رياح الحرب البرية تقترب من غزة ..بقلم: مازن صافي

الخميس 05 نوفمبر 2009

كما هو متوقع أن تخرج علينا التصريحات الإسرائيلية بين الفينة والأخرى بالتهديد والوعيد .. فمن إغراق غزة في البحر إلى تدمير غزة بحرب جوية بحرية برية وحصار ظالم طال جميع مناحي الحياة .. كان أيضا متوقعا أن تتصدى إسرائيل للعالم كله بأن تقول ( لا ) لأي قرار يمنح الفلسطيني استحقاق فوق أرضه أو يدين إسرائيل لكل الجرائم التي تقترفها وبصورة مبرمجة لم تبدأ من اليوم بل منذ بدايات تشكيل العصابات الصهيونية الإرهاب في مطلع القرن الماضي .

 

وها هي طبول الحرب والتدمير والقتل والتلمودية الدموية الحاقدة على الإنسانية تطل برأسها من جديد .. حرب جديدة على قطاع غزة .. لم تنته آثار حملة وحرب الرصاص المصبوب ولم تنته الحرب فالدمار والركام والبيوت المدمرة والخيام لم تزل شاهدة على فجاعة النكبة الجديدة .. والأمم المتحدة اليوم تناقش كل هذا لاتخاذ قرار بعد قراءتها تقرير غولدستون . وهنا على الصعيد الفلسطيني يجب أن يتم اتخاذ التهديدات الصهيونية على محمل الجد وعدم اعتبارها مجرد إعلانات أو تصريحات تراوح بين التصديق أو عدم التصديق .

 

رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي غابي أشكنازي قال اشكنازي في كلمة ألقاها في حفل تخريج دورة جديدة من ضباط الصف المقاتل للقوات البرية الصهيونية: ( ان المعركة المقبلة التي سيُضطر الجيش لخوضها ستكون أيضاً في قطاع غزة. وأن الجيش سيعود لمواجهة منصات إطلاق القذائف الصاروخية في المناطق السكانية الأشد كثافة في المعمورة. والقتال في القرى والمدن والمساجد والمشافي ورياض الأطفال والمدارس ) .

 

هنا يجب التوقف عند نوعية الجيش الذي قيلت أمامه الكلمة .. انهم ضباط الصف المقاتل للقوات البرية الصهيونية أي أنه حدَّد أن الحرب القادمة ستكون على الأرض .. الحرب البرية .. وهذا لا يعني أن اسرائيل في حال شنت الحرب ستكتفي بالحرب البرية .. بل سوف تعيد سيناريو الضربة الجوية الأولى .. ولكن ستكون ضربة ربما تستهدف المساجد والمشافي ورياض الأطفال والمدارس .. وهذا يعني إحداث شلل كامل ومجازر لا سابق لها .. وبعد ذلك تبدأ الحرب البرية .. وهنا علينا أن نعيد قراءة حرب إسرائيل على الضفة الغربية في العام 2002 حيث حرب السور الواقي .. وهذا يعني أيضا أن هناك خطة لعمليات اغتيال واسعة تبدأ بالمدنيين والأطفال وتمتد إلى كل ما تعتبرهم اسرائيل مصادر الخطر العسكري عليها من قطاع غزة .. ولعله من المهم أن نذكر أن اسرائيل قد أقرَّت بالفعل حرب برية في قطاع غزة .. ولكن يبدو أن توقيتها لم يحدَّد بعد أو أنه في ملفات سرية لم تخرج الى الإعلام حتى هذه اللحظة .. وهنا نقرأ ما أكده وكتبه المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية ألكس فيشمان، المقرب من قيادة جيش الاحتلال الصهيوني : ( أنهم في القيادة الأمنية الصهيونية لا يسألون إذا كانت ستقع مواجهة عسكرية أخرى في قطاع غزة بل متى؟ .. متوقعًا أن "المواجهة ستستأنف بحجم واسع في أثناء يناير 2010 ) .. وعلينا ان نتذَّكر أن إسرائيل في نهاية هجومها العسكري على قطاع غزة في يناير 2009 قالت أنها أنهت مراحل من حملتها العسكرية ( الحرب ) .. فهل ما تخطط له وٍما قاله غابي أشكنازي هو اشارة البدء لمواصلة المراحل التالية من الحرب .. ولعل المناورات العسكرية الصهيونية في تل أبيب ومدينة حيفا تشير الى قُرب بدء عملياتها في غزة .. حرب ربما تمتد الى جبهات أخرى كالجبهة اللبنانية أو فتح حرب شاملة مع إيران .. ولاحظوا أيضا أن المناورات تتزامن مع تصريحات الجيش الإسرائيلي التي جاءت كما يلي :

 

1- نفى حزب الله بشكلٍ قاطع في بيان مقتضب أصدره اليوم الخميس أي علاقة له بالأسلحة التي ادعت السلطات الإسرائيلية أنها صادرتها من على سفينة فرانكوب، وأدان الحزب في الوقت نفسه القرصنة الإسرائيلية في المياه الدولية.

 

2- رئيس أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قال اليوم الثلاثاء ان المقاومة بغزة اختبرت مؤخرا بنجاح صاروخا يمكنه إصابة تل ابيب، مضيفا أن الصاروخ أطلق من غزة باتجاه عرض البحر. وقال "ان الصاروخ الذي قد يكون من صنع ايراني يبلغ مداه 60 كلم ما يسمح للمقاومة باستهداف المدن الرئيسية في إسرائيل "

 

3- رئيس شعبة الاستخبارات في القيادة العامة للجيش الإسرائيلي "أمان"، عاموس يدلين قال : (إيران تواصل بشكل مكثف رعاية أذرعتها الأمامية في المنطقة، في قطاع غزة وفي الشمال ، وأضاف حزب الله يستمر في التزود بالسلاح الإيراني، والجديد أن مسارات التهريب لا تمر عن طريق سوريا فحسب بل عن طريق إيران أيضا . )

 

4- دعا اليوم الخميس رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو " المجتمع الدولي إلى دعم إسرائيل وهي تدافع عن نفسها بوجه الإرهابيين " على حد قوله.  

 

إن ما يحدث يعني خلط جميع الأوراق الإقليمية وعملية تحريض مباشر للمجتمع الدولي لتغطية قيام إسرائيل بمواصلة حربها التدميرية والدموية في قطاع غزة وجنوب لبنان وربما فوق العاصمة دمشق .. ان هذه الحرب التي يُراد لها أن تبدأ يعتقد القادرة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون بأنها كفيلة "بترويض" الفلسطينيين وجعلهم يقبلون ما يطرح عليهم من إملاءات أمريكية ودولية للانتهاء من القضية الفلسطينية .. والمتتبع للحركة السياسية في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية على الدولي والداخلي يجد أنه كلما تمسكت القيادة الفلسطينية بالحقوق الثابتة لشعبنا الفلسطيني ورفضت الاشتراطات الدولية والأمريكية خاصة كلما زاد الضغط والتلويح بالاجتياح والحروب ، وهذه المرة تعني عودة إسرائيل إلى المربع الذي كانت فيه العام 2005 م أي العودة إلى احتلال قطاع غزة والانتشار في المدن الفلسطينية .. مما يعني إنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية وإلغاء كل الاتفاقيات الموقعة وعودة الحكم العسكري الإسرائيلي لغزة وبالتالي أيضا فتح جبهة حرب استنزاف في كل المنطقة .. ربما تحتاجها إسرائيل لأهداف بعيدة لم تتضح بعد .. ان إسرائيل ومنذ احتلالها للمدن الفلسطينية تمارس سيادتها المتمثلة بالاجتياح والقتل والتدمير وسجن الفلسطينيين في معازل وسط الإرهاب والإذلال والمهانة .. إن إسرائيل تؤمن بأن احتلالها للمناطق الفلسطينية هو احتلال أبديّ!.

 

وبالتالي كلما لاحت بوادر انهاء هذا الاحتلال تبدأ اسرائيل في شن الحروب وتزيع رسائل دموية على العالم كله .. رسائل تقول أن التزام إسرائيل بحل الدولتين أو انهاء الاحتلال في الضفة وغزة يعني انتحار الكيان الصهيوني .

 

والملاحظ أن هناك تخبطا ملحوظا في التصريحات الصهيونية وفي ادارة ملف ما بعد تقرير جولدستون على المستوى الداخلي في إسرائيل وعلى المستوى العالمي ... فبين عدم إعطاء أمريكا لإسرائيل ضمانات باستخدامها حق النقض الفيتو على أي قرار وبين احتمالية تقديم قادة الكيان الصهيوني إلى المحكمة الدولية يمكننا العودة إلى الكاتب الاسرائيلى جدعون ليفى فى صحيفة "هارتس" الإسرائيلية في العام 2006 وبعد حرب لبنان ونقرأ ما كتب : (على حكومة إسرائيل أن تضع حدا لحربها المجنونة وتدرك أن الشئ الذي لا يتحقق بالقوة لا يمكن أن يتحقق بالمزيد من القوة إن هذه الحرب من شأنها أن تقودنا إلى طاولة المفاوضات ، يمكن أن يدرك المستوى السياسي فى إسرائيل من الآن فصاعدا إن الرد على الأخطار المحدقة بإسرائيل ليس من خلال القوة وإن الرد على المطالب الشرعية للفلسطينيين لا يتأتى من خلال القيام بعشرات العمليات العسكرية ضدهم بل من خلال احترام حقوقهم ) .

 

وكذلك يمكننا أن ننهي مقالنا بما كتبه سيفر بلوتسكر، وهو أحد كبار المحللين السياسيين والاقتصاديين في صحيفة „يديعوت أحرونوت” الأوسع انتشارًا، وأكد فيه أن الحرب على غزة لم تحقق أهدافها المعلنة، وكانت تداعياتها السياسية مدمرة .

 

وبكل تأكيد أن الشعب الفلسطيني الذي يعاني من القتل والتدمير منذ أكثر من قرن كامل لم يستسلم .. فإنه سوف يصمد أمام أي عدوان جديد .. وسوف يتمسك الفلسطيني أكثر وأكثر بأرضه وحقه ومصيره .. الفلسطيني لا يتمنى اندلاع الحرب ولا يسعى لها .. لكنه أبدا لن يبخل بالتضحية والدفاع عن أرضه وماله وعرضه ومصيره .

 

وهنا لا بد من أن تتوحد كافة الجهود الفلسطينية لمواجهة الخطر القادم ،و باعتقادي أن إنهاء الانقسام والعودة إلى الوحدة الفلسطينية والكيان السياسي الفلسطيني الواحد هو أحد الردود القوية والرسائل الواضحة ضد كل من يفكر بالاعتداء على أي مدينة فلسطينية .. قوتنا في وحدتنا .. وإسرائيل إلى زوال ان شاء الله .