وخذوا حذركم .. بقلم: محمد شُراب

الثلاثاء 17 نوفمبر 2009

خرج الصهاينة من حربهم على غزة بخفي حنين دون أن يحققوا شيئا من أهدافهم المعلنة على الرغم من تدني سقفها تدريجياً من اليوم الأول حتى آخر لحظة .. فالجندي الأسير ما يزال في قبضة المقاومة وكل يوم يمر على بقائه في غزة بمثابة صفعة قوية للمؤسسة العسكرية الصهيونية بكافة تشكيلاتها.. والصواريخ التي عزموا على تدميرها في الحرب، استمرت تُطلق حتى بعد أن أعلنوا الهدنة من جانب واحد!.. وكذلك فصائل المقاومة لم تنهر أو تُدمر بنيتها العسكرية كما كانوا يأملون من حربهم، بل إن تقاريرهم تتحدث عن تعاظم القدرة العسكرية للمقاومة وزيادة نفوذها وشعبيتها وحضورها السياسي محلياً وإقليمياً ودولياً.

 

نعم .. خسر الصهاينة حربهم سواء اعترفوا بذلك أو لم يعترفوا.. وخرجوا من هذه الحرب بسمعة مشوهة ودعاية سيئة ستكلف إمبراطورتيهم الإعلامية مليارات الدولارات لمحوها من ذاكرة الناس.

 

لكن هذه الخسارة ليست آخر المطاف بالنسبة لكيان لا يمكنه العيش بلا حروب وعدوان، ودون أن يوهم الجميع بأنه محاط بالخطر من قبل أشرار لا يؤمنون بالديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان!

 

وبعيداً عن ادعاءات الصهاينة وكذبهم وافترائهم، هناك حقيقة واضحة وضوح الشمس لا يمكن تجاهلها أو العمل دون أن تؤخذ في الحسبان، وهي أن المقاومة تشكل خطراً بالفعل على هذا الكيان، والصهاينة -على الرغم من تهويلهم المعتاد- يدركون هذه الحقيقية جيداً ويحسبون لها ألف حساب ويعملون سياسياً وعسكرياً بناء عليها.. ولذلك سيكون من العبث وعدم تقدير الأمور، لو تخيلنا للحظة واحدة بأن الحرب الأخيرة هي آخر سهم في كنانة العدو، وأن المفاوضات الغير مباشرة معه حول ملف الأسرى ستمنعه من ارتكاب حماقة مشابهة لما أقدم عليه قبل عام عندما صب رصاصه على رؤوس أطفال غزة .

 

نعم أنا مقتنع تماماً بأن الصهاينة لن يكرروا سيناريو الحرب الأخيرة لأن في ذلك تكرارا للخسارة والحسرة، ولكنهم بدورهم استطاعوا استخلاص العبر وحققوا شيئا مهما من خلال حربهم على غزة.. هذا الشيء هو اعتياد العالم بما فيه من أصدقاء وأعداء ولا مبالين على رؤية أعداد كبيرة من الفلسطينيين مضرجين في دمائهم بين قتيل وجريح!.. حتى أصبح واقع لسان حال العالم كله مع الفلسطينيين: (إن كنتم لا تريدون أن يحدث فيكم هذا، فكل ما عليكم فعله هو أن تتوقفوا عن إطلاق الصواريخ وتهريب السلاح) .. ولأن الصهاينة أمهر من اصطاد في الماء العكر، فهم يقرؤون هذا الواقع جيدا ويغذونه بحديثهم عن تجارب الصواريخ طويلة المدى! وحملات تهريب السلاح التي وصلت إلى شحنات كبيرة تُشحن بالسفن العملاقة، إضافة إلى الدعايات التي يطلقونها عن الأنفاق التي يمر منها قطارات محملة بكل أنواع الأسلحة بعد أن تشتريها المقاومة من مجمعات السوبر ماركت في مصر!!

 

قد يقول قائل: لم تقدم شيئاً جديدا وأن كل ما قلته معروف عن الصهاينة .. نعم هو من ناحية معروف فهو معروف حقاً، ولكن هذه المعرفة تلزمنا بعمل أشياء والامتناع عن فعل أمور اعتدنا فعلها قديما.. أما فيما يجب عمله فهو مواجهة هذا الواقع وتغييره لنعيد إلى الأذهان بأننا ندافع أنفسنا أمام عدوان مستمر،ونحاول استرداد ما سُلب منا .. يعني ببساطة نبين للعالم بأننا الجهة المظلومة المُعتدى عليها ولسنا المعتدين الظالمين .. وهذا يتطلب التحرك على أكثر من صعيد وتقديم إضافات في الخطاب الفلسطيني، من الأفضل أن تحل محل لغة التهديد والوعيد والانتقام .. لن أفصل كثيراً حول هذا الموضوع وانتقل لما هو أهم، وهو الامتناع عن فعل أمور اعتدنا عليها في السابق.

 

ركزوا قليلا يا سادة فيما سيلي .. تعودنا منذ فترة على استعراض قوتنا العسكرية أمام وسائل الإعلام لدرجة اختلط فيها الفهم لدى من يشاهد هذه الاستعراضات وأصبح لا يدري إن كان ما يشاهده استعراضا لقوة المقاومة الشعبية، أم استعراض لقوة جيش نظامي! .. من المفيد القول بأن غالبية فصائل المقاومة توقفت عن هذه الاستعراضات بعد الحرب الأخيرة لما فيها من مضرة أمنية وخلل يهتك ستار السرية الذي هو أهم عوامل قوة المقاومة .. وجدير بالذكر الإشارة بأن المقاومة اهتمت إلى حد ما بأن لا يجتمع قادتها في مكان واحد بشكل علني وإن كان هذا الاهتمام قد خف في الآونة الأخيرة في ظل غياب تدني مستوى الحذر .

 

أما أهم شيء يجب إيقافه وإيجاد آلية أخرى بديلا عنه، هو مهرجانات ذكرى الانطلاقة وخاصة المهرجانات المركزية .. فمن المعروف بأن المهرجانات المركزية يتجمع فيها كل قيادات الفصيل المقاوم على اختلاف درجاتها، وهذا عندما كان يحدث في السابق، كان منطقيا بعض الشيء بسبب واقع معين وظروف مختلفة عن ظروفنا هذه الأيام.. أما اليوم فالواقع تغير كثيرا بعد الحرب، وهناك ظروف مختلفة تمنع قيام هذا التجمع من باب الحرص والحذر.. فالعالم وإن لم يتقبل مهاجمة الصهاينة للمؤسسات الدولية في قطاع غزة أثناء الحرب، وإن لم يستسغ هدم البيوت على المدنيين والمدارس على طلابها، ولكنه تقبل وتفهم وربما أيد الصهاينة عندما هاجموا مقار الشرطة ومنازل القادة حتى لو كلف ذلك تدمير أحياء سكنية كاملة وهذا أصبح واقعا قائماً.. كذلك وجود حكومة يمينية متطرفة في الكيان الصهيوني، يمنح العالم مبرر قبول ما هو أشد وأكثر عدوانية تجاه الفلسطينيين الذين يهددون أمن الكيان بالصواريخ وتهريب السلاح!.. هذه الظروف ومؤشرات أخرى لا يسع المجال لذكرها والتي منها على سبيل المثال تمثيلية توقف المفاوضات ومزاعم استقالة عباس والتغيير الطارئ على ليونة خطاب التيار المعادي للمقاومة، على الرغم من ارتفاع مستوى التنسيق الأمني وازدهاره.. كل هذا يُشير بأن أمرا ما يتم تدبيره للمقاومة خاصة في غزة.

 

فإن كان الأمر كذلك وهو واضح وضوح الشمس، فلم لا نكون أكثر حذرا ونغير بعض الشيء في أمور اعتدنا عليها من قبل، ودخلت بسبب المتغيرات في حكم الخرق الأمني بعد تجاوز الاحتلال لكل الخطوط الحمراء في حربه على غزة ومنها الاحتفالات المركزية بذكرى الانطلاقة.. وهذا ليس جبناً أو هروباً كما يتصوره البعض ، بل هو احتياط واجب وحذر مطلوب، وهو نفس الحذر الذي يجعل المقاوم يأخذ كل الأسباب من أجل تصعيب الأمر على الاحتلال الذي يسعى لاستهدافه، فاللثام والتمويه والاختفاء وما شابه، كلها من عوامل الحذر والاحتياطات السرية التي تساعد في استمرار المقاومة وطول عمرها، خاصة عندما تكون مقاومة شعبية بطابع مدني كما هو حالنا أمام قوة عسكرية هائلة اعتاد العالم على رؤيتها وهي تُستخدم ضدنا .