الأسير زعل..لأن الحق يطلب رجالًا..استلَ سكينه وبدأ معركته

الأربعاء 29 مايو 2013

الإعلام الحربي –  وكالات

 

لم يكن خروج الأسير المحرر سلام زعل من أسره الذي استمرَ لثلاثة سنوات بداية جديدة، فهو فور انقضاء مدة اعتقاله قرر أن لا يصمت على الظلم، فإن أدخله حجرٌ السجن في المرة الأولى، ستكون السبب الثاني أكثرَ قوة.

 

في صباح اليوم الأخير من شهر إبريل خرجَ سلام مغادرا ضاحيته "الشويكة" في طولكرم إلى نابلس، خرجَ حاقدا على الاحتلال الصهيوني والمستوطنين الذين يتفننون بإيذاء الفلسطينيين بعلم ودراية جنود الاحتلال دونَ ان تحركَ الأخيرة ساكنا.

 

وصلَ سلام حاجز زعترة جنوب نابلس وقد تملكته مشاعر الغضب من تصرفات المستوطنين، فما وجدَ نفسه إلا أن استلَ سكينًا وطعنَ مستوطنًا صهيونياً في موقف للحافلات، واستولى على سلاحه وصوبه تجاه جنود الاحتلال الصهاينة، وقبلَ أن يصيبَ أحدا منهم كان قد تلقى ثلاث طلقات اثنتان في بطنه وواحدة في قدمه.

 

سلام.. يرفض الظلم

عائلته التي كانت تتوقع عودته فاجأها خبر العملية التي نفذها "مجهول" وفق ما تناقلت وسائل الإعلام في الساعات الأولى من الحادث، وبعدَ معرفتها بأن سلام، ابنها، نفذَ العملية بنفسه رفعتَ رأسها شموخًا وعزة وفخارًا.

 

الشقيق الأكبر لسلام، علي الزعل تناول أهم المراحل التي عاشها شقيقه حتى اعتقاله مرة ثانية بتهمة قتل مستوطن، وتفاصيل حياة "سلام" تابعها عزيزي القارئ تباعا.

 

قال علي :" سلام شاب هادئ، إلا أنه من السهل استفزازه، فطبيعته لا تتحمل أي خطأ ويحاول تصحيحه حتى لو كان ذلك على حسابه الشخصي، وكان يشتهر بين أقرانه بسرعة استجابته للنداءات للدفاع عن شخص ما إذا تعرض لمشكلة"، وأضاف: "الانتفاضة الأولى كانت بداية العلاقة بين سلام والحجارة".

 

اسمه لم يكن يحتمل الحرب وتبعاتها، إلا أن الظروف التي كان يعيشها في ظل الممارسات الصهيونية المهينة بحقه وبحق عائلته وجيرانه وأقاربه والتغطية المستمرة من قبل الجيش على انتهاكات المستوطنين لحقوق المدنيين الفلسطينيين حوله من شخص هادئ إلى شاب ثائر لا يرى جيبًا صهيونياً دونَ أن يلقي عليه الحجارة.

 

تعذيب وإهانة

قبلَ ثلاث سنوات ونصف اعتقلَ سلام بتهمة إلقائه الحجارة على الجنود الصهاينة وكان في ذلك الوقت في السابعة عشرة من عمره، تركَ حلمه بأن يكون شخصًا ذا شأن وصار أسيرًا..

 

تابع شقيقه علي:" سلام شخص طموح، هادئ ورزين ولم نتوقع أبدا أن يكون مصيره الاعتقال، فهو لا ينتمي لأي فصيل وكل ما كان يفعله كطفل أنه كان يرشق الجنود بالحجارة على من اغتصبَ أرضه وصادر حريته".

 

سنوات الاعتقال الثلاث التي قضاها سلام في السجون الصهيونية كانت وقعها شديد عليه، فكيفَ يمكن لشخص يثيره الظلم أن يصبر على سجان صنعته ذلك!!.. لذا كان يحتجُ بيده على أي سجان يوقع الظلم عليه أو على زملائه في الزنزانة، وفق شقيقه.

 

أضاف علي:" كان يلقب بالسجين الخطير لأنه لا يتوانى عن ضرب من يؤذيه من السجانين، وقضى فترات طويلة من اعتقاله في السجن الانفرادي وتعرض للضرب والشبح والإهانة مما زاد استفزازه وأثار غضبه على الكيان الإسرائيلي أكثر".

 

سلام الذي كان يشتاق لزيارة والدته ووالده المريضين كثيرا، كان يرفض أن يرياه وعلامات الضرب بادية على وجهه ويديه لذا إن طُلب للقائهم رفضَ حتى يقنعه أشقاؤه، حتى أوقعَ الوالدين المرض فلم يعودا يستطيعان تحمل مشاق زيارته.

 

"والدتي مصابة بجلطة، ووالدي لديه مشكلة في الأعصاب فلا يستطيع تحمل الانتظار والسير لمسافات بعيدة، وسلام كان يشتاق لهم كثيرا وكان ينتظر كثيرا أن يراهم وهو حر طليق، فمثله لا يقوى على الاعتقال لثلاث سنوات متواصلة"، قال شقيقه متابعا:"خرجَ سلام من السجن بعدَ أن حملَ في قلبه الكثير من الحقد والغل على السجان الصهيوني وهو شخص لا يقبل الذل على نفسه أبدا، خرجَ هادئا كعادته ولكن على ما يبدو كان يثور كالبركان من داخله".

 

نفذَ وصاياهم

حملَ الشاب ذو الواحد وعشرين عاما الكثير من الوصايا من زملائه في الأسر وصارَ ينفذها تباعا تباعا، وكلما طلبَ منه أحد أشقائه أن يرافقه إلى مكان ما، كان يرد :" أمامي مهمة صغيرة يجب أن أؤديها ولا يجب أن تؤجل".

 

"هل وصلكم الشك بأن سلام سينفذ عملية عسكرية ما!!" سألنا علي الزعل فأجاب " أبدا، فلم يبد عليه أي نية لأن ينفذ عملية عسكرية، كنا نرى الاستفزاز الذي يسببه له المستوطنون وما يمارسونه من اضطهاد على النساء والأطفال والشيوخ، وكنا نرى الغضب في عيني سلام عندما يسمع بأن مستوطنا اعتدى على امرأة".

 

السنوات الثلاث العصيبة التي مرَ بها سلام جعلته يقصد طبيبا، فأعصابه لم تعد تحتمل، وفق شقيقه الأكبر علي الذي أكدَ أن عمليات التعذيب الذي تعرض لها شقيقه تسببت بكثير من الأمراض النفسية والجسدية.

 

علي الذي كان يخشى على شقيقه من الموت غُلًا من تصرفات المستوطنين، كان يُكبر فيه أنه لبى أمنية زميله في الزنزانة، وخصصَ نهارا كاملا لابن زميله، وعن ذلك يقول:" خرجَ صباح ذلك اليوم وقال لن أعود إلا في المساء فأمامي أمنية يجب أن أحققها، ولما عاد تبين لنا أن زميله في الأسر كان قد طلبَ منه أن يأخذ ابنه الصغير في رحلة على الخيول وهو نفذَ طلبَ صديقه".


تابع الشقيق بقلق:" يومَ خرجَ صباحا باتجاه نابلس تحجج بأنه يريد أن يبحث عن عمل ليقتل الملل الذي أصابه بعد خروجه من الأسر لخمسة وخمسين يوما فقط، ولا أظن أنه كان يكذب"، مضيفا:" بعدَ مغادرته بساعة أو اثنتين سمعنا أن شابا طعن مستوطنا بسكين وأطلقَ النار على جنود آخرين من سلاح المستوطن لكننا لم نعرف التفاصيل".

 

إلى "الرملة"

تفاجأت العائلة من الجيران بأن سلام هو منفذ العملية وقيلَ لهم أنه استشهد نتيجة إطلاق النار عليه، فحاول الأشقاء إخفاء الأمر عن والديه حتى لا يتأثروا، وبعدَ ساعات أخرى تبينَ أن سلام أصيب فقط وأعتقل.

 

في تلكَ اللحظة اجتاحت موجة من الألم أشقاءه الذين تمنوا لو أنه نجا من الاعتقال والإصابة، لكنه رفعَ رؤوسهم "فأبواب السجن لا تغلق على أحد، وهو سيخرج يومًا ما حرًا طليقًا منتصرا"، قال شقيقه الأكبر علي مضيفا:" طلبنا لقاء سلام بعد اعتقاله للاطمئنان على حالته لكننا منعنا وكذلك مُنع محامي نادي الأسير الفلسطيني".

 

نُقل الأسير الجريح سلام إلى سجن الرملة، ولا يزال أهله في انتظار الحكم الذي يتوقعون أن يكون مؤبدا، "ولو أن الشهادة أفضل من الأسر" قال شقيقه.

 

العملية الفردية التي نفذها الشاب سلام ذو الحادي والعشرين ربيعاً بعدَ خمسة وخمسين يوما فقط على خروجه من الأسر بتهمة إلقاء الحجارة أعادته إلى الأسر مرة ثانية بتهمة "أثقل" وحكم لا شك أعلى، إلا أنها رفعت رأسه ورأس عائلته عاليا.. فابنهم حرٌ لا يقبل الإهانة على نفسه وعلى أبناء وطنه، وبمثله تُحرر الأرض.