يتعرضون للضرب المُبرح.. ينهال عليهم جنود الاحتلال بأبشع الألفاظ.. يرفعون في وجههم سيوف المنع والمخالفات.. يُكبلون أعمالهم ويتدخلون في تفاصيلهم اليومية.. يزداد وضعهم سوءاً يوماً بعد يوم، بيد أنهم يأبون إلا الثبات على ثغور الأقصى يَذُودون عنه الانتهاكات الصهيونية المستمرة وأمام أعينهم يتألق حديث النبي صلى الله عليه وسلم "عينان لا تمسهما النار.. عينٌ بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله".
إنهم حراس المسـجد الأقصـى البالغ عددهم 150 حارسًا، وينتشرون على مساحة 144 دونمًا في باحات الحرم القدسي الشريف وعلى أبوابه مهمتهم كما يقول أبو العز رئيس إحدى الوحدات "تضم 30 حارسًا" هي "المحافظة على أمن المسجد، والحيلولة دون اقتحامه من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة، ونفتش حقائب من نشتبه بانتحالهم شخصيات إسلامية للتسلل للمسجد والقيام بأعمال شغب وتخريب".
أبو العز واحد من عشرات الحراس الذين رفضوا التحدث عما يدور في الاقصي المحتل خشية ملاحقة سلطات الاحتلال لهم، وبعد أكثر من محاولة تحدث بعضهم شرط عدم الإفصاح عن أسمائهم الحقيقية، كاشفين الدور الذي يقوم به أولئك الرجال الذين يحملون صورة قبة الصخرة على أكتافهم اليمنى وفي أيديهم أجهزة لاسلكية تربطهم بغرفة العمليات التابعة لدائرة الأوقاف، وأمامهم هدف واحد.. حماية الأقصى.
ولا يخلو الأقصى الشريف من حراسه في أي وقت على مدار اليوم، حيث يتناوبون عليه في ثلاث دوريات يوميًّا، الأولى من الساعة الـ 7 صباحا حتى الواحدة ظهرا، والثانية من الواحدة ظهرا حتى السابعة مساء، والأخيرة تستمر 12 ساعة متواصلة من الـ7 مساء حتى الـ7 صباحا.
ينكلون بنا
وبنبراتٍ حزينة يؤكد أبو العز أن حراس الأقصى يواجهون شتى أصناف المضايقات "أكثر من 80 حارسا تم استدعاؤهم إلى المخابرات الصهيونية في الأسابيع القليلة الماضية وتعرضوا للابتزاز والتهديد".
ويتحسـر أبو العز على أيام بعيدة مضت كان لحارس الأقصى فيـها هيبته "في الماضي كنا نرابط في المسجد ليلاً ونهاراً... تخشانا الجماعات المتطرفة وتحسب لنا ألف حساب.. الآن تغير الأمر وما من يوم يمر إلا ويزداد وضعنا صعوبة وتعثرًا".
وعن سـر هذا الاختلاف يقول: "نعم هناك محتل شرس يعتقل ويضرب ويشتم، ولكن للأسف هناك عدم مبالاة من قبل إدارة الأوقاف، وعدم اهتمام بالحراس ومعاناتهم؛ وهذا ما شجع الشرطة الصهيونية لكي تنكل بنا وتزيد من وتيرة هجماتها ضدنا".
ولفت أبو العز إلى أن "عمل حارس المسجد تحول إلى كيف يحافظ الحارس على نفسه، بعد أن كان الآمر والناهي فيما يتعلق بأمن المسجد الأقصى والحفاظ على نظامه بكافة الوسائل المتاحة لديه، ولكن اليوم هو لا يستطيع عمل أي شيء.. الآن هو شخص مجرد من كل الصلاحيات... يقف عاجزاً عن فتح أو إغلاق أي باب من أبواب المسجد الأقصى إلا بوجود شرطة صهيونية بالرغم من وجود المفاتيح لدى مكتب حرس المسجد".
هدفا لهم
ويشدد أبو العز على أن "حبـهم للأقصى هـو ما يمدهم بالصبر على كل هذا الأذى"، متابعاً بألم "راتب الحارس لا يكاد يكفي سد مستلزمات الحياة.. وهناك كثير من الحراس لديهم وظائف أخرى تساند عملهم كحراس لتأمين حياة كريمة، ولكن مع هذا لا أحد منا يفكر بترك عمله لحبه وشغفه بالمسجد وإيمانه العميق بثواب الرباط على هذه البقعة الطاهرة..".
وعن أهم ما يواجه حراس الأقصى من اعتداءات صهيونية يقول حارس آخر من حراس الأقصى هو أبو قصي: "إنها لا تعد ولا تحصى، حيث يتم تحرير مخالفات وهمية للحراس ومنعهم من دخول المسجد لأشهر.. باحات المسجد أصبحت مسرحًا لجولات أجهزة المخابرات والأجانب.. الشرطة الصهيونية تدخل السياح إلى ساحات المسجد بلباس فاضح لا يليق بحرمة وكرامة وقدسية المكان، وشرطة الاحتلال يسبون الذات الإلهية عشرات المرات يوميًّا".
ويؤكد أبو قصي أن "الحراس باتوا هدفاً للاحتلال حتى يزيحهم من طريق سيطرته على المسجد الأقصى.. حيث يتعرض الحارس يوميًّا للتهديد والقمع والضرب والاعتقال وفرض غرامات مالية عليه إلى جانب فرض قانون المنع (أي عدم دخول المسجد الأقصى) لمدة لا تقل عن ستة أشهر وتمتد أحياناً لأكثر من عامين، وقد طال هذا المنع عشرات الحراس".
ضغوط مستمرة
وتقوم الشرطة الصهيونية بسحب تصاريح بعض الحراس لأسباب واهية، كما يُمنع إدخال الطعام للصائمين إلى باحات الأقصى، وتحظر أي أنشطة أخرى وهو ما يعلق عليه أبو قصي: "كل هذا وللأسف الشديد يتم تحت نظر مسئولي الأوقاف بالقدس الذين يرددون على مسامع الحارس: لا نريد احتكاكاً.. وكأنهم يريدون منا أن نكون أصنامًا لا نرى، لا نسمع، لا نتكلم، كما لا تقدم الإدارة أي شيء لحماية الحراس، وإذا اشتكى أحدنا يُقال له: إن لم يعجبك الأمر فقدم استقالتك".
ويشير إلى أن الشرطة الصهيونية تقوم بابتزاز الحراس الذين يقفـون حائلاً منيعاً أمام هجماتهم المستمرة على المسجد والمصلين "خارج المسجد يحررون بحقهم مبالغ باهظة وخيالية ويتم إبلاغهم أن هذا بسبب سلوكهم داخل المسجد.. وهناك سياسة أخرى متبعة وهي الاستدعاء المتكرر للحراس من قبل جهاز المخابرات الصهيونية ويتم مساومة الحراس على العمل مع المخابرات بشتى الطرق من ترغيب وترهيب".
ويضيف "وقد قامت المخابرات وبسبب رفض أحد الحراس التعاون معها بترحيل زوجته إلى الأردن ومنعها من دخول القدس".
الحارس "أبو محمد" يشعر بأسى كبيـر على ما آلت إليه أوضاع حراس المسجد الأقصى، ويستنكر الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري للقدس من تهويد وتنكيل قائلاً "المسجد على وشك الانهيار والقدس تضيع، فهل سيسأل العالم الصامت عن حراس يتعرضون للضرب والاعتقال..؟!".
"حلالٌ للبابا حرامٌ علينا"!
زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة للمسجد الأقصى الشريف كانت محل شكوى من كل الحراس ، وهو ما يوضحه أبو محمد أسبابه بقوله "تم تفتيش مكتب مدير المسجد الأقصى حسين البراغيتي وتم إبعاد الحراس واتهام أحدهم بأنه يخطط لاغتيال البابا".
أما الحارس أبو فراس فيروي أن "الشرطة الصهيونية منعت دخول 36 حارسًا أثناء زيارة البابا، وتم وضع شارة (زائر) على صدورنا ومعاصم على أيادينا بأسمائنا واحتجزوا بعضنا في ركنٍ بعيد لكي لا نتواجد في الأماكن التي سيزورها البابا"، ويضيف ساخطاً "له تفتح كل الأبواب وحلال أن يتجول أينما شاء، أما نحن فحرام أن نبوح ولو بكلمة!".
وبصوتٍ غاضب يتساءل أبو فراس "البابا يدخل بحذائه إلى المسجد الأقصى، ويجول ويصـول، ونحن أهل البيت محرمون من رؤيته؟!.. إنها وصمة عارٍ في جبين كل صامت ومتخاذل عن القدس".

