في أرض المعراج.. حكاية وطن مداده "روح" ومفتاحه "بندقية"

السبت 18 مايو 2013

الاعلام الحربي – وكالات

 

في يوم مشمس ارتفعت فيه رطوبة الجو في غزة، اصطحب الجد " أبو عودة" حفيدته "بيسان" إلى شاطئ البحر قبالة منزل العائلة، وهناك.. أخذ يد "بيسان" وسارا حافيي القدمين يداعبان رمال الشاطئ، متمتعين بمنظر الغروب.. الشمس تقترب من أعلى البحر شيئا فشيئاً.. تكاد تسقط فيه.. ولونها أخذ يزداد حمرة..

 

بيسان: انظر جدي ما أجمله من منظر؟!

 

الجد: آه لو تعلمين كم هو جميل مشهد الغروب هذا في يافا؟!

 

بيسان: أخبرني عنه يا جدي؟؟

 

الجد: هو جمال لا يضاهيه جمال، شمس وبحر وفيافٍ وجبال، حب ووئام وسلام وابتهال، هو السكينة والرضا بغير مآل، هو وطن خطفه منَا (سلّال).

 

بيسان: يقولون إنها أرض ميعادهم يا جدي ألم يكن نبي الله داود يسكنها حيث وحد القبائل وأسس مملكة عاصمتها القدس، خلَفه فيها ابنه سيدنا سليمان عليه السلام.

 

الجد: صحيح كلامك يا مريم، ولكن جذورنا ترجع إلى بني كنعان، الذين حضروا من شبه الجزيرة العربية واستوطنوا فلسطين وجعلوا منها مساكن لهم قبل أن تطأها أرض إنسان.. ولا تنسي يا مريم أن سيدنا موسى عندما غضب من قومه (بني إسرائيل) لعبادتهم العجل حطم الألواح، وما يتبادلونه الآن هو كلام بشر قدسوه وادعوه على الله وليس كلام الله تعالى كما في قرآننا الذي تكفل الله بحفظه مصداقاً لقوله تعالى:" إنا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون".

 

بيسان: إذن كيف قام كيانهم ألم تكن هذه الأرض كنعانية فلسطينية بأغلبية إسلامية؟

 

الجد: دخل الإسلام إلى فلسطين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حيث فتح القدس ومنح أهلها ما يعرف باسم العهدة العمرية وهي العهدة الفريدة من نوعها تاريخيًا حيث منح الأمان لسكانها في حياتهم وعبادتهم وممتلكاتهم، لا سيما المسيحيون منهم.

 

ومن ثم توالى الحكم الإسلامي عليها بين الأمويين ثم العباسيين وبعد ذلك تعرضت لحملات عز الفرنجة وحرر القائد المسلم صلاح الدين إلى أن احتلها الماغول وحررها منهم المماليك.

 

وفي عهد المماليك الذين حرروا القدس من الحاكم المنغولي هولاكو حفيد جانكيز خان، الذي أثار الهلع والرعب في كل مكان وطأته جيوشه، وأشعل نيران حقده وأقام المجازر بحق البشرية في كل مكان وصلوه.

 

بيسان: أَهُم من أعطى اليهود وعد بلفور؟

 

الجد: لا يا بيسان ليس الآن، فالدولة العثمانية امتد نفوذها ليشمل جنوب بلاد الشام، حيث هزمت المماليك، وسكن الحاكم العثماني في القدس، وفي هذه الفترة بدأ يطفو على السطح نفور أوروبي من اليهود خاصة في أوروبا الشرقية، أتعرفين أي دولة تقع شرقي أوروبا؟

 

بيسان: تركيا

 

الجد: جوابك نصف صحيح يا بيسان، فالدولة التركية تقع بين قارتين، جزء منها في أوروبا والآخر في قارة آسيا، وخير شاهد على ذلك مدينتها التجارية اسطنبول التي هي مدينة نصفها أوروبي والنصف الآخر آسيوي.

 

بيسان: إذن ما تلك الدولة..؟

 

الجد: إنها روسيا يا بيسان والتي كان يطلق عليها اسم ( الاتحاد السوفيتي أي اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية).

 

بيسان: هي من أعطتهم وعد بلفور إذن.

 

الجد: لا يا بيسان بل كانت أحد الأسباب المؤدية إليه وإليك القصة.

 

خلال أعوام 1914 و1918، قامت الحرب العالمية الأولى وهي الحرب التي نشبت بين القوى الأوروبية وكان من نتائجها هزيمة الدولة العثمانية وتقسيم القوى العظمى فرنسا وبريطانيا لمنطقة الشرق الأوسط، فقام الانتداب البريطاني على فلسطين، وهو من وعد اليهود بدولة على أرضنا الحبيبة.

 

بيسان: كيف لمحتل أن يمنح ما لا يملك من أرض يا جدي.

 

الجد: إنها الدول والقوى العظمى يا بيسان، ولأجل هذا الوعد انعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس في كانون الثاني 1919 برئاسة عارف الدجاني، ليرفض هذا الوعد، وبعض ما كان يطمئن أن الأوراق الرسمية كانت رغم الانتداب توقع باسم دولة فلسطين وحتى جواز السفر كذلك.

 

وفي العام التالي بعد المؤتمر الفلسطيني قامت اشتباكات عنيفة بيننا نحن أصحاب الأرض وبين اليهود فكانت ثورة القدس عام 1920، والثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1933-1936 حيث أُعلن العصيان المدني ووقف جميع مظاهر الحياة حتى المواصلات العامة.

 

بيسان: إذن لماذا هزمكم اليهود يا جدي؟!

 

الجد: هؤلاء ليسوا يهوداً يا بيسان بل هم حركة صهيونية أمعنت عصاباتها قتلا في شعبنا الأعزل قبيل إعلانهم قيام كيانهم الزائل بإذن الله.. أما الهزيمة فكان لها أسباب عدة، منها أبرزها الغدر والخيانة، وفظاعة المجازر التي ارتكبتها تلك العصابات في القرى الفلسطينية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.. هؤلاء دمروا 500 قرية فلسطينية وشردوا 750 ألف نسمة فلسطينية، ودمورا المدن وجيروا أسماءها وصنعوا لأنفسهم تاريخاً هو لنا، زوروه ليصبح لهم والعالم يرى ويسمع ولا يتكلم..

 

بيسان: أين العرب عنكم يا جدي؟.

 

الجد: لا تنكئي الجراح يا بيسان.. بريطانيا سلمت الحركة الصهيونية المدن الفلسطينية الباقية، دون قتال ودون إعلان رسمي، حيث أعلنت الحركة قيام كيانها على أرضنا في مايو 1948، وبعد 10 دقائق اعترفت فيها الولايات المتحدة الأمريكية.. وأصبح الصراع بين كيان حديث وجيوش عربية ما بيدها حيلة، طلب من السكان الإخلاء لساعات فخرجوا خاليي الوفاض ولم يعودوا حتى اللحظة، ناهيك عن صفقات السلاح المعطوب وغيرها يا بيسان.

 

بيسان: أرى أنكم استسلمتم للأمر الواقع يا جدي.

 

الجد: لا يا بيسان، حملنا معنا الفكر المقاوم والهوية، حملنا المفتاح و(الشبرية)، ولكن ماذا تفعل السكين أمام البندقية؟، وماذا يفعل شعب مزارع مسالم أمام حقد عصبة لم تجد لها بلداً سوى أرض وعدهم بها البريطانيون وذكرتها كتبهم المحرَّفة.

 

بيسان: والآن نحن في شبر من وطن ممتد لا نرى منه سوى محطة غاز المجدل.. أليست تلك يا جدي؟!

 

الجد: بل لنا وطن يا بيسان حدوده الروح ومكانه القلب وأنهاره دماء في العروق، فهل لهم أن يحتلوها يا بيسان؟!

 

بيسان: بالطبع لا يا جدي.

 

الجد: هل تعرفين لماذا أسميناك بيسان؟

 

ضحكت بيسان وقالت: اسمي هو اسم لمدينة من أقدم مدن فلسطين التاريخية.

 

الجد: أحسنت لكن ليس هذا سبب التسمية..

 

بيسان: إذن؟؟!

 

ابتسم الجد وقال: لأنها جزء من وطن مسلوب نحتفظ به ليذكرنا دومًا بالعودة كما والدك أسميته "عودة" حتى إذا مت قبل أن أعود إلى وطني، عاد هو ليقبل أرض جدي ويثلج صدره برائحة زهر الليمون في حديقة منزلنا.

 

العودة حق يا بيسان لا تنازل عنه ولا تفريط ولا تعويض ولا تبادل، وهذه الحياة في المخيم ستبقى الشاهد والدافع واسمكِ أيضا يا وطني الصغير..