الاعلام الحربي- خاص
لم يكن غريباً أو مستبعداً أن تكون غزة العزة الحاضنة للمحرر أيمن الشراونة بعد خوضه إضراب أسطوري دام لنحو (260) يوماً، مسجلاً في إضرابه أروع صور الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال، فيما تستعد الضفة الغربية لاستقبال رئيس أكبر دولة عنصرية داعمة للاحتلال، كأن الضفة الغربية اليوم باتت محرمة على أبنائها الأبطال الذين يسطرون أروع صور الانتصار على العدو الصهيوني، أصبح لا مكان لهم فيها إلا مطأطئين الرأس للبحث فقط عن لقمة العيش، إلا سيكون مصيرهم السجن لدى بني جلدتهم أو لدى العدو الصهيوني وأحلاهما مر علقم، أو القبول بخيار الإبعاد إلى السجن الكبير "غزة" عاصمة الأحرار ..
إذن "غزة" العصيّة على كل المؤامرات التي تحاك ضدها ليل نهار لوأد مقاومتها وقتل إرادة أهلها الفولاذية .. يريدها الاحتلال وزبانيته أن تكون السجن الكبير لهؤلاء الأبطال، فكان أيمن الشراونة، ومن قبله هناء الشلبي، ومحرري "وفاء الأحرار"، وأبطال معركة "بيت لحم"، وغيرهم..، فيما يواصل الاحتلال سياسة الإبعاد بحق قادة المقاومة وعنوانها لتفريغ الضفة الغربية من هذه النماذج التي تشكل له كابوس يؤرقه في يقظته ومنامه، نجد من يلهث خلف سراب السلام المزعوم، ويتهيأ فرحاً لاستقبال الوجه الآخر للاحتلال الصهيوني ( أمريكا)..
"لماذا غزة..؟!" سؤال ربما يدور في ذهن الكثير منَّا، الحقيقة أن الجواب حاضر بقوة في عقل قادة الاحتلال الصهيوني، فغزة منذ أن وطأت أقدام الاحتلال ارض فلسطين، وتأسيسه كيانه المزعوم عام 1948م فوق أنقاض وأشلاء أصحاب الأرض، واجه معضلة غزة العصية على التطويع والاحتواء وغير قابلة للهضم, فظلّت كالخنجر المسوم في خاصرة كيانه رغم كل محاولاته التي باءت بالفشل الذريع..
وفي استعراض مقتضب لبعض تصريحات قادة الاحتلال، نجد أن غزة كان كابوس يؤرقهم في يقظتهم قبل منامهم، فاسحق شامير رئيس وزراء العدو السابق في خضم الانتفاضة الأولى قال" تمنى أن يستيقظ من نومه ولا يجد غزة على خارطة فلسطين"، فيما تمنى خلفه رئيس الوزراء الصهيوني اسحاق رابين، 1992م، " أن لو تغرق غزة في البحر".. "، في حين قال رئيس الوزراء الأسبق الذي يعيش في غيبوبة دائمة ارييل شارون في أغسطس 2005": " إن الانسحاب من قطاع غزة يفتح عهداً جديداً واعداً لكنه أيضا مليء بالمخاطر.و لا يمكننا التمسك بقطاع غزة إلى ما لا نهاية وأن الانسحاب هو الإجابة على الحقائق الموجودة حاليا على الأرض "، بينما قال " نتنياهو في 22 ديسمبر 2008" :" في حال انتخابنا أنا وليفي سوف ننهي حكم المقاومة بغزة ، وسوف نمنع قدرتهم على إطلاق الصواريخ ، وسنقطع أي اتصال اقتصادي عنهم ، وسوف نمنع عنهم الماء و الكهرباء"، بينما قال ايهود باراك الذي بات خارج الحلبة السياسية والعسكرية " المقاومة ... ستدفع ثمناً غالياً لإطلاق الصواريخ من غزة نحو الكيان، والأيام المقبلة ستثبت لمقاومة من الذي سيخضع " فجاءت معركة السماء الزرقاء لتقول كلمتها لكل هؤلاء .. فكان الانتصار المدوي الذي وقفت حياله المؤسسة العسكرية والسياسية الصهيونية مذهولة وبات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يبحث في قائمة حكومته عن كبش فداء يقدمه لمجتمعه الصهيوني المهزوم ليبرر خيبة جيش الذي لا يقهر، فوجد ضآلته في "ايهود باراك" الذي خرج مهزوماً منكسراً من الحلبة السياسية والعسكرية صاحب التاريخ الدموي الأسود بحق قادة المقاومة الفلسطينية ..
اليوم غزة البقعة الصغيرة الفقيرة من مواردها الطبيعية تحتضن ابنها أيمن الشراونة كم احتضنت من قبله قوافل اللاجئين في الثمانية والأربعون الذين هجروا عنوة من بيوتهم وقراهم إلى شتى بقاع الأرض، فكانت غزة الحاضن الأكبر لأبنائها، ولم تتوقف سياسة الاحتلال العنصرية بحق شعبنا بل واصل مشروع "الترانسفير" بحق كل أبطال المقاومة ورموزها، وهي لم يدخر جهداً من اجل تحقيق هذا .. لكن من العيّب ان يستمر صمت من هم من بني جلدتنا المطبق إزاء العنصرية الصهيونية بحق رموزنا .. فالضفة الغربية وكل فلسطين يجب أن تقول كلمتها لهذا العدو المتغطرس الذي يسعى ليل نهار إلى تفريغ عمقنا الفلسطيني من رموزه وقادته وأبطاله الذّين هم العنوان الذي يجب أن نحافظ عليه مهما كلفنا ذلك من ثمن يجب أن ندفعه دون تردد..
واختم بقصيدة لشاعر صالح عمر فروانة .. حين ينادي المجد رفاق الدرب.. تلبين يا عاصمة الفقراء وقاهرة الأعداء ومرفأ من حملوا منذ النكبة أمتعة ما اهترأت وعلى أرصفة العودة يا غزة وقفوا .. مل الدهر وما ملوا .. أو مل من الشوق عيون .....يا صاحبة الصون ولؤلؤة الكون ورمح لا يفتأ في صدر الغاصب يدمي .. فحمامة عشق ..إن سكنت وإذا ما انتفضت حطين ... قدرك أن تمتهني الصبر وأن تقفي في وجه هولاكو العصر ( أمريكا) شامخة عذراء حتى لو جعلوا من أقدس أقداسك ملهى غجريا دنس وولوغ في الطين.. يا بنت الفطرة والتاريخ الموغل في القدم يزول الكل وعلى أنقاض الكل ستبقين..
إذن ستبقين يا غزة العزة والكرامة عنوان الانتصار عنوان الصمود عنوان التحدي الاسم الكبير الذي يصعب نسيانه فأنت الرقم الصعب يا غزة العزة بمقاومتك بجحافل مجاهديكِ تصنعين الانتصار تلو الانتصار في زمن المهزومين من كل الأمصار والأقطار ..

