الاعلام الحربي – القدس المحتلة
كشفت وثائق رفعت السرية عنها، ان الكيان الصهيوني، إشترى في الستينات من العقد الماضي، عشرات الأطنان، من "الكعكة الصفراء" من الأرجنتين لصنع السلاح النووي.
وطبقا للتقرير الذي نشرته مجلة "فورين بوليسي"، واستند الى 42 وثيقة نشرها "أرشيف الأمن القومي الأميركي" و"مشروع التاريخ الدولي لنزع السلاح النووي"، فإن الكيان اشترى ما بين 80 الى 100 طن، من "الكعكة الصفراء" الضرورية لصنع القنبلة النووية.
وتحت عنوان: "شراء الكيان السري لليورانيوم: كيف زودت الأرجنتين برنامج بن غوريون بالوقود النووي"، قالت المجلة: إنه في منتصف تموز 1964، بعثت وزارة الخارجية الأميركية والسي اي ايه، برقية مشتركة الى السفارتين الأميركيتين في الأرجنتين والكيان، للتحقق من أن الأرجنتين قررت الموافقة على بيع كمية اليورانيوم أوكسايد (الكعكة الصفراء) الى الكيان".
وجاء ذلك بعد أن حصلت الولايات المتحدة على معلومات حول صفقة البيع من الحكومة البريطانية، التي بدورها حصلت عليها من الكنديين. ووضعت عملية الشراء الولايات المتحدة في موقف حرج، كونها حصلت آنذاك على تأكيدات صهيونية بسلمية البرنامج النووي.
وواجهت المخابرات الأميركية تحديا كبيرا، في ستينات القرن الماضي، بسبب انعدام وضوح الأغراض الحقيقية للبرنامج النووي الصهيوني، الذي امتاز بالغموض، وبخاصة لجهة المصادر التي حصلت منها اسرائيل على المواد الخام المطلوبة لتصنيع السلاح النووي.
وتبنت الولايات المتحدة على الدوام مواقف مترددة ازاء البرنامج النووي الصهيوني، حيث اعتقدت أن الكشف عن ما بحوزتها من معلومات، أو البوح بالشكوك حوله، قد يؤدي الى مشاكل دبلوماسية أميركية مع الدول العربية المجاورة للكيان الصهيوني، اضافة الى الاتحاد السوفياتي. وهذا قيد، ما يمكن للولايات المتحدة القيام به لتقويض الطموحات الصهيونية النووية، حيث ان مجرد التفكير بأية عقوبات اقتصادية او سياسية جدية، قد يؤدي الى فضح الأمر، ما قد يترتب عليه نتائج وخيمة على الصعيدين المحلي والدولي.
وبدأ القلق الأميركي من البرنامج النووي الإسرائيلي منذ اواخر العام 1960، عندما علمت وتأكدت وكالة المخابرات الأميركية، بأن الكيان يقوم ببناء مرفق نووي كبير (مفاعل وبنيته التحتية) بمساعدة فرنسا، قرب ديمونا في صحراء النقب.
وفي البداية، ودعما لرغبة الكيان باقامة برنامج نووي لأغراض عسكرية، زود الفرنسيون الكيان بالوقود النووي بدون قيود، غير أنه في ظل حكم الرئيس شارل ديغول تغيرت السياسة الفرنسية، ومع حلول العام 1963، وهي الفترة التي أوشك فيها المفاعل النووي على الانتهاء، فرضت فرنسا قيودا كبيرة على تزويد ديمونا باليورانيوم.
وخلالها حاول الصهاينة الحصول على اليورانيوم من الفوسفات، وبسبب الكلفة العالية لذلك، احتاج الصهاينة الى مصدر يمكنهم استخدامه بحرية، وبدون قيود خارجية، وشكلت جنوب افريقيا مصدرا محتملا. وأقر الفرنسيون بأن الكيان قد يسعى للحصول على اليورانيوم من بلدان اخرى كالأرجنتين أو بلجيكا، وفي بداية العام 1964 استفسر الفرنسيون من الأميركيين اذا كان الكيان اتصل بتلك المصادر.
ومنذ بداياته، اهتمت الحكومة الكندية بالبرنامج النووي الصهيوني، وعندما التقى رئيس الوزراء الصهيوني دافيد بن غوريون، بنظيره الكندي، جون ديفينباكر في 25 آيار 1961، استحوذ مفاعل ديمونا على النقاش، وبعد أيام قليلة، أبلغ بن غوريون الرئيس الأميركي جون كينيدي، في لقاء بأن البرنامج النووي سلمي. وفي آذار 1964، اعد المحلل الإستخباراتي الكندي، جاكون كوم، تقريرا سريا مطولا عن البرنامج النووي الإسرائيلي، أكد فيه ان الكيان يمتلك كل متطلبات الشروع بتطوير برنامج تسليح نووي متواضع.

وبعد صدور التقرير، علمت المخابرات الكندية (من مصادر مجهولة)، بأن حكومة الأرجنتين اعدت الترتيبات لتزويد الكيان بـ 80 الى 100 طن من الكعكة الصفراء. ومع نهاية نيسان 1964، اطلع البريطانيون على التقرير الكندي. ووفقا لأحد الدبلوماسيين، فان الكيان كان يمتلك حينها كميات غير محدودة من اليورانيوم تمكنها من شحن قنبلة نووية بعد 18 أو 20 شهرا من ذلك العام.
ومن ناحيتها، شككت وكالة الإستخبارات الأميركية بالأمر، غير أنه في منتصف حزيران 1964، قررت الـ "سي اي ايه"، ووزارة الخارجية الأميركية ارسال برقية للسفارتين الأميركيتين، في الأرجنتين والكيان، للتحقق من الأمر. وفي ايلول، اكدت سفارة الولايات المتحدة في بيونس ايرس، استنادا الى مصادر محلية، بأنه خلال عام 1963 أعد الكيان الترتيبات لشراء 80 طنا من الكعكة الصفراء من الأرجنتين.
وبعد وصول تلك المعلومات، ولخشية الولايات المتحدة من أن تؤدي القنبلة الصهيونية الى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وتقويض الجهود الأميركية لنزع السلاح النووي على مستوى العالم، اتفق الرئيس كندي، ورئيس الوزراء الصهيوني ليفي أشكول، وبشكل سري في صيف 1963، على السماح للعلماء الإميركيين بزيارة مفاعل ديمونا، ووصل أول فريق اميركي الى ديمونا في كانون ثاني 1964، لكنه من المعلوم الآن بأن الصهاينة اعدوا "ترتيبات خاصة" لمنع الزوار من رؤية اي شيء من شأنه الكشف عن الطبيعة الحقيقية للمشروع.
والتقى السفير الأميركي في الكيان، وزير الخارجية الصهيوني، آبا ايبان، عدة مرات لبحث المسألة، والتأكيد على نزع السلاح النووي، وضرورة اشراف وكالة الطاقة الدولية، غير ان كل تلك اللقاءات لم تؤت أكلها، حيث انتهج الكيان اسلوب المخادعة. وعلى الرغم من ذلك، لم تتخذ الولايات المتحدة أي خطوات مضادة واكتفت بتنظيم الزيارات الى مفاعل ديمونا.
وفي العام 1965، انتشرت اخبارا عن قيام شركة فرنسية، في الغابون، بتزويد اسرائيل بالكعكة الصفراء، لكن لم يتم التحقق من ذلك، وفي 1968، طلب الكيان من بلجيكا تزويدها بمئتي طن، من الكعكة الصفراء، في عملية سرية معقدة، اطلق عليها "بلومبات" والتي ساهمت فيها شركة ايطالية يديرها الموساد.
يشار الى أنه في عام 1961، ابلغ الصهاينة، المسؤولين الكنديين والأميركيين، بأن مفاعل ديمونا، يتضمن محطة تجريبية لمعالجة البلوتونيوم، لكنه صغير جدا، حيث لا يمكنه استيعاب برنامج الأسلحة، لكن في الحقيقة، اشتمل التصميم الأصلي لمفاعل ديمونا، على مرفق كبير تحت الأرض، وهو الذي يحوي اكثر الأسرار النووية الصهيونية، والتي كشفها التقني مردخاي فعنونو. واليوم، فمن غير الواضح تماما، حجم المعلومات لدى اجهزة المخابرات الغربية حول مرفق المعالجة ومتى علمت به.


