الاعلام الحربي – وكالات
في العاصمة الأرجنتينية "بوينوس آيرس"، مارس اللوبي الصهيوني ضغوطه بكل ما أوتي من قوةٍ؛ لإلغاء "محاكمةٍ أخلاقيّة" للكيان الصهيوني، كانت مقررة في 30 أكتوبر/ تشرين أول من العام الماضي، فينجح في تأجيلها لمدة عام تقريباً، قبل أن يُجريها النشطاء، مؤخراً، في خطوةٍ انقلب معها السحر على الساحر، حين أتاح هذا التأجيل الفرصة لآخرين من دول إقليمية بالمشاركة.
المحاكمة كانت "حدثاً مشهوداً"، شارك فيه حقوقيون منهم رئيس الرابطة الأمريكية للقضاة، وصحفيون، ونواب، ووزراء خارجية سابقون؛ من البرازيل، وتشيلي، والأوروغواي، وفنزويلا، برعاية مؤسسات حقوقية، ملّت من عدم خضوع الكيان الصهيوني للقرارات الدولية، في حين مّرت بجميع مراحل المحاكمةِ الفعليّة، انتهاءً بإصدار حكم يُدين الاحتلال.
ويبدو أنّ تلك المحاكمات، التي تأتي في سياق حقوقي، وإن كانت رمزيّة، تهدف إلى محاربة "الاحتلال كفكرة عنصرية"، يريد النشطاء أن يوصلوا من خلالها رسالة مهمة:" مشكلتنا ليست مع اليهود بل مع الاحتلال"؛ لذا يرى فيها الباحث في الشؤون السياسية والقانونية عماد صلاح الدين، "حراكاً على المستوى الفكري والقيمي والأخلاقي".
ويقول صلاح الدين:" هذا يعتبر مقاومة للاحتلال من الناحية القيمية والحقوقية، كون المحاكمات تكشف مدى عنصرية الفكرة الصهيونية، ومنظومتها السياسية والعسكرية"، مضيفاً أنها "تُكرّس في الرأي العام العالمي أن هناك نظاماً صهيونياً عنصرياً لا يقوم على الديمقراطية المزعومة".
وبهذا المعنى، ستصبح "الإمبريالية الأمريكية وارتباطها بالمشروع الصهيوني عبئاً على الإنسانية"، شيئاً فشيئاً، لاسيما أن بعض النشطاء الذين شهدوا في المُحاكمة على جرائم الاحتلال هم ممن حضروا إلى فلسطين وهو الأمر الذي يؤثر في الرأي العام، وفقاً لصلاح.
لكن هل تجدُ المحاكمة لها صدىً رسمياً؟ هذا السؤال يجيب الباحث القانوني عنه كالتالي:" لازلنا في مرحلة العمل على الجانب القيمي الأخلاقي، لتحسين اتجاهات الرأي العام العالمي إزاء الاحتلال"، مستدركاً أن محكمة العدل الدولية حين أصدرت قراراً يُجرّم جدار الفصل الذي يبنيه الكيان الصهيوني على أراضي الضفة المحتلة، سنة 2004، كان استشارياً وغير ملزم.
وبناءً عليه؛ يتابع صلاح الدين:" كل هذه التحركات الحقوقية رمزية، تساهم في تحسين الوعي على المستوى المحلي، والإقليمي والدولي، لكن القانون له صفة الإلزام، بمعنى أنه إذا ما تم إصدار قرار لابد من تنفيذه".
ويتعلّق بهذا، أن التحركات الحقوقية تلك، هي مدنية لها أسس أخلاقية وثقافية، وترتبط بمشاهدة واقعية لممارسات الاحتلال في فلسطين، وثّقها النشطاء الذين زاروا الضفة المحتلة، أو القطاع، من خلال قوافل الإغاثة، وكل ذلك يسهم في تكوين الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية، يقول صلاح.
أما سعي اللوبي الصهيوني "الدؤوب" لإلغاء المحاكمة، فيشير الباحث في الشؤون القانونية هنا، إلى أن الكيان الصهيوني له أذرع مرتبطة بالنظام القائم في الأرجنتين، وجماعات ضغط، لتخوفه من هكذا فعاليات، تؤثر عليها أمام المجتمع الدولي الذي تعتبر نفسها عضواً فيه، و جزءاً منه.
ومع ذلك، فالاحتلال كان حريصاً على الحضور في تلك المحاكمة- والقول لا يزال لصلاح الدين- لأنه يسعى إلى الدفاع عن نفسه، ودحض فكرة المقاومة، من خلال ممثله، الذي أدى دور الدفاع عنه، في المحاكمة، قبل أن يبوء ذلك بالفشل، بحكم يُدين جرائمه وممارساته.
ويكملُ:" الخطوة التالية لما بعد المحاكمة، أنه لابد من النظر إلى المستقبل، وهناك شرفاء في العالم يعملون من أجل توجيه الرأي العام العالمي لمناهضة الصهيونية، عبر نشاطاتٍ حقوقية، وغيرها، بهدف تعديل موازين القوى لصالح القضية الفلسطينية، وهذا أمر قابل للتحقق".
ثم يضيف أن ذلك التغير في موازين القوى، يحدث مع تواصل الجهد بمعانيه المقاوِمة، للاحتلال، والاصطدام بين الكيان الصهيوني والعالم، وهذا يتطلب نهوضاً للدور العربي والإسلامي، كداعمٍ لتلك الجهود.
"توكيل جهات قانونيّة"
ومن هنا، يقول أستاذ العلوم السياسية د.إبراهيم جابر:" إن المحاكمة تهدف لمناصرة الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من الأرجنتين التي وافقت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على منح فلسطين صفة مراقب غير عضو في 30 نوفمبر الماضي".
كما يصبُّ هذا التحرك الحقوقي لمحاكمة الكيان أخلاقياً، في جانب تعرية الأخيرة أمام الرأي العام العالمي، وفضح جرائمه بحق الفلسطينيين، وهو ما يرى فيه جابر "سهماً من سهام الشعب الفلسطيني في خاصرة الاحتلال والداعمين له".
وبما أنّ رموزاً قانونية وقضائية شاركت في المحاكمة تلك، فهذا يزيدها أهمية، لذا من غير المستبعد أن يواصل اللوبي الصهيوني، ضغوطه ضد النشطاء، كما حدث حين صدر تقرير القاضي "ريتشارد غولدستون" الذي عيّنته الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في الحرب التي شنها الاحتلال ضد القطاع أواخر 2008، وفقاً لإبراهيم.
ويتابع:" إنّ اللوبي الصهيوني متغلغل في الدول الغربية، ومسيطرٌ على الإعلام هناك، بمعنى أنه اشترى ذمم بعض القادة الغربيين، لمواجهة التغلغل الفلسطيني، بالذات في القارة الأمريكية، كون الحرب ليست مُسلّحة فحسب، بل إعلامية وقانونية ودعائية أيضاً".
لكنّه يضيف بذات الوقت أن محاكمة الاحتلال "أخلاقياً" لها ثمار، ليس بالضرورة أن يحصدها الفلسطينيون والمتعاطفون معهم، بشكل مباشر؛ كون "هذه القضية تراكمية وتؤدي حتماً إلى الضغط على الرأي العام العالمي".
ويتمم حديثه، عن "الخطوة التالية" التي يجب اتخاذها قائلاً:" لا أرى أن السلطة في رام الله لديها النية لفتح ملفات جرائم الاحتلال في المحاكم الجنائية والقانونية؛ لذلك ربما يكون من المُجدي أن يعمل قطاع غزة على توكيل بعض الجهات القانونية العالمية نيابة عن الشعب الفلسطيني لفتح تلك الملفات، ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين".

