الإعلام الحربي - خاص
تستمر الملحمة الأسطورية التي يقودها الأسرى الأبطال فرسان هذا الشعب الفلسطيني المعطاء الذي خرّج منذ أن وطأت أقدام الاحتلال الغاصب ثرى أرض فلسطين المباركة أجيالاً من المجاهدين المدافعين عن حق شعبهم في العيش بحرية وكرامة .. فكان منهم الشهداء والجرحى والأسرى الذين مضى على اعتقال بعضهم ما يتجاوز النصف قرن متواصلة في زنازين القهر الصهيوني.
ويسطر الأسرى هذه الأيام و منذ ما يزيد عن العامين ونيف ملاحم بطولية فريدة في الصمود والتضحية قلما شهدتها السجون الصهيونية، والعالم قاطبة، وهم يخوضون معركة "الأمعاء الخاوية" ضد الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له كافة الأسرى في سجون الاحتلال.
ويتعرض الأسرى المضربون عن الطعام لأبشع صنوف التعذيب والابتزاز لثنيهم عن مواصلة معركتهم " معركة الأمعاء الخاوية"، فيما الأسرى يصرّون على مواصلة الطريق بعزيمة قوية ( لا ) تلين وإرادة صلبة ( لا ) لا تنكسر، متسلحين بإيمانهم بالله عز وجل، وثقتهم بتحقيق الانتصار، غير مبالين بكل الأصوات المهزومة التي رضيت لنفسها الذل والهوان..
ويعتبر المجاهد خضر عدنان أول من أشعل شرارة معركة الكرامة مجبراً العدو الصهيوني أمام صموده الأسطوري على وقف مسلسل الاعتقال الإداري بحقه، فجاءت هناء الشلبي على ذات الخطى والنهج لتسطر انتصاراً جديداً، ثم كان انتصار الكرامة للأسرى جميعاً، ثم جاء انتصار ثائر حلاحلة وبلال ذياب، ومحمود السرسك، وجعفر وطارق عز الدين، والريخاوي، وصولاً إلى انتصار أيمن الشراونة.. فيما لازال الأسير سامر العيساوي ويونس الحروب وغيرهم من الأسرى يقودون المعركة رافضين كل الإغراءات الصهيونية بالإبعاد عن وطنهم إلى أوروبا، وتارة أخرى التهديد بالسجن لسنوات طويلة حال واصلوا إضرابهم المفتوح ..
إن ما يفسر هذه الإرادة الفولاذية التي تتقد شعلتها في نفوس هؤلاء الأحرار هو يقينهم الثابت وإيمانهم العميق بأن أرواحهم وأجسادهم رهن لحرية شعبهم حتى وإن اكتست مطالبهم الطابع الشخصي بإصرارهم علي انتزاع حريتهم وعودتهم مكللين بالنصر إلي أهلهم وأحبتهم مهما كلفهم الأمر من تضحيات، فجوعهم طلباً لحريتهم وبحثا عن كرامتهم هو تعبير صارخ عن حاجة كل فلسطيني إلى الحرية بمعناها الحقيقي المتمثل في استرداد كينونته واستعادة حقوقه السليبة كاملة غير منقوصة.
بإقدامهم على خطوة الإضراب المفتوح عن الطعام منذ 17 نيسان الماضي، يبرهن الأسرى الفلسطينيون، مرة أخرى، على أن صفحتهم، ستظل بعد صفحة الشهداء، هي الصفحة الأكثر إشراقاً في سجل النضال الوطني الفلسطيني الطويل والمرير مع هذا العدو الصهيوني المتغطرس.
لقد خاض الشعب الفلسطيني عبر مراحل تاريخه المعاصر صولات وجولات مع الاحتلال الصهيوني مقدماً مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى ولقد تحدثت مراكز الإحصاء المتخصصة عن اعتقال أكثر من 800 ألف فلسطيني منذ عام 67 وحتى عام 2012 م، أي ما يعادل 20% من الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة تعرضوا للاعتقال .
الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن أذهاننا للحظة، أن معاناة الأسرى لا تقتصر على الأسرى المضربين فحسب، بل إن معاناة الأسرى وحكاية عذاباتهم خلف الجدران الأسمنتية المسلحة لسجون الاحتلال تمتد ويطول شرحها، فقائمة الشهداء الاسرى التي بدأت باستشهاد أبطال مخيم النصيرات الثلاث أحمد النويري، خليل وغازي صيام الذين اعتقلوا عام 1967، وثم يوسف الجبالي الذي سقط شهيدا في سجن نابلس عام 1968، ثم كان استشهاد إبراهيم الراعي "أبو المنتصر" في أقبية التحقيق في عام 1988، ليتوج العام الجاري 2013 بشهيدين جديدين عرفات جرادات وميسرة أبو حمدية.
مائتان وأربعة أسير فلسطيني استشهدوا منذ العام 1967 م، ولغاية الآن جراء التعذيب والإهمال الطبي في مراكز تحقيق الاحتلال وزنازينه وسجونه. والقائمة لم تنتهي ومستمرة باستمرار الاحتلال ووجوده، فهناك في مستشفيات سجون الاحتلال يقبع مئات الأسرى المرضى الذين يعانون أمراض خطيرة ويعانون الإهمال الطبي المتعمد من قبل سجانيهم ينتظرون الموت بأي لحظة، إلا أن الانتهاكات الصهيونية الخطيرة لم تتوقف عند هذا الحد، بل اتخذت أشكالاً وصور أخرى لعلها أخطرها سياسة العزل بحق الأسرى أي "الموت البطيء "، حيث يتعذب الأسير في كل لحظة ودقيقة ويموت ألف مرة في اليوم جراء هذه السياسة القاتلة،ومن ينجو من الموت البطيء بالعزل،من الاستحالة أن لا يعاني من آثار دائمة وطويلة لسياسة العزل تلك،أمراض مزمنة وانطواء وعاهات مستديمة وأمراض نفسية،بل هذه السياسة دفعت بالعديد من الأسرى نحو المصحات والأمراض العقلية والنفسية.
إن الاحتلال الصهيوني يمارس بكل صلف وغرور جرائم الإرهاب المنظم ضد أسرانا البواسل في سياق ما اقترفته وتقترفه من جرائم إبادةً ضد عامة الشعب الفلسطيني في إطار الصراع الوجودي الذي يجيز وفقا لقناعات هذا الكيان المارق اللجوء إلي كل ما يتوفر لديه من وسائل القتل والإرهاب والتدمير ظناً منه بأن من شأن هذه الأساليب أن توفر الحماية لأمنه وتضمن استقراره، حيث يعمد هذا الكيان إلي تجاهل وتناسي ما جسدته وقائع التاريخ من دروس وعظات أكدت علي حتمية زوال كافة الإمبراطوريات والديكتاتوريات ووصفت بإسهاب طبيعة النهايات المدمرة التي ألمت بالأنظمة الاستبدادية الظالمة التي أوغلت في ارتكاب الفظائع ضد الإنسانية وشوهت معالمها .
وبكل تأكيد فإن شعبنا الفلسطيني المعطاء على قدر كبير من الوعي والإدراك لما كرسته عجلة التاريخ من مفاهيم وقيم مغايرة لما يؤمن به هذا الاحتلال الغاشم، فشعبنا علي يقين كامل بأن الزمن هو المتغير الأهم والأقوى في معادلة الصراع مهما تعاظمت قوة الاحتلال واشتد بطشه وعدوانه، وأن إيمانه المطلق بعدالة قضيته سيشكل الدافع الأكبر لحثه علي مضاعفة عطائه ودفعه إلي بذل ما أمكنه من تضحيات حتى يتحقق له النصر والتمكين، وهذا بالضبط ما تنطبق تجلياته على هذا الصمود الأسطوري الذي يتحلى به أسرانا المضربين عن الطعام لفترات تجاوزت في طولها حدود المنطق والمعقول، ومثلت هذه المعاني السامية والقيم النضالية الجامعة السر وراء بقاء جذوة الأمل متقدة في نفوسهم، فتجدهم على استعداد كامل للتضحية بأرواحهم لقاء حريتهم فكان شعارهم دائما إما عيشاً حراً كريماً فوق الأرض وإما موتاً مشرفاً في باطنها، فلا يلتفتون إلي ما يحمله هذا الخيار من مخاطر حقيقية قد تلقي بهم إلى حتفهم، فمن اتخذ قرارا بمواجهة الظلم والاستبداد لا يأبه بخطورة العواقب ومن وهبوا أرواحهم رهناً لحريتهم وحرية شعبهم لا تضيرهم ماهية الخواتيم.

