الأقصى سينتصر بإذن الله .. بقلم: فايز أبو راس

الأربعاء 02 ديسمبر 2009

تمتعت القدس والأقصى تاريخياً بموقع متميز في برامج كل الأطراف الطامعة التي  تصارعت على فلسطين وشكلت لهم مادة تعبوية روحية للتحشيد البشري والمالي  وشحذ الهمم على درجة كبيرة من الأهمية  بحيث أبقت القدس والأقصى وفلسطين  على الدوام في حمأة الصراع, وحولت شعب فلسطين بشكل أساسي  ومن خلفه جموع الأمة إلى مجاهدين ومدافعين عن الحقوق والمقدسات, وتحولت القدس إلى عاصمة للنضال ورمزاً للجهاد والوحدة واستحقت بذلك النصر وهزيمة الأعداء على الدوام وهي اليوم تلعب هذا الدور التوحيدي والجهادي وستنتصر بإذن الله كما كانت دائماً ولو طال الزمن وكثرت التضحيات.

 

الهجمة الصهيونية الحالية على المسجد الأقصى لا تختلف كثيراً عن سابقاتها من حيث الجوهر وان اختلفت في الشكل وهي واحدة من المحاولات  الصهيونية المحمومة لاستثمار الفوز الذي تأمل حكومة نتنياهو ليبرمان في اقتناصها  سريعاً قبل تغير الظروف وسط هذا الانقسام الفلسطيني المفتعل والانهيار غير المسبوق في الموقف العربي الرسمي والتبدل في اهتماماتهم واستبدالهم الأعداء الحقيقيين بأعداء وهميين جدد, أو في موقف الدول الإسلامية وتدني اهتمامهم  بقضية الأقصى والقدس وفلسطين واكتفاء الجميع تقريباً بمواقف الشجب والإدانة وربط موقفهم برؤية طرف فلسطيني أسير وعاجز لا يقوى بمفرده - هذا لو أراد - على مواجهة الضغوط الأمريكية والصهيونية وهو بحاجة ماسة إلى دعم حقيقي من كل أشقائه ومن شعوب أمته العربية والإسلامية ليتمكن من  الصمود في وجه الهجمة الحالية.

 

الجرأة الصهيونية اليوم على استباحة الأقصى، هي اختبار لرد فعل الأمة العربية والإسلامية، وهي امتحان حقيقي لقدرة الشعب الفلسطيني على السمو والتعالي عن الخلاف الحقيقي أو المفتعل، وتوحيد الجهود في معركة الدفاع عن الأقصى, وإذا كانت ردود الفعل خارج فلسطين لم ترتق إلى الحد الأدنى المطلوب ولا إلى ما هو أقل من ذلك بكثير، فإن موقف المقدسيين كعادتهم قد تقدم صفوف الفلسطينيين وغيرهم من أبناء الأمة، وقد تمثل في الاستجابات السريعة منهم للنداءات الموجهة للدفاع عن الأقصى، أمام هجمة قطعان المستوطنين الذين يدّعون حقوقاً دينية في القدس، لاستباحة الأقصى وفرض أمر واقع جديد فيه وتقسيمه كما حدث للحرم الإبراهيمي في الخليل, فقد تداعى المقدسيون من كل الفئات والاتجاهات السياسية على  اختلافها ومن كل الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية ليرتبوا أمر دفاعهم عن الأقصى، وفي اليوم التالي واجهوا موحدين جموع المستوطنين الصهاينة وحراسهم من جيش وشرطة الاحتلال وصدوهم في المواجهات الدامية في ساحات الأقصى وأقاموا اعتصامهم داخل الحرم للدفاع عنه وبذلك فقد رسموا  بالدم ملامح جديدة للمرحلة المقبلة من الصراع.

المقدسيون وقلة ممن استطاعوا الإفلات من الحصار الصهيوني المشدد على القدس والمسجد الأقصى،  كان لهم شرف المجابهة الأولى في  الجولة الحالية من جولات الدفاع عن الأقصى وحتى يومنا هذا يرابطون في المسجد الأقصى وساحاته يذودون عنه العصابات الطامحة إلى الدخول إليه وإقامة شعائرهم فيه، وهم بذلك يؤسسون شعبياً للوحدة وللمرحلة القادمة من الصراع الذي سيتجاوز في مرحلة معينة من تطوره خطوط الانقسام الحالية، ويرتفع بالقوى السياسية التي هبطت في مستنقع الاستسلام والخنوع إلى آفاق المقاومة والجهاد, خاصة بعد أن استنفد مشروع التسوية والمفاوضات أهدافه وكل أوراقه وحججه ومبرراته وظهرت إلى العلن المطالب والاحتياجات الصهيونية بالشكل الفج والمفضوح والصارخ الذي لا يقبل في الحقيقة بأقل من تهويد كامل فلسطين والسيطرة على مقدساتها والتخلص من شعبها, أمّا خروج الصهاينة من غزة فلا يصلح كمثال يمكن أن يطبق في أماكن أخرى لأن غزة بالإضافة إلى الخسائر والأثمان الباهظة التي كبدتهم إياها المقاومة العسكرية التي حولت حياتهم على أرضها إلى جحيم، بحيث أصبح بقاء الاحتلال فيها مستحيلاً فهي في نظرهم مهر بلقيس من سليمان وهي من المنظور الفقهي ليست من ملكهم كما هو حال القدس وسائر المناطق الفلسطينية الأخرى.

 

واقع الأمة السيئ القائم اليوم الذي شكل إغراء للصهاينة  للتسريع في خطواتهم التهويدية ومحاولة انتزاع الاعتراف بيهودية دولتهم، وكذلك الاستخفاف في التعاطي مع مقدسات الآخرين والاستعلاء الديني الذي يمثل مقدمات لحرب دينية عليهم، إضافة إلى الحواجز والحصار وانسداد الأفق السياسي وتزايد  الخسائر الوطنية واستمرار الضغوط والقمع المزدوج وتوزيع الأدوار ما بين السلطة والاحتلال، هذا الواقع شكل محفزات لانتفاضة ثالثة يصعب التنبؤ بوقت ومكان وكيفية حدوثها وإن كانت القدس والأقصى الأكثر ترجيحاً وهذا ما يخشاه قادة الكيان ورجالات السلطة ويسعون إلى وأده في مهده والقضاء عليه قبل حدوثه لكن هيهات أن يتم ذلك فمن يستطيع القبض على البركان ساعة انفجاره؟!.

 

القدس والمسجد الأقصى والدفاع عنهما كما وحّد المقدسيين اليوم في النضال رغم الانقسام والفرقة, هو الذي سيصنع غداً الوحدة الوطنية عبر الجهاد والمقاومة وهو الذي سيمهد الطريق في المستقبل أمام مشاركة الأمة في معركة التحرير والنصر القادم مع بزوغ فجر الأمة وهو قريب بإذن الله.