الإعلام الحربي – غزة
في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك من العام الماضي، فوجئ العالم بخبر ولادة الطفل مهند الزين، ليكون أول طفل يولد لأسير في سجون الاحتلال الصهيوني حملت به أمه بعد اعتقال زوجها بسنوات، لتفتح تلك الحادثة الباب على مصراعيه أمام باقي الأسرى لتكرار التجربة، متحدين الاحتلال وإجراءاته.
ولئن شكل الحدث في حينه مادة دسمة لوسائل الإعلام لنقل الخبر ومحاولة استكشاف الطريقة التي تم بها حمل زوجة الأسير، إلا أن أبرز ما لفت المهتمين والناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الأسرى ليس فقط تحقيق حلم الأسير عمار بأن يكون له ولد، وإنما أبعاد هذا الحدث باعتباره شكلاً جديدًا ومبدعًا من أشكال المقاومة التي أبدع الفلسطيني في تطويرها على مر السنين تبعًا للظروف، وبما يضع قادة الاحتلال في حيرة من أمرهم.
ولم تكن تجربة الأسير الزبن المحكوم بالسجن المؤبد 26 مرة و25 عامًا إضافية، هي الأولى من نوعها، فقد سبقها وتبعها محاولات عدة من الكثير من الأسرى، لكن تجربته كانت هي الأولى التي تتكلل بالنجاح، بعد محاولتين فاشلتين قبل ذلك، مما يدلل على الإجراءات المعقدة التي يتبعها الأسير في تهريب نطفته بعيدًا عن أعين السجّان الذي يحرم الأسير الفلسطيني من حقه المشروع بالإنجاب، في الوقت الذي يسمح للسجين الصهيوني بالاختلاء بزوجته بين الفينة والأخرى.
صرخة حياة
ويقول الأسير الزين، إنه تشجع للفكرة كثيرًا، وبدأ بطرحها مطلع عام 2011 بعد قرار مشترك مع زوجته بتحدي الظروف وقهر السجان، وأكد أن الدافع وراء التجربة هو إطلاق صرخة حياة واستغاثة من الأسرى الذين أصبحوا أرقامًا منسية، وقد لاقت الفكرة استحسان غالبية الأسرى.
اما زوجته "أم مهند"، فتقول إن الوحدة التي عاشتها هي وابنتاها "بشائر النصر" و"بيسان" طوال 15 عامًا من غياب زوجها الأسير، وإصرارها على إعطاء أمل جديد لعائلات الأسرى، وكذلك المنع المتكرر لها ولعائلتها من زيارة الأسير عمار، كلها ظروف دفعتها للإقدام على هذه الخطوة وتحمل تبعاتها ونتائجها مهما كانت.
واعتبرت إنجابها الطفل "مهند" انتصارًا للإرادة الصلبة لزوجها الأسير الذي ذاق الويلات طيلة فترة أسره، مضيفة: "أراد عمار أن يكسر أنف السجان، ويحقق معجزة، وينجب طفلاً يحمل اسمه ويكرس صموده وشموخه".
تجارب سابقة
ويشير الباحث في شؤون الأسرى ومدير مركز احرار لدراسات الأسرى، فؤاد الخفش، إلى أن كثيرًا من الأسرى خاضوا هذه التجربة، وأولهم كان الأسير عباس السيد، والأسير حسام بدران قبل الإفراج عنه في صفقة "وفاء الأحرار"، ولكن لم تنجح عمليات التخصيب للنطف التي نقلت منهم.
وأوضح أن قضية الإنجاب بُحثت سابقًا من قبل الحركة الأسيرة، وأن هناك موافقة عليها، ولكن بشرط أن تتم وفقًا للسرية العالية وبطرق لا يقدر الاحتلال على إيقافها.
ويقول الخفش إن اتخاذ مثل هذه الخطوة المحفوفة بالصعاب، والتي قد تشكل خطرًا على الأسرى في كثير من الأحيان، تعتبر خطوة تنم عن إرادة وتحد للأسرى الفلسطينيين الذين أثبتوا للعالم إرادتهم الصلبة، ورفضهم الانصياع للاحتلال الذي يحاول النيل من عزائمهم القوية.
ويضيف أن إنجاب الأسرى بهذه الطريقة يحمل دلالتين هامتين، الأولى أن الأسرى -خاصة ذوي المؤبدات- يُعتبر السجن بالنسبة لهم انتهاء لمسيرة الحياة، وبنجاحهم في الإنجاب فإنهم يجددون مسيرة الحياة، ويتحدون الاحتلال، أما الدلالة الثانية، فهي الإبداع الفلسطيني في مواجهة إصرار الاحتلال على تدمير حياة الأسير.
من جهته، يرى مدير مركز رزان لأطفال الانابيب في مدينة نابلس الدكتور سالم أبو خيزران، وهو المركز الذي أجريت فيه عمليات الزراعة للعشرات من زوجات الأسرى، أن هذه المحاولات للإنجاب تدل على الإرادة القوية للأسرى ولزوجاتهم، وصبرهم وإصرارهم.

