الأسير معتصم رداد والمرض

الإثنين 08 يوليو 2013

بقلم / ايمان سيلاوي

 

في احدى تقاريري الخاصة بملف الاسير المريض معتصم رداد (صيدا _ طولكرم )، كنت قد ذكرت أن الاسير تعرض لشظايا لحظة اعتقاله من قبل الاحتلال عام 2006 وهذه الشظايا تحمل مواد سامة، كما أنّ هذه الشظايا بدأ تأثيرها بشكل واضح وسريع على جسد معتصم دون أن يعرف أحد ، الاّ الاسرى المحيطون به فقط وعندما قمت بزيارة عائلة الاسير معتصم في بلدة صيدا ، كان قد أطلعني أهله على اختفاء بعض الأوراق من ملفه الطبي وكما يبدو أن هذه الأوراق يكمن فيها الوقت الزمني الحقيقي لمرض الاسير معتصم رداد ، فبحثتُ وتمحصتُ عن دليلٍ كي أعرف متى وكيف بدأت حالة الاسير بالظهور للعيان (الاسرى المحيطون به)، حتى اهتديت لذلك الشخص.

 

الشّخص الوحيد هو فلسطينيٌ حرٌ متابع للحظاتِ المرض الأولى كان أسيراً ممرضاً:

بدأت حكايتي هنا مع لقاء هاتفي مُطوّلٍ مع أسير غزّي محرر درس التمريض في احدى جامعات الخرطوم سابقاً ولكنه أُعتقل ، لِيجدَ نفسه يُحكمُ 30 عاماً ، الا انه قضى منها 17 عاماً واطلق سراحه خلال صفقات التبادل وهذا الاسير الغزّي المحرر كان يحمل لقب ” ممثل الاسرى المرضى لمدة 13عاماً في مسشفى سجن الرملة، انه الاسير المحرر أكرم عبد الرحمن سلامة .

 

حدّثني أكرم سلامة فقال :

دخل معتصم المعتقل وهو ذو جسد مليء بالشظايا ، فكان يشعُر بألمٍ في الصدر وضيقٍ في التنفس والنوم لدرجة أنه كان يخرج الدم اثناء السعال ليلاً ونهاراً وهذا الدم كان يخرج من الرئتين، وارتفاع درجات الحرارة والصداع .

 

كانت ادارة السجن في البداية رافضة تقديم فحوصاتٍ لازمةً لمعتصم بما يخص الرئتين ولكن بعد ضغوطات من الاسرى ، تم علاجه واعطاؤه بخاخ الفنتولين ، ومخشير وأدوية مسكنة يدخل في تركيبها مادة نييوترون التي تعطى لمرضى الرئتين.

 

وبقي معتصم على هذا الحال من العلاج مدة أشهر ، فأصابه الهزال بسبب عدم المقدرة على الأكل، كان يتناول وجبة الطعام كل ثلاث الى أربع أيام وجبةً واحدة ، ويتألم عند خروجه للفورة وكأن المسافة التي يستغرقها هي صعود جبل ، وكثيرا ما كان يرفض الخروج لعدم مقدرته على المشي بضع مترات .

 

بعد ستّة أشهرٍ من المعاناةِ التقى طبيباً مختّصاً يأتي للرملة مرة في آخر جمعةٍ من كلّ شهر :

 

حصلَ معتصم على دورهِ في العلاج في مستشفى سجن الرملة ، ويعتبر سجن الرملة هو لعلاج الطب العام ولا يوجد فيه علاج متخصص لبعض الحالات المستعصية (طبيب باطني )، بحيث يأتي الطبيب الباطني مرة واحدة في نهاية الشهر لمستشفى سجن الرملة ، وعندما اجرى فحوصات للاسير أخذ ذلك من الوقت لعودة التقارير الطبية من المسشفى الذي يعمل به الطبيب المختص الى أن تصل الى مسشفى سجن الرملة ثلاثة أشهر كاملة .

 

بعد ظهور الفحوصات على مراحل بدأ العلاج ولكن تتباعد بين الفحص الجديد والآخر مدة ثمانية شهور، حيث يجب على معتصم اجراء من 3-4 فحوصات هي فحص(كُلُلوسكوبيا) ثم فحص(جاستروسكوبيا) ثم فحص (المنظار) ثاثاً . ولكن (الجريمة )هنا في البعد الزمني الذي يستغرق ثمانية شهور ما بين الفحص والذي يليه.

 

الادوية التي قُدمت للأسير كانت مسكنة (جريمة ) والتي ليست كما كتبها وأقرّها الطبيب المختص له، حيث طلب منه فقط تناول الاطعمة المسلوقة ولكن ادارة السجن رفضت بسبب ، ان هذا ليس من واجبها ، وعليه ان يُركز على الخضروات الخضراء كالخيار والخس ، ولكن الادارة ايضاً مانعت بحُجة عدم تواجدها طوال الوقت .

 

وكان مُبرر مصلحة السجون : نحن نلتزم بالديتا التي تقدمها لنا الادارة والحمية الطبية ليست من شأننا. ومن الأدوية التي بدأ الاسير معتصم (الكورتِزون)، بسبب ألم الامعاء الذي ظهر من أجل تنشيط وزيادة نسبة كريات الدم ، حيث تناول 120غم كورتِزون .

 

ومن ضمن العلاج الذي كان لابد من أخذ حقنة (الرافال) وهذه الحقنة باهضة الثمن ، لذلك رفضت مصلحة السجون تقديمها له والتعويض انها بالحبوب لنفس المادة ولكنها أرخص بكثير .

 

وأحياناً أخرى (جريمة )، كانت حبوب الرافال ليست متوفرة تلك اللحظة التي يجب اعطاؤها لمعتصم

عند الالم الشديد ، حتى تصل الحبوب متأخرة وقد يستغرق ذلك من عشرة أيام الى اسبوعين .

 

أعراض جديدة ظهرت نتيجة المرض سببت الحزن والألم في نفس معتصم رداد خلال حياته اليومية المعتادة في غرفة الأسر ، حيث يوجد في الغرفة من عشرة الى اثنا عشر أسيراً وحمامٌ واحد ، وصراخٌ من شدة الألم خلال فترات الليل ، واحتجاز الحمّام فترات طويلة تصل 20 مرة في النهار فقط عوضاً عن الليل.

 

العامل الخطير مؤخراً : فقدان وزنه بالكامل ، حتى أصبح يُشبه نفسه الغِطاء الموجود على السرير دون حراك، بالاضافة الى احتياج الأسرى لنقله الى الحمام ، مع خجله الشديد مما يسببهُ من عبىء عليهم على حد ظنه .

 

بحر الدم :

عندما يحتاج الاسير دخول الحمام ، فإن الدم يرافق البراز في كل مرة ، ولكن المرة الأخيرة كانت بحراً من الدماء ، مما جعل الأسرى يواصلون الاستغاثة للاسير معتصم لانقاذه من هذا الألم الشديد.

 

أخيراً تم تحويل الأسير الى مستشفيات عديدة تحتوي على الاجهزة الطبية التي تتلاءم مع حالته الخطيرة حيث ظهر من الفحوصات أنه يعاني من التهابات شديدة جداً في الأمعاء لا تقل خطورة عن الكانسر( السرطان) ، وتم اثبات chronic disease أي مرض مزمن لحالة الاسير معتصم رداد.

 

الاعراض تزداد دون جدوى من الشفاء:

ان ارتفاع نسبة الكورتِزون التي تناولها معتصم لم تعد تعطي نتائج كالسابق لتسكين الألم ، لدرجة أن الاسرى كان يستيقظون من النوم وفي كل ليلة وهو موجود في الحمام ، الى أن أصبح يعاني خلال اسبوع واحد من نقص B12، فقر الدم (انيميا)، مما جعله يقبل أي علاجٍ فقط كي يُخفف من الألم الذي يعانيه، واعطي ابرة على الفور لرفع مستوى الهموجلوبين بالدم .

 

فترة علاج كل ثلاثة أشهر جلسة واحدة لمدة خمس ساعات متواصلة دون حراك:

وافق الاسير معتصم على مادة تعطى له كل ثلاث شهور مرة واحدة ، وهي لتنظيم دقات القلب ومحلول 500غم داخل الكيس وهذه المادة عن ابرة عن طريق الوريد من خلال كيس التغذية الذي عليه التقطير نقطة نقطة لمدة خمس ساعات متواصلة دون حراك معتصم عن السرير ويمنع من دخول الحمام ،مما سبب له الاحراج والمعاناة النفسية القاسية .

 

انهى الاسير معتصم اربع جلسات متواصلة وبعد ذلك لم يعد يجدي نفعاً العلاج الى أن تدهورت صحته بالكامل، فأصبح ضغط الدم غير منتظم ، ودقات القلب وصلت الى 120 دقة للدقيقة، واصبح يعاني من خلل في السكّر ، وتم تقديم علاجٍ لهذه الاعراض ، حتى نزل في اسبوع واحد 25كليوغرام مرة واحدة.

 

و اكتشف دواء لدى الاحتلال كما علم الاسرى من خلال ما يسمى الهندسة الطبية ، لعلاج حالة شبيهة بحالة معتصم رداد ، وهي اجراء عملية تمت لفتاة ولكن ، عند محاولة الاتصال بها أكدت أن الالم يختفي من الامعاء في البداية ثم يعاود العودة بعد فترة ، وهذه العملية هي عبارة : الغاء عملية الاخراج من فتحة الشرج ، واستخدام بربيش جانبي خارجي ليخرج البراز منه لأن الامعاء تلفت بالكامل، وهذا البربيش لمدة سنة كاملة ثم يجدد .

 

خطورة الوضع تكمن في تأخير مراحل العلاج من قبل مصلحة السجن والتي كانت تزيد عن 3 أشهر بين الفحص والاخر ، كما أن بعض الجلسات كانت تستغرق ثمانية أشهر كاملة بين الجلسة والاخرى، بالاضافة الى عدم اتباع الحمية المطلوبة في الغذاء المخصص للاسير ، وعدم اعطائه بعض الادوية بحجة ارتفاع ثمنها .

 

اخيراً ما علي قوله أن الصليب الأحمر كان يعلم منذ بداية اكتشاف الاحتلال المرض للاسير ولكن الصليب كان مشاركٌ لهذه الجريمة ولكنه كان يطمئن عائلة الاسير بأن وضعه الصحي جيد واحياناً بالمستقر ، وذلك عن طريق مقابلة الصليب لمعتصم عدة مرات ورغم أن معتصم عرّف على وضعه بالكامل ، الا ان هذه المؤسسة لم يكن لها الموقف الصارم والمتحرك ، حيث كانت غطاء على ما يجري لحالة الاسير معتصم رداد بصمتها وتجاهلها لحالته الخطيرة .

 

حقيقةً إنّ كشف حالةٍ طبية ونشر تفاصيلها ليست بالأمر الهيّن ، لما تحتاج من دقة في ذكر نوع المرض وتشخيصه ، ولقد بذل الاسير المحرر أكرم سلامة معي جهداً كبيراً ليقدم للمجتمع الفلسطيني أدق التفاصيل بالاضافة الى سؤال طبيب مختص عن هذه الاعراض عن حالة الاسير المريض معتصم رداد بصفته قريباً جداً من هذه الحالة المرضية التي أنهكها الاحتلال بطريقة متعمدة منذ بداية الاعتقال عام 2006، ومن صمت مؤسسة حقوقية كانت شاهدة على الحدث بشهادة الاسير والاسرى.