لم يكن من باب الصدفة ولا من قبيل الاعتباط أن تُوجَّه التهديدات الأخيرة من قبل القيادة الإسرائيلية لقطاع غزة، لذا من المفترض أن تؤخذ على محمل الجد، خصوصاً وكان آخرها تصريحاً لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال غابي أشكنازي الذي قال فيه: "إن المعركة المقبلة التي سيُضطر الجيش لخوضها ستكون أيضاً في قطاع غزة".
فالإسرائيلي يظن أن غزة هي الحلقة الأضعف اليوم، والحلقة الأخطر على المدى البعيد، الأضعف لأنها محاصرة من القريب والبعيد ومن العدو والصديق، ولان الأنظمة الدولية والأوربية بالإضافة لحكومة الاحتلال قد تكالبوا عليها واجتمعوا على قتل وليد غزة والقضاء عليه في مهده!
وعلاوة على ذلك، فإن غزة محصورة ما بين البحر من غربها والعدو من شرقها وشمالها، كما أن جنوبها يعاني من معابر مغلقة يتنفس منها أهالي القطاع بصعوبة بالغة ومعاناة كبيرة، ولا يخرج منها إلا قوافل للمرضى يعود الكثيرون منهم جثثاً هامدة لا حراك فيها.
وفي مقابل حصار غزة والاعتداءات المتكررة ضدها، وأبشع المجازر المرتكبة بحق أطفالها ونسائها وشيوخها، وكل ما فيها من أحجار وأشجار وآبار، فقد بات من الممنوع عن غزة أن يوفر لها السلاح اللازم لتدافع عن نفسها وتصد آلة الموت والدمار المحدقة بها والجاهزة للفتلك بها. ليس ذلك فحسب، بل تعدى الأمر إلى أن يمنع عنها ما يلزم لتداوي جراحها، وتطبب مرضاها، وتعدى الامر بكثير لتسد كافة السبل أمام توفير ما يلزمها من أسمنت ومواد أخرى لا غنى عنها لتعيد أعمار ما دمره الصهاينة المعتدون خلال حربهم البربرية الأخيرة على القطاع.
مشكلة "إسرائيل" وما يقلقها بشأن غزة أن بها شعباً محاصراً محصوراً أعزلاً مقهورا، لا سلاح لديه سوى إيمان راسخ كالجبال الرواس بحقه في أرضه، ويقين لا يتزعزع، وإرادة وصمود قل مثيلهما في هذا الزمان، يرفد ذلك كله ويقويه .
أثبتت حسابات اشكنازي وجنوده اليوم خسارتها كما خسرت قبل حينما اعتدى على غزة أول مرة تقريباً بكل جيشه البري وبأكثر من نصف سلاح طيرانه في عملية تدميرية استئصالية للحياة المدنية، فدمر خلال اعتدائه ذاك ما لم يدمر من قبل، وأحرق البيوت والمدارس والجامعات وقصف المساجد والمستشفيات ومخازن الطعام والشراب، وعاث فساداً في المسارح وتجمعات الأطفال، وقتل شرطة المرور، واغتال الوزراء والقادة، وبعد ذلك كل هذا خرج صفر اليدين ملاحق بجرائمه وموصوم بالجبن والوحشية حتى من قبل الكثير ممن كانوا قديماً من أكثر مناصريه والمدافعين عنه.
يعتقد الكثيرون أن المعركة بيننا وبين جيش أشيكنازي أو من يخلفه في قيادة الجيش الإسرائيلي قادمة لا محالة، فمشروع المقاومة في غزة يُعْتَبَرُ العدو الأول للإسرائيليين، ويضعه صانع الإستراتيجية الإسرائيلية ومتخذ القرار على سلم أولويات من يجب القضاء عليهم والتخلص منه، وما وحشية حرب غزة الأخيرة إلا دليل قاطع على النية الإسرائيلية للقضاء على بذرة المقاومة في غزة.
ووفق هذه التصريحات المتكررة من قبل العدو الإسرائيلي، والتي تحمل الجدية والإصرار في مضمونها، ليس أمامنا إلا أن نرص الصفوف ونوحد الخطاب، ونقدم أولويتنا الوطنية على مصالحنا الضيقة وعلاقاتنا الدولية مع الأوروبيين والأمريكيين، وهنا ادعوا بالتحديد الإخوة في الضفة الي الكف عن التنسيق الأمني والتعاون مع الاحتلال. إضافة إلى أن يبادروا برد عملي يثبت جديتهم ونيتهم الطيبة بأن يفرجوا فوراً عن جميع المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، وأن يسمحوا للمقاومة أن تستعد لأي ترجمة عملية لأقوال القيادة الإسرائيلية وتحركات الجيش الإسرائيلي، فلم يعد يوجد أي مبرر لهم بالحديث عن لجم المقاومة بعيد تصريحات القيادة الإسرائيلية والاستعدادات المتكررة ضد غزة.
كما أتمنى على الإخوة العرب عقد اجتماع طارئ لحكوماتهم على أعلى مستوى، عنوانه الوقوف بجانب غزة في لحظة أي عدوان، فما المانع أن تلوح تلك الحكومات بإمكانية مد غزة بالسلاح، بل لماذا لا يسمح لغزة أن تمتلك سلاحاً تدافع به عن نفسها، خصوصاً بعد ما تعرضته له من عدوان وحشي استئصالي.
يوجد في غزة رجال يستطيعون الصمود في وجه المحتل ولن يستطيع لا أشكنازي ولا جميع جيشه أن يغير معادلة القطاع أبداً، فمع أنه من الممكن له أن يقتل ويحرق ويدمر إلا أنه سيقف عاجزاً عن أن ينتصر على شعب يريد الحياة بكرامة.
ليس عيباً أن تتسلح غزة والمقاومة الفلسطينية في ظل عدوان وحشي غير ملتزم بالقوانين، لكن العيب أن يمنع عنا السلاح، وعلى صوتنا أن يعلوا ليصل كل العالم بأن غزة تعاني نقصاً كبيراً في السلاح والعتاد وفي نوعية السلاح الذي يمكن أن يصد هجمة وحشية بحجم ما يتم التخطيط له لغزة. إن هذا الأمر مسؤولية ملقاة على عاتق الأنظمة العربية الرسمية وعليها أن تتبنى إستراتيجية لدعم قطاع غزة بالسلاح، وعلى الشعوب العربية أن تقوم بحملات عبر الفضائيات والانترنت والمساجد والجامعات تدعوا إلى تسليح قطاع غزة وإمدادها بما يقويها على الصمود والثبات بصورة أكبر مما كان عليه الأمر إبان الحرب الأخيرة، فالأمر جلل والخطب خطير، والتهديدات حقيقية وخطيرة قد تقضي على الكثير من أهل غزة الصابرة إن لم يتحرك المعنيون، وحينها لا ينفع الندم!

