الاعلام الحربي – غزة
يقتحم الجنود المنزل يطاردونه يعتقلونه وينقلونه إلى جهة مجهولة بحجة أنه "مطلوب" للمخابرات الصهيونية، فتكون الخيارات مفتوحة لمصير بين شهيد فور الاعتقال أو بالإهمال الطبي أو بالموت بعد التحرر، غير أن استشهاد الأسير عرفات جرادات من الخليل في سجون الاحتلال أعاد للأذهان ملفا غاب منذ عام 1992 وهو التعذيب الشديد حتى القتل؛ فكان جرادات الدليل الحي على الجريمة.
أسرى شهداء
وترتفع الإحصائية التي تضم الشهداء الأسرى إلى 203 باستشهاد الأسير جرادات منذ العام 1967 موزعة على عناوين فرعية في تقرير تحدثت عنه المؤسسات الحقوقية.
ويقول الباحث في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة: "ارتفع العدد إلى 203 شهداء بينهم 71 أسيرا استشهدوا بسبب التعذيب الشديد والممنهج، بالإضافة إلى 74 أسيرا استشهدوا نتيجة القتل العمد بعد الاعتقال مباشرة، كما أن 51 أسيرا استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي، في حين يبلغ عدد الأسرى الذين سقطوا برصاص الاحتلال داخل السجون سبعة شهداء".
ويضيف فروانة بأن عشرات الأسرى استشهدوا بعد التحرر بأسابيع قليلة وكانوا يحتضرون في السجون جراء الإهمال الطبي الذي تعرضوا له، وبعد أن أصدرت اللجنة الطبية داخل السجون قرارا بأن أمراضهم تتفاقم، أفرج عنهم واستشهدوا خارج السجن، إلا أن السبب في ذلك كان الإهمال الطبي وممارسات السجان.
ومن بين أولئك الأسرى المحررين الشهداء أشرف المسالمة من الخليل وزكريا عيسى من بيت لحم وزهير لبادة من نابلس وهايل أبو زيد وسيطان الولي وغيرهم الكثير، كما أن مئات من الأسرى الذين أفرج عنهم استشهدوا بعد التحرر بسنوات طويلة وكانوا يعانون من أمراض سببها الاحتلال لهم في الاعتقال.
16 مقدسياً
وتشير الدراسات والأبحاث والشهادات الحية التي خطها الأسرى والمحررون إلى عنصرية وهمجية يمارسها السجان الصهيوني مع المعتقلين تبدأ من الخطر على الحياة لحظة الاعتقال مرورا بمرحلة التحقيق التي تمارس فيها كافة الأساليب في ظل منع المحامين وهيئات الصليب الأحمر الدولي من التواصل مع المعتقل وصولا إلى الحياة اليومية والمعاناة من الأمراض والإهمال الطبي والأماكن غير الصحية التي يحتجر فيها الفلسطينيون.
ويقول رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين أمجد أبو عصب لـ"فلسطين": " قضى في سجون الاحتلال من القدس 16 شهيدا كان أولهم قاسم أبو عكر الذي استشهد في 25-6-1969 أثناء اعتقاله في مركز تحقيق المسكوبية في المدينة المقدسة جراء التعذيب الشديد، ومن بين الشهداء كان من لقي حتفه جراء الإهمال الطبي كما الشهيد رمضان عاشور البنا الذي استشهد في بئر السبع ".
ويستذكر أبو عصب استشهاد الأسير المقدسي محمد عابدين في حزيران من العام 2010 الذي استشهد في سجون الاحتلال وكان تعرض للتعذيب النفسي والجسدي والضرب المبرح من قبل الجنود والسجانين.
أسرى ينتظرون!
وتعتبر عملية اغتيال الأسير عرفات جرادات مفتاحا خطيرا لملفات أعيد النظر فيها على كل المستويات، حيث إن قرارا صدر مما تسمى محكمة العدل العليا الصهيونية في العام 1992 بمنع التعذيب للمعتقلين الفلسطينيين، غير أن جرادات كان شهادة حية وحقيقية بدلائل سياسية ومادية وطبية على ادعاء مزيف لدى مصلحة السجون والمخابرات الصهيونية بأنها أوقفت التعذيب.
ويقول الباحث في مؤسسة التضامن الدولي أحمد البيتاوي، إن جريمة اغتيال الأسير جرادات أوضح دليل على زيف الادعاء الصهيوني بوقف التعذيب، كما أن ذلك يعني أن الأسرى في سجون الاحتلال مهددون والخطر يلف حياتهم بالإضافة إلى شهداء مع وقف التنفيذ هم الأسرى المرضى الذين يعانون الإهمال الطبي.
ويحذر البيتاوي من خطورة ما حدث مع الشهيد جرادات، حيث إن أكثر من 1000 أسير مريض في السجون ينتظرون الشهادة بسبب تلك الممارسات والسياسات العنصرية، فضلا عن أن مراكز التحقيق تعتبر نقاط موت في نظر الحقوقيين عقب تلك الجريمة.
ويروي البيتاوي ما حدث في تشرين أول من العام 2007 للأسير محمد الأشقر من صيدا في طولكرم الذي استشهد برصاص قوات خاصة إسرائيلية اقتحمت سجن النقب ونكلت بالأسرى وأصابت عددا منهم، ما يعني أن الاحتلال يرتكب المخالفات والجرائم بحق القانون الدولي ويقتل الأسرى الفلسطينيين بوسائل بشعة تبدأ من التحقيق ولا تنتهي بالإهمال الطبي وإطلاق النار.
وعلى وقع الأرقام التي يتم تداولها عن أسرى يقتلون ويختطفون وينكل بهم وتختفي آثار بعضهم في سجون سرية، يطالب حقوقيون بأن تكون هناك سياسة فلسطينية جديدة للتعامل مع ممارسات الاحتلال على الصعيد الداخلي من خلال التكاتف ولجم المحتل بالقوة والمقاومة، وعلى صعيد دولي يتطلب العمل من الجهات الرسمية والفصائل لا أن يكون ردة فعل، فيتوجب فتح باب التحقيق في التعذيب وملاحقة الاحتلال في كل المحافل.
يسدل الستار بعد تشييع جرادات على ملف التعذيب في السجون موقعا بدماء ما زالت زنزانته التي استشهد فيها شاهدة على القهر، غير أن أولئك المضربين عن الطعام والذين تدهورت حالتهم الصحية يضعون بين أيدي الجهات المختصة والمعنية سؤالا عن آلية التعامل مع استشهاد أحدهم خاصة وأن الموت ينتظرهم دون دماء.

