بقلم/ أنور صالح الخطيب
على استحياء عادت العناوين التي تتحدّث عن قضيّة القدس والخطر الصهيوني المحدق بها تتصدّر بعض واجهات الصحف العربيّة ونشرات الإخبار في شبكات التلفزة والإذاعات.
الهبّة الإعلاميّة العربيّة لنصرة قضيّة القدس والمسجد الأقصى ما لبثت أن خفتت بفعل التطوّرات السياسيّة المتسارعة في أكثر من مأساة عربيّة فعادت قضيّة القدس ومؤامرات تهويدها إلى آخر الاهتمامات العربيّة والإسلاميّة.
موسم التضامن الشعبي العربي والإسلامي ما زال أيضًا موسميًّا ويتفاوت في سخونته بين فترة وأخرى فوقع عبء مواجهة مخطّط تقسيم المسجد الأقصى زمانيًّا ومكانيًّا بين المسلمين واليهود والذي قطع أشواطًا كثيرةً على عاتق أبناء فلسطين المحتلة عام 1948 الذين واجهوا بإمكاناتهم الذاتيّة القليلة وأكفّهم العارية قطعان المستوطنين المحروسين بشرطة الاحتلال ومنعوهم من استباحة ساحات الحرم الشريف.
مخطط الاحتلال (الإسرائيلي) الذي يستهدف المقدّسات الإسلاميّة مستمر تحت سمع وبصر الأمّة العربيّة والإسلاميّة التي ما زالت للأسف تتعامل مع قضيّة القدس بأسلوب ردّ الفعل لا الفعل والنتيجة أن مخطط التقسيم يتقدّم وردود الفعل تأتي على استحياء أو تخفت مع مرور الأيام.
الهجمة (الإسرائيلية) الأخيرة على المسجد الأقصى المبارك أنتج مصطلحات لم تكن مطروقة في الإعلام سابقًا فالخبث الصهيوني أدخل في الوعي العربي مصطلح التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى وربط ذلك بالتقسيم الذي جرى للحرم الإبراهيمي الذي يمنع الاحتلال (الإسرائيلي) المسلمين من الصلاة فيه في أوقات معيّنة ويمنع فيه أيضًا رفع الأذان للصلاة في هذه الأوقات فتقدّم الحديث عن التقسيم بديلاً عن التهويد أو التدمير كمقدّمة للتطبيق الفعلي لهذا التقسيم الذي أفشلته جموع الشعب الفلسطيني ولكن إلى حين.
اللافت أن الحديث عن التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى يأتي في الوقت الذي تجري فيه مفاوضات سرية بين الجانب الفلسطيني والاحتلال (الإسرائيلي) ينبغي أن تنتهي بانسحاب الاحتلال (الإسرائيلي) من المدن والبلدات الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها مدينة القدس التي يجب أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية ما يُؤشّر على عبثيّة هذه المفاوضات وعدم جدّيتها ويؤشّر أيضًا إلى أن حكومة الاحتلال (الإسرائيلي) تشتري الوقت وتُحاول أن تشتري أيضًا صمت الفلسطينيين على مخططاتها من خلال المفاوضات التي لا تزال تُراوح مكانها حسب تصريحات مفاوضين فلسطينيين.
لقد أخفق المستوطنون ومن ورائهم حكومة الاحتلال في فرض التقسيم الزماني للمسجد الأقصى وباءت محاولاتهم بالفشل نتيجة استمرار تصدّي المصلين وطلبة حلقات العلم وطلبة بعض مدارس القدس القديمة في المسجد لعصابات المستوطنين الذين لن يمنعهم شيء في المرّات المقبلة من اقتحام المسجد الأقصى. ما دامت ردود الفعل العربيّة والإسلاميّة لا تصل إلى مستوى المعركة المفروضة على الشعب الفلسطيني وعلى الشعوب العربيّة والإسلاميّة من ورائه.
لست في وارد جلد الذات أو تقريع الأمّة على تقصيرها لكن من اللافت أن الانتصار لقضيّة المسجد الأقصى ولمدينة القدس في المعركة الأخيرة والمستمرّة مع المستوطنين وحكومة الاحتلال اقتصرت على الشعب الفلسطيني في مدن الضفة الغربيّة المحتلة وفي قطاع غزة فقط ولم تحظ باهتمام شعبي إلاّ ما ندر أو اهتمام رسمي عربي عبّرت عنه بيانات الشجب والاستنكار كالعادة.
الاحتلال (الإسرائيلي) ماضٍ في مخططه التقسيمي والأمّة العربيّة والإسلاميّة مشغولة بهمومها التي لا تنتهي والإعلام العربي مارس دوره المعتاد في قضيّة القدس كناقل للحدث وليس مؤثرًا فيه أو موجهًا له وبالتالي فإن مهمّة حماية المسجد الأقصى وإحباط مشروع تقسيمه زمانيًّا أولاً ثم مكانيًّا المستمر ستقع على عاتق الشعب الفلسطيني الذي يُرحّب ولا شكّ بهذه المهمّة المقدّسة لكنّه يحتاج منّا جميعًا الدعم الحقيقي المادي والمعنوي ليتمكّن من إحباط المخطّط فمعركة الحفاظ على القدس ليست معركة الشعب الفلسطيني وحده بل معركة الأمّة العربيّة والإسلاميّة التي يجب أن تتعامل مع هذه المعركة بالفعل وليس بردّ الفعل أو على استحياء فالمسجد الأقصى في ديننا عقيدة وليس مجرّد مسجدًا تُؤدّى فيه الصلاة..!

