سار في خطة أمنية متكاملة.. يوسف عليه الصلاة والسلام: دروسٌ أمنيةٌ بليغة!

الثلاثاء 10 نوفمبر 2009

الإعلام الحربي – خاص:

 

إنّ قصة يوسف عليه السلام مثال واضح على حتمية الصراع بين الخير والشرّ، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال .. ولا يُحسَم هذا الصراع لصالح أبناء الحق والخير والهدى إلا بأمرين اثنين معاً:

 

1- الإيمان الصادق القوي بالله عز وجل، وبالدعوة التي يسيرون في ركابها.

2- اتخاذ كل الأسباب اللازمة الضرورية لمواجهة العدو والطغيان والشرّ.

 

إن السير في خطة حمايةٍ متكاملةٍ هو أحد الأسباب المهمة التي ينبغي الأخذ بها في كل مراحل الصراع، فمهما كان عدد المجاهدين في سبيل الله، ومهما كان عدد أفراد العدو، فإن (العمل الأمني) لا يمكن الاستغناء عنه أو تجاهله طالما أن الصراع موجود، وعلى أي وجهٍ من الوجوه كان!.. وهذا المفهوم الأمني يتجلى واضحاً في قصة سيدنا يوسف عليه السلام!

 

لقد رأى يوسف عليه السلام في المنام رؤياه المشهورة التي أدخلت القلق إلى نفس يعقوب –والده– عليه السلام:  (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف:4) .. ولأنّ يعقوب عليه السلام عرف تأويل هذه الرؤيا، فتوقع على الفور نتائجها فيما لو علم أبناؤه بها وبتأويلها، فهو أعلم بطبيعة أبنائه وسرائرهم، التي يتملكها الحسد والغيرة وقساوة القلب التي تجعل من هؤلاء الأبناء أعداءً ألدّاء ظالمين .. فماذا كان موقف الوالد يعقوب عليه السلام؟!.

 

لقد (حذّر) ابنه يوسف عليه السلام من أن يبوح بخبر الرؤيا لإخوته، أي وصّاه بحفظ السرّ، سرّ الرؤيا .. (والسرية) بمعنى عدم كشف أسرار الدعوة من أهم أساليب العمل الأمني، ومن أهم وسائل تحقيق (الأمن والحماية) لأبناء الدعوة!

 

(قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف:5) .. إنه الكيد .. سلاح الحاسدين الذين تعميهم نفوسهم الصغيرة عن إتباع الحق، والذين يتركون المجال واسعاً للشيطان -عدوّ الجميع- للتلاعب بهم، ولتأجيج نار العداوة والبغضاء بينهم .. ثم تأجيج نار الصراع!.. وبصيرة الوالد يعقوب عليه السلام تكشف الكيد، ويحاول تجنّبه وتجنيب ابنه يوسف عليه السلام شرّ الأشرار، وإن ما توقّعه - بنفاذ بصيرته، وبعلمه وحكمته وحنكته- لم يكن ضرباً في الفراغ .. فهاهم الأبناء الذين أعماهم الشرّ يأتمرون ويتآمرون:  

 

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) (يوسف:9)!ويأتي الأبناء للطلب من أبيهم إرسال يوسف عليه السلام معهم، ويدخل الصراع مرحلةً جديدة، ويحاول الأب أن يحميَ ابنه من الكيد والشرّ، لكن كيف؟!.. فهو والدهم كلهم، وهو لا يريد أن يبوحَ بحبه ليوسف عليه السلام، لأن ذلك سيؤجج نار الحسد في صدور أبنائه الآخرين، وسيقدم دليلاً جديداً ومبرراً آخر لهم ليستمروا في خطّهم الأرعن بالكيد!

 

لم يجد يعقوب عليه السلام إلا (التورية والتغطية) سبيلاً للتملص من طلب أبنائه:

(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) (يوسف:13) .. فقد خاف على ابنه الحبيب منهم، فكنّى عن ذلك بالذئب، كي يصرفهم عن طلبهم الخطير، وهو عالم بنيّاتهم ومكرهم، ومتوقّع لشرّهم بحق يوسف الحبيب!.. وكل ذلك كان بهدف (الحماية) و(تحقيق الأمن) لولده يوسف عليه السلام!

 

لكن لأمرٍ يريده الله، غُلِبَ الأب الحكيم على أمره، فكان لهم ما أرادوا .. فللباطل أيضاً أساليبه (الأمنية)!

 

وهاهم الأبناء بعد ارتكاب فعلتهم الشنيعة بإلقاء يوسف عليه السلام في غيابة الجبّ، يتصنّعون الحزن والبكاء:

 

(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) (يوسف:16).. ويختلقون قصة ضياعه المزعومة من بين أيديهم، ويبذلون جهدهم على أن تكون القصة محبوكةً بدهاء، ومقنعةً منطقية:

 

(قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف:17) .. ثم ماذا؟.. (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِب) (يوسف: من الآية 18) .. وهكذا استخدموا كل وسيلةٍ ممكنةٍ بأسلوب (التغطية) و(التعمية) لتبرير فعلتهم، وتحقيق مأربهم!.. فالباطل إذاً يملك من الأساليب الأمنية ما يستوجب مقابلتها بأساليب أشدّ دهاءً وذكاءً للتغلب عليه!..

 

ويمكّن الله عز وجل ليوسف عليه السلام في الأرض بعد سلسلةٍ من المحن المتلاحقة:

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56) .. وينصره ربّ العزّة، فيحكم يوسف عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله .