الإعلام الحربي - خاص
يمثل يوم القدس العالمي أهمية بالغة للمسلمين عامة، ولأهل فلسطين والقدس الشريف على وجه الخصوص، كونه يسلط أنظار العالم إلى ما تتعرض له المدينة المقدسة بصورة شبه يومية من عمليات تهويد تسير بوتيرة عالية، وتدنيس وتغيير معالم، حتى أنه لم يعد هنالك قدس للبكاء عليها، فالمدينة هودت، وأهلها أصبحوا مهجرون، ومهددون بالطرد، والمعركة الآن باتت على المسجد الأقصى وتقاسم الصلاة فيه ــ وفق ما أكده الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور رمضان شلح في تصريحه الأخير.
والناظر إلى ما يتعرض له المسجد الأقصى من عمليات تهويد، يرى بأم عيّنه أن خطر التقسيم الزماني والمكاني للمدينة المقدسة لم يعد شعار "تلمودي" أو خبر تتصدر الصحف العالمية أو تصريح لحاخام صهيوني، بل أن المسألة تعدت كل تلك الخطوط ووصلت حتى الانتهاء من التنفيذ والتطبيق العملي ما تم التخطيط له منذ وطأت أقدام بني صهيون الأرض المقدسة، فهناك مئات التشريعات والقوانين التي جرى سنها على المستوى القانوني والقضائي الصهيوني من أجل السماح لليهود والمستوطنين بالصلاة في المسجد الأقصى، وتخصيص أوقات وأماكن لهم، وما يقوم به المستوطنين وجمعياتهم الإستطيانية بدعم ومشاركة المستوى القضائي والأمني والعسكري من اقتحامات شبه يومية بمشاركة قيادات سياسية وحزبية ودينية صهيونية، خير دليل على ما يرمي ويهدف إليه الاحتلال، ويترافق كل ذلك مع إقامة العديد من الكنس والمراكز التجارية الصهيونية بالقرب من المسجد الأقصى، والاستمرار بالحفريات أسفله ومن حوله، والاستيلاء على منازل المواطنين وإجبار العديد منهم على الهجرة القسريه لهذا الغرض.
ومما لاشك فيه أن اللوبي الصهيوني العالمي، لا يتواني للحظة عن ضخ المليارات من أجل تهويد المدينة، وزرعها بالمغتصبين الصهاينة، فيما نحن الأمة العربية والإسلامية نتسابق إلى عقد المؤتمرات والندوات التي يقر فيها أهمية دعم القدس وأهلها، ولكن على ارض الواقع لا يرى سكان القدس من الأرقام التي تصدح بها حناجر بعض الساسة ورجال الدين إلا النزر القليل، فيما تتبخر الوعود والأرقام فور الانتهاء من القمم والاجتماعات وهكذا جرت العادة حتى يومنا هذا ..
القدس تضيع، ونحن نسير على نفس النمط والوتيرة والنهج جعجعات ومهاترات واتهامات إعلامية متبادلة وتصريحات ومقابلات صحفية، وشعارات وبيانات شجب واستنكار، والخوض في جدال سفسطائي حول من هو مسلم وغير مسلم.
66 عاما وفلسطين تنزف وتقدم آلاف الشهداء على درب الحرية والعزة والكرامة، وهي تنتظر جيوش العرب والمسلمين, وجحافلهم المحررة ولكن ليس من مجيب لصرخاتها واستغاثاتها لحد الآن على الرغم من مناداة البعض بالقضية الفلسطينية والقومية والأمة العربية، بل أن الأمر بلغ لدى البعض ذروته عندما نفض يده عن القضية الفلسطينية معتبراً إياها شأن فلسطينياً ـ صهيونياً بحتاً لا دخل لهم فيه متناسياً أهمية الدور الحقيقي لفلسطين ــ مركز الصراع الكوني ــ وقضية الأمتين العربية والإسلامية المركزية، وأن تحرير فلسطين البوابة الحقيقية لتوحيد الأمة وتحريرها من قوى الاستكبار العالمي التي تعيث فيها فساداً وتدميراً وقتلاً لكل مقوماتها .
يحل علينا غداً الجمعة الأخيرة من شهر رمضان ذكرى يوم القدس العالمي، وحال الأمة العربية والإسلامية لا تحسد عليه، بعدما تكالبت عليها قوى الشرّ وأذنابها، ولعل هذه الذكرى التي أريد بها إحياء القضية الفلسطينية في قلوب الأمة تمثل محطة لمراجعة حساباتنا تجاه مركز الصراع العربي الإسلامي مع محور الشر في العالم المتمثل في المشروع الصهيوأمريكي والذي يعمل جاهداً على أن يمحو مركزية القضية الفلسطينية في العقل العربي الإسلامي من خلال عملائه الذين يمتلكون القوى والماكنة الإعلامية.
وينبغي علينا التأكيد في يوم القدس العالمي على أن القضية الفلسطينية مركز الصراع بين تمام الحق وتمام الباطل .. ولم تكون فلسطين في يوم من الأيام محور صراع أي جهة أو مذهب إسلامي مع الغرب بل محور صراع بين كل أطياف الأمة وكل أطياف الكفر والطغيان وقوى الشر في العالم، ففلسطين وحدها القضية التي يمكن لها أن توحد الأمة جمعاء إذا وجدت النية الصادقة لدى أصحاب القرار.
ومن الواجب على الأمة ككل التفاعل مع هذه الذكرى وتحويلها من مجرد إحياء إلى خطوة أولى في العمل على إسقاط المشروع الصهيوامريكي وقطع الطريق أمام كل من يسعى لجعل هذا اليوم محطة تفرقة وتقسيم في صف ووحدة الأمة .
لنتوحّـد بالقدس .. إن الله تعالى يريدنا أن نكون أمة واحدة لأنه لا يمكن لأي إنسان أن يشعر بالحرية ما لم تكن أمته موحدةً، ولا يمكن أن يشعر بالعزة والكرامة ما لم تكن أمته حرة عزيزة، إن أول شرط ليوم القدس هو أن نتوحد بالقدس، باعتبار أن القدس لا تمثل مجرد مسجد ومدينة ولكنها تمثل كل قضية تتصل بالإسلام ثقافياً وسياسياً وأمنياً.
إن القوم في كل تنوعاتهم القومية والسياسية وحتى المذهبية، كما هو الحال لدى اليهود الذين يذهبون مذاهب شتّى، نجد أنهم يتوحدون أمام القضايا التي يعتبرونها هدفاً لهم، فلماذا لا نتوحد أمام قضايانا ؟ القضية هي أن نجمّد كل خلافاتنا لنتوحد على القضية الكبرى، وأن نعمل لنطرد من داخلنا كل من يريد إغراق الأمة بالهوامش من النزاعات لأن هؤلاء يمثلون الطابور الخامس للصهيونية والاستكبار العالمي، إن القضية هي: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.

