مركز أطلس للدراسات الصهيونية..
قبل هزيمة 67 كان بعض يسار فلسطينيي الـ48 يحلم بتحول كيان الاحتلال المغتصب إلى كيان دولة طبيعية،قد يشق طريقا لتحولات ديمقراطية واجتماعية وصراعات طبقية كما يحدث في كل بلاد الدنيا، تؤدى إلى تعظيم القيم الإنسانية واهمها قيم العدل والحرية والمساواة.
وبعد توقيع اتفاقية اوسلو اعتقد تيار واسع من النخب السياسية والثقافية لفلسطينيي الارض المحتلة 67 ان كيان العدو يدخل عهد ما بعد الصهيونية اي الكيان بلا صهيونية بلا عدوان واحلال بلا كراهية الاخر وان الشعب الصهيوني اصبح شعبا ككل الشعوب يمقت احتلاله لشعب اخر وانه يقترب اكثر فأكثر من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وان بإمكاننا المراهنة على التطورات والتجاذبات السياسية داخل الحلبة السياسية والمجتمعية في الكيان، وما علينا الا تشجيعهم عبر تقديم خطاب سياسي معتدل يطمئنون الية، تنتفي معه هواجسهم ومخاوفهم وشكوكهم المتعلقة بمستقبل وجودهم ليتسلح به المعتدلون منهم في صراعهم مع اليمين.
وقد شجعهم على هذا الاعتقاد الكثير من الاقوال المعسولة لأمثال شمعون بيرس وبيلين وسريد وغناء رابين "للسلام" وظهور عدد من الباحثين في تاريخ النكبة داخل الاكاديمية الصهيونية، الذين اطلق عليهم المؤرخون الجدد الذين شكلوا نواة لتيار "ما بعد الصهيونية "مع مجموعة من الادباء والنخب الليبرالية اليسارية، علاوة على انتخاب ايهود براك سنة 99، الذي اعتبره بعض الصهاينة كرئيس الوزراء الاول لما بعد الصهيونية في حملة تسويق وتضليل غير مسبوقة.
وفى هذه الايام تمر علينا الذكرى ال65 لاحتلال كل ما تبقى من فلسطين، وعلى الرغم من كل الاعتدال الذي يمثله الرئيس عباس والجامعة العربية، اعتدال يصل حد المهانة والاستجداء، فإن من حقنا ومن حق العالم اجمع ان يسأل مستنكرا اين هو موقف الشارع الصهيوني من استمرار الطرد والاحلال والقتل والعدوان الذي يمارس بأبشع صورة ضد الانسان والارض والشجر والتاريخ والثقافة والهوية والذاكرة وحتى ضد عظام الاموات.
اين هي النخب الصهيونية من ذلك، لقد رأيناهم يخرجون ويحتجون لأهداف اجتماعية واقتصادية، ينتقدون ويعارضون كل اشكال الانفاق الحكومي التي يعتبرونها في غير محلها، لكن ما يتصل بإنفاق المليارات على المشروع الاستيطاني وعلى تكلفة الاحتلال، فلا احد يلوم او ينتقد فكلهم وطنيون وبات الاستيطان يمثل اجماعا صهيونيا.
انه امر شديد الغرابة وغير مسبوق في التاريخ الانساني ان يساند تجمع بشرى بأسره بكل اطيافه وطبقاته ونخبه احتلاله لشعب اخر على مدار عقود طويلة، هذا امر لم يحدث حتى في دولة الأبارتهايد الجنوب افريقية، انه مجتمع من القتلة المتعصبين الذي يعيش على اساطير مزعومة خلقتها ورعتها الصهيونية ، نشأ بحق القوه ولا يفهم غيرها لغة ويجيد كل اشكال الخداع والتضليل مسنودا بكل امكانيات الصهيونية العالمية التي توفر له دعم دولي يصم اذنيه ويغلق عينية عن جرائمه بحق الانسانية.
انه تجمع استيطاني احلالي وظيفي لا تنطبق علية قوانين المجتمعات الانسانية لأنه ليس منها والاستيطان والعدوان والاحلال " احد اهم ادوات الصهيونية وغايتها " ستبقى احد اهم مركباته البنيوية لأنها مرتبطة به بشكل عضوي فلا حياة لاحدهما دون الاخر.
من صهيونية سياسية إلى توراتية
ان حلم صهيونية التيار المركزي قديما الذي كان يمثله حزب مباي والعمل لاحقا وامثال بيرس اليوم ان يستسلم الفلسطينيون لقدرهم وان يسالموا الاحتلال وان يقبلوا برضى وامتنان اي تغيير إيجابي على حياتهم تقترحه عليهم دولة الاحتلال يفضى إلى تغنم الكيان بالأرض والشرعية والسلام والامن.
هذا الحلم الصهيوني وجد تعبيراته في المبادئ التي قامت عليها اتفاقية اوسلو واصرت عليها حكومة رابين بيرس، ومن بينها، ان حرب العام 1948 ونتائجها ليسا موضوعا للتفاوض وان المدى الإقليمي والجغرافي للنزاع الصهيوني الفلسطيني محصور بالمناطق التي احتلت عام 67 باستثناء القدس ومحيطها وفى هذا المدى يجب ان يتحقق الحل الدائم للنزاع.
ويمسك الكيان بإملاء شروط التسوية، وبقاء السيادة الصهيونية على حدود الدولة الفلسطينية، ان الفلسطينيين موجودون في اسقل درجات السلم وتتوقع الصهيونية منهم ان يقبلوا أي تغيير ملموس يطرأ على حياتهم وعليهم ان يتفهموا ان قدرة الكيان على منحهم تغييرا كبيرا محدودة جدا، أي على الفلسطينيين ان يقبلوا بقاعدة المنتصرون يفرضون شروطهم.
هذه المبادئ الصهيونية التي شكلت المنطلقات السياسية لتوجهات حكومات العمل للتسوية السياسية مع هامش مناوره يستجيب لمتطلبات الحل، كانت تحظى بشعبية كبيره داخل الكيان إلى ان تزايد وتعاظم تيار صهيونية توراتية اكثر عدوانية وعنفا بات يسيطر على الحلبة السياسية الصهيونية يتمتع بقوه شديدة في مؤسسات الحكم والاحزاب والجيش وله امتداد واسع في الثقافة والاعلام.
هذا التيار هو مزيج من تحالف صهيوني جديد يجمع بين علمانيين متطرفين في احزاب الليكود وليبرمان والبيت اليهودي والمستقبل والحركة وبين ممثلي الاستيطان وممثلي الصهيونية الدنية بقيادة زعماء دينيون سواء اكانوا حاخامات ام قاده دينيون ام ساسة ام مربين، وهو يفرز صهيونية جديده متجدده اكثر حيوية واندفاعا في عدوانيها واكثر فظاظة في كراهيتها لا تخشى ولا تخجل من التعبير عنها ولا تختبئ خلف شعارات النيوليبرالية، انها التيار المركزي الصاعد اليوم تغيب الصهيونية الكلاسيكية وتدفن ما بعد الصهيونية، وتكشف الوجه الحقيقي لمجتمع دولة المستوطنين الذي يحمل الكراهية للأغيار سواء عربا او مهاجرين أفارقة او حتى اوروبيون يدعون فقط لمقاطعة بضائع المستوطنات.
ان التوجهات السياسية للصهيونية الجديدة تنطلق من رؤية ثيوقراطية توراتية تعيد طرح ارض الكيان الكبرى في فلسطين وتعتبر ان ارض الضفة اكثر قداسة وارتباطا باليهود والتوراة من (تل أبيب) وحيفا وتسعى لفرض السيادة الصهيونية على الضفة وافراغها من سكانها عبر استمرار الاستيطان والعدوان والتضييق من جهة وعبر التشجيع على الهجرة من جهة اخرى.
ان ما يشهده المجتمع الصهيوني اليوم يتعدى كونه مجرد انزياح سياسي نحو اليمين انه غرق في ايديولوجية توراتية متعصبة والانغماس إلى حد التشرب لثقافة عنصرية تبتهج للدماء وتحث على العنف ولا تقيم وزنا لأي قيم انسانية يسيطر عليها الجشع المادي وعنجهية القوه وشهوة احتلال الاخر واحتقاره.

