وفور وصوله مصر شعر بتحركات غريبة حوله، ولاحظ أن عددًا من الأشخاص يراقبونه ويتابعون تحركاته على مدار يومين هما مدة إقامته هناك، حتى لحظة توجهه إلى الأردن عبر مطار القاهرة، للقاء والديه.
في ذلك الوقت كان الأمر عاديًا لـ"ضرار" ولم يأخذه في الحسبان، لكنه استدرك ما حدث مع مرور الوقت، إذ بدأ بتجميع خيوط عملية الاختطاف، وتوقع أن يكون هؤلاء عناصر من المخابرات المصرية.
"وصلتُ إلى الأردن، وهناك في المطار كان بانتظاري عدد من عناصر المخابرات الأردنية الذين اعتقلوني مباشرة بعد التحقق من هويتي الشخصية وعصبّوا عيني ونقلوني إلى أحد مراكز التحقيق، هناك حققوا معي بشكل متواصل لمدة 14 ساعة ثم تحرزوا عليّ"، بحسب ما ذكره الأسير أبو سيسي في رسالة سربت من داخل عزله.
منع أبو سيسي من السفر إلى أوكرانيا لمدة 6 أيام، وبقي طوال هذه المدة محتجزًا من الصباح وحتى منتصف الليل لدى المخابرات الأردنية، وكان يسمح له فقط بالعودة إلى البيت للمبيت والعودة صباحاً إلى المركز.
في آخر يوم من احتجازه؛ قررت المخابرات الأردنية ترحيل "ضرار" إلى أوكرانيا، وسافر في 28 يناير 2011، مع زوجته وطفله، إلى أوكرانيا ومنذ اللحظات الأولى بدأ العمل على انجاز كافة المعاملات الرسمية لتحقيق مراده بالحصول على الإقامة في أوكرانيا والجنسية.
فراق الأحبة
لم يكن يتوقع الزوجان أن تتأخر المعاملات والإجراءات الرسمية لوقت طويل، ما اضطر فيرونيكا زوجة أبو سيسي إلى أخذ قرار بالعودة إلى غزة عبر المملكة الأردنية الهاشمية بعد 10 أيام، وحدث ذلك فعلاً، وبقي ضرار وحيدًا في أوكرانيا.
صبيحة يوم 18 فبراير 2011، صعد أبو سيسي إلى المقطورة رقم "6" في قطار "63" المتوجه من خاركوف -ثاني أكبر المدن الأوكرانية- إلى العاصمة كييف، للقاء شقيقه يوسف في مدينة أخرى تبعد نحو 500 كم، ويحتاج السفر إليها ساعات طويلة.
"يوسف" القادم من هولندا في ذلك الوقت، ليقابل شقيقه بعد غياب دام 15 عامًا، كان ينتظر بلهفة أن يعانقه ويكحل عينيه برؤيته في موعد وصول القطار إلى محطته الأخيرة. وفي الطرف الآخر لم يختلف الأمر كثيرًا لدى "ضرار" الذي جلس في المقطورة يسترجع ذكريات الطفولة.
وبعد فترة وجيزة على انطلاق القطار من خاركوف -والكلام لأبو سيسي- توجه إلى رجلان بزي مدني، وطلبا مني جواز سفري، فسألتهما من تكونا؟ وبأي صفة تطلبانه، رد أحدهما قائلاً: نحن ضباط في الأمن الداخلي الأوكراني، وأبرزا بطاقة تثبت ذلك".
وطلب أحدهما وكان ذا خلقة أوكرانية، من "ضرار" التوجه معه إلى غرفة فارغة في المقطورة، وأدعى أن هناك مشكلة في جواز سفره وأن إقامته غير قانونية، وإنها إجراءات طبيعية، بحسب ما ذكر في رسالته. وحاول أبو سيسي الاستفهام مرارًا من ضابطيّ الأمن، لكن عبثا فعل.
عاد أحد الرجلين إلى مقعد "ضرار" وصادر حقيبته الشخصية وأوراقه الثبوتية وحاسوبه وهاتفه النقال، وعند محطة بلطافا توقف القطار، واقتيد إلى الخارج ليفاجأ بـ"استنفار أمني" كبير في المحطة و"جيش" من رجال المخابرات الأوكرانية في انتظاره.
وادخل "ضرار" في سيارة دفع رباعي كبيرة، ذات زجاج أسود، وحولها عدد كبير من رجال الأمن الأوكراني، وسارت لمدة 5-6 ساعات (وهي ذات المسافة المتوقعة للوصول إلى العاصمة الأوكرانية كييف).
وعلى الطرف الآخر وتحديدًا في محطة كييف؛ ما هي إلا دقائق وتوقف القطار!. بدأ ركاب القطار بالنزول ويوسف ينتظر شقيقه ويتفحص ملامح من كانوا متواجدين هناك، لكن المفاجأة التي وقعت كالصدمة عليه هي أن "ضرار" لم يكن أحد الموجودين في القطار.
انتظر يوسف قليلاً ومرت الدقائق والساعات وحاول الاتصال بـ"ضرار" وأعاد المحاولة مرارًا وتكرارًا، لكن لا جدوى فالهاتف النقال كان مغلقًا، ولم يجد حلاً سوى مغادرة المحطة بعدما شعر بـ"خيبة أمل"، عسى أن يتلقى في أي لحظة اتصالا من شقيقه.
حكاية "الموت"
في هذا الوقت وصلت السيارة التي تواجد بها "ضرار" إلى فيلا كبيرة، دخلت إلى "كراج" السيارات وأنزل بالقوة من السيارة وفُتش بشكل كامل بعد تعريته من الملابس ومن ثم صعدوا به إلى الأعلى عبر السلالم ورفعوا بعد ذلك العصبة عن عينيه.
ويضيف أبو سيسي: "حتى تلك اللحظة كنت أعتقد أنني معتقل لدى جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (المخابرات)، وبعد أن رفعت العصبة عن عيني، تفاجأت بسبعة من الضباط، لا تبدو عليهم الملامح الأوكرانية، وخاطبه أحدهم بالقول: هل تعرف من نخن (في إشارة إلى عدم إتقان المتحدث للغة العربية)؟".
أجاب أبو سيسي: نعم، أنتم عناصر من المخابرات الأوكرانية، فابتسم بسخرية هذا الشخص وكان رئيس جهاز الأمن العام الصهيوني (الشاباك) يورام كوهين، وقال: "نخن جهاز المخابرات الصهيوني".
وقُيّد أبو سيسي بكرسي خشبي، وبدأت جولة تحقيق استمرت 6 ساعات متواصلة، قادها كوهين ومسؤول تحقيق سجن عسقلان الصهيوني أوسكار والذي يصفه الأسرى بـ"المحقق القذر"، وآخرون من قيادات "الشاباك".
وتمحورت أسئلة التحقيق بحسب أبو سيسي، حول الجندي الصهيوني الأسير لدى المقاومة في غزة آنذاك جلعاد شاليط وعلاقته بالمقاومة الفلسطينية.
وتعرض "ضرار" لتعذيب "وحشي" استمر 5-6 ساعات، حيث ضرب على صدره، ولطم على وجهه بقوة، وأسمع أصوات صراخ وأنين، وترك بعد ذلك وحيدًا في غرفة التعذيب، وجيء بعدها بـ 4 رجال ذوي أجسام قوية قيدوه وعصبوا عينيه ووضعوا شريطًا لاصقًا على فمه وأدخلوه في صندوق خشبي يشبه "التابوت" وأغلقوه بإحكام.
حمل هؤلاء الرجال "التابوت" ووضعوه في سيارة تحركت لمدة نصف ساعة تقريبًا، وفق ما جاء في الرسالة. ولم يستطع "ضرار" الصراخ فالشريط اللاصق على فمه، كان يمنعه من ذلك، فلم يجد حلاً إلا الصمت، ومعايشة معالم الرحلة من أصوات وحركات يستشعرها بجسده الممدد داخل هذا التابوت المظلم، رغم لسعات البرد التي شعر بها من شدة الخوف.
ويضيف: "كنت بكامل وعيي، وبحسب تقديراتي نقلت إلى مطار كييف، وعرفت ذلك من أصوات محركات الطائرات، وأدخل بعد ذلك التابوت في طائرة، هبطت لاحقا في محطة ترانزيت على ما يبدو، ثم واصلت رحلتها، إلى مطار في الكيان الصهيوني".
ساعات طويلة مرت على الأسير أبو سيسي داخل التابوت، حاول خلالها التخلص من قيوده والتحرك، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل مرارًا وتكرارًا، وبقي يناجي ربه في صمت، وشريط من الذكريات يمر أمام عينيه.
ويشير ضرار في رسالته إلى أن "الرحلة من محطة الترانزيت التي هبطت فيه الطائرة، وصولاً إلى مطار (تل أبيب) استغرقت نصف ساعة أو 40 دقيقة فقط!".
وما أن وصلت الطائرة إلى الكيان انزل التابوت وأخرج منه "ضرار" ووضع في حافلة صغيرة واصلت سيرها لمدة تزيد عن ساعة، وبعد ذلك أنزل من الحافلة ونقل إلى إحدى الزنازين، واخبره أحد عناصر "الشاباك" أنه معتقل لدى المخابرات الصهيونية في مركز تحقيق "بتاح تكفا".
"قبر" عسقلان
ومكث أبو سيسي في مركز "بتاح تكفا" 35 يومًا، حقق معه خلالها كبار القادة العسكريين الصهاينة أمثال: يورام كوهين، ومسؤول ملف شاليط في الكيان الصهيوني آنذاك عاموس جلعاد، ويوآل، وجاك، وستيفن، وستيف :مسؤولو التحقيقات في جهاز الأمن العام الصهيوني "الشاباك".
ونقل "ضرار" بعد ذلك إلى زنزانة العزل الانفرادي في سجن عسقلان الصهيوني أو ما وصفه في احدى الرسائل السابقة بـ"القبر المؤقت"، وقال في هذه الرسالة: "من زنزانة هي أصغر من "حمام" أحدكم في بيته، من بين الجدران الكئيبة والقضبان الحديدية أرسل لكم هذه الكلمات لعلها تخاطب فيكم شيئا من الإحساس أو الإنسانية".
وأضاف شارحًا وضعه في السجن: "هل تعرف معنى أن تبقى في مكان مغلق لا تخرج منه إلا ساعة واحدة في نهار مكبل اليدين والقدمين تحمل أكياس القمامة، لا ترى أحدًا ولا يراك إلا السجان، ثم تعود بعد ذلك إلى قبرك المؤقت تقضي به بقية اليوم لا تعرف نهارًا ولا ليلا، لا جمعة ولا سبتًا، لا صيفا ولا خريفا، سوى ما يصلك من البرد والحر، لا ترى أحدًا من أحبابك، ولا من أبنائك وأهلك، ولا يراك أحد".
وتعتبر زنازين العزل الانفرادي قبورًا للأسرى نظرًا لافتقارها لأدنى المقومات الإنسانية والصحية وضيق مساحتها، إذ تبلغ مساحتها (1.5 × 2.5) متر، ولا يوجد نوافذ فيها سوى نافذة صغيرة في باب الزنزانة، ولا تدخلها الشمس ولا الهواء, مشبعة بالرطوبة وتنتشر فيها الحشرات.
ويعاني أبو سيسي من حالة صحية صعبة، ومشاكل في القلب، واضطراب في ضغط الدم، ومشاكل في العين اليسرى، إضافة إلى انخفاض وزنه حيث وصل إلى ما دون 62 كيلو (من أصل 98 كيلو قبل اختطافه) ويشكو بشكل متواصل من الإهمال الطبي.
وترفض سلطات الاحتلال السماح بإدخال طبيب خاص من خارج السجن، لإجراء فحوصات طبية للأسير "ضرار".
وتروي زوجته فيرونيكا، احد المواقف التي حدثت مع زوجها خلال عرضه على طبيب إدارة السجون الصهيونية، وتقول: "أثناء عرض الأسرى على طبيب سجن عسقلان، كان ضرار يستعد للدخول عليه، فقال الطبيب بلغة روسية: أين الإرهابي الذي يجب أن يموت!".
وتضيف: "تعجب ضرار من هذه العبارة التي خرجت من رجل يعمل في أسمى مهنة انسانية، ورد عليه بحزم، وبذات اللغة، قائلاً: كيف تتهمني بأنني ارهابي دون وجود أي دليل، فدهش الطبيب وسأل ضرار: هل تتحدث الروسية؟! وأين تعلمت ذلك؟، فأجابه".
ووفق فيرونيكا فإن إدارة السجون تمنع دخول الكتب أو الصحف العربية إلى الأسير أبو سيسي، وتضيق كثيرًا في وصول ما يعرف بمبالغ "الكانتينا"، إضافة إلى حرمانه من إجراء مكالمة هاتفية مع عائلته منذ 31 تشرين ثان/ يناير 2012.
وأجرى "ضرار" ثلاث مكالمات هاتفية مع زوجته منذ اختطافه، أولها كانت في 27 شباط/ فبراير 2011، واقتصرت على التعريف بنفسه وابلاغهم بمكان اعتقاله في "بيتاح تكفا"، وطلب منهم الاتصال بمحامية صهيونية تدعى ميخالو أورجابي.
