أبو مصباح يكشف لـ"الاعلام الحربي" أين اختبأ أبطال معركة الشجاعية طوال فترة مطاردتهم

الخميس 10 أكتوبر 2013
الاعلام الحربي - خاص
 
ستة وعشرون عاماً مضت، ولازال الغموض يكتنف الكثير من التفاصيل المتعلقة بعملية الهروب الشهيرة من سجن غزة المركزي وما تلاها من أحداث غيرت مجرى التاريخ كله. فكم هي الأسئلة التي تدور في أذهاننا وتبحث لها عن أجوبة، أين اختبئوا فور هروبهم من سجن غزة المركزي ؟، فيمن اتصلوا ؟، ومن وفر لهم المأوى و السلاح؟، وعدد الذين التحقوا بهم في تلك الفترة العصيبة؟، وما هي العمليات التي نفذوها ضد جيش الاحتلال ومستوطنيه؟، وهل فعلاً كان الشيخ مصباح يعد العدة لتشكيل جيش إسلامي يقاتل على ارض فلسطين في ذلك الوقت؟، وهل حقاً قررا المجاهدون نقل نشاطهم العسكري إلى داخل الضفة الغربية؟، وغيرها من الأسئلة يجيب عليها الشيخ المجاهد "أبو مصباح"  الذين كانوا برفقة المجاهدين طوال فترة مطاردتهم.
 
حكاية .. بطولة مزروعة فينا
تحدث أبو مصباح بإسهاب عن رحلة المجاهدين الصعبة والقاسية بعد هروبهم من سجن غزة المركزي، قائلاً :" قضى المجاهدون الأطهار ليلتهم الأولى في إحدى حقول البرتقال، في اليوم التالي تمكن محمد الجمل من الاتصال بي، فتوجهت على الفور بسيارتي الخاصة إلى المكان الذي تم وصفه لي، ومكثت معهم بضعة من الوقت، حيث طلبوا مني نقلهم إلى منطقة بيت حانون، فتم الاتفاق على ساعة المساء للانطلاق ..".
 
وتابع حديثه قائلاً:" في ساعات المساء أحضرت معي سيارة أخرى من نوع( فيت)،وطلبت من الأخ الذي رافقنا السير  بها أمامنا وعند شعوره بأي خطر أو مشاهدته لأي حاجز عسكري، الإضاءة  بشكل متكرر من الغماز الخلفي، عندها كنت أدخل في شارع فرعي لحين عودته، وهكذا حتى وصلنا إلى منزل الشهيد القائد بالجهاد "عبد الله السبع"، الذي استقبلهم بحفاوة منقطعة النظير، فمكث المجاهدين في منزله بضعة أيام، من ثم لدواعي أمنية تم البحث لهم عن شقة سكنية في وسط مدينة غزة "، مؤكداً ان قيادة حركة الجهاد الإسلامي في تلك الفترة خيَّرتهم بين الانتقال إلى الخارج أو البقاء في فلسطين، فاختار كلاً من مصباح الصوري، ومحمد الجمل، وسامي الشيخ خليل  البقاء مرابطين على ارض الوطن، مجاهدين في سبيل الله، حتى يكتب الله لهم إحدى الحسنيين "النصر او الشهادة" .
 
وأكمل حديثه" بفضل الله تعاون الإخوة المجاهدين معنا تمكنَّا من إيجاد شقة سكنية لهم في الطابق الثالث في عمارة الدحدوح، مكثوا فيها، إلى أن مكن الله سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل من قتل ضابط استخبارات عسكري كبير يدعى ( رون طال)، وذلك أثناء سيرهم في شوارع غزة في وضح النهار، حيث لاحظوا سيارة متوقفة في الازدحام يقودها مستوطن، فأجرى الاثنين فيما بينهم قرعة من يتولى المهمة نظراً لأنه ليس معهم إلا مسدس واحد وبه ست طلقات، فوقع الاختيار على سامي، الذي توجه إلى الجندي، وبدأ يطلق النار على الضابط الصهيوني الذي تصدى بقدمه لأربع رصاصات فيما استقرت الرصاصة الخامسة في رأسه فاردته قتيلاً"، لافتاً إلى أن الشهيدين بعد تنفيذهم للمهمة الجهادية عادا إلى الشقة مشياً على الإقدام، حيث كان ذلك اليوم عيد الأضحى المبارك.
 
واسترسل قائلاً :" على اثر مقتل الضابط الصهيوني بدأ الجيش بمحاصرة المنطقة بكاملها، وبتضييق الخناق على المجاهدين، فاضطررنا إلى نقل المجاهدين إلى شقة أخرى بمنطقة الشجاعية من خلال اتخاذ طرق التفافية طويلة"، مشيراً إلى مفارقة عجيبة وهي أن جنود الاحتلال صعدوا إلى سطح عمارة الدحدوح أثناء وجود المجاهدين فيها، للمراقبة.
 
وأكد أبو مصباح إلى انه كلما جلس مع نفسه وتذكر تلك الأيام تصيبه الدهشة، ومؤكداً انه لولا فضل الله ومعيّته وحفظه لهما لما عاشا المجاهدين الأطهار كل تلك الفترة والتي استمرت لأكثر من خمسة أشهر مطاردين ومهددين ، ومؤكداً انه لا يتمنى في حياته إلا أن تعود به الأيام والسنين إلى تلك الفترة التي عاشها من المجاهدين الأخيار، رغم أنه اعتقل في سجون الاحتلال وقضى من عمره أربعة عشر عاماً بسبب مساعدته لهم.
 
ونوه أبو مصباح إلى انه خلال فترة المطاردة أشرف على تدريب المجاهدين بحكم خبرته التي اكتسبها خلال فترة انضمامه للمجموعات الفدائية، على مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة في منطقة "الصرصورية" شرق حي الشجاعية، مؤكداً إلى أن الشهيد مصباح الصوري باع مصاغ زوجته واشترى به سلاح " كلا شنكوف"، تمكن بعد أيام من قتل ضابط صهيوني متقاعد برتبة لواء، في منطقة شمال غزة في وسط جباليا.
 
وقال أبو مصباح :" بعدما توفر للمجاهدين السلاح بمساعدة رجل كلفه الشهيد الدكتور  فتحي الشقاقي الذي كان معتقلاً ، قرروا تنفيذ عدة عمليات عسكرية، كان منها الهجوم على جيب "بور" في طريق الوسطى ولكن خلل في التكتيك حال دون التنفيذ في اللحظات الخيرة، كما خطط المجاهدين للهجوم على موقع عسكري شرق حي الشجاعية وقبل ساعات محدودة من التنفيذ تم رفع المواقع العسكرية جميعها بصورة مفاجئة". لافتاً إلى مدى حرص المجاهدين على إعداد تدريب عشرات المجاهدين رغم الظروف الصعبة التي كانوا يعيشوها بسبب الملاحقة المستمرة لهم، حيث أشرف على تدريب أكثر من خمسين مجاهداً.
 
ولفت إلى أن السبب الرئيس الذي دفع الشهيد مصباح إلى اتخاذ قرار السفر إلى العريش لشراء كمية من السلاح هو رغبته في تجهيز جيش إسلامي قوامه نحو أربع مائة مقاتل من خيرة أبناء شعبنا الفلسطيني، غير أنه وقع  في كمين أصيب على أثره بعد اشتباك مع جيش الاحتلال، من ثم تم نقله إلى أقبية التحقيق إلا انه فضل الموت شهيداً عن الإدلاء بأي معلومة تفشي عن مكان وجود رفاقه وأماكن تدريبهم.
 
وكشف أبو مصباح  عن مخطط وضعه المجاهدين في ذلك الوقت لنقل عملياتهم إلى داخل أراضي الضفة الغربية الأكثر اتساعاً وعمقاً وقرباً من فلسطين المحتلة عام "48"، ولكن أجهزة المخابرات الصهيونية التي استطاعت أن تستغل بعض الثغرات الأمنية تمكنت من رصد تحركات المجاهدين والوصول إليهم.
 
الاستشهاد
وفي السادس عشر من تشرين كان موعد الأقمار مع الله.. كان هذا اليوم هو المحطة الأخيرة في حياة الشهداء.
 
لقد كمن رجال المخابرات للمحاربين وقبل وصولهم لموقع الكمين تنبه الشهيد سامي الشيخ خليل والشهيد المجاهد محمد الجمل لهم وبادروا بإطلاق النار حتى سقط ضابط المخابرات (فكتور أرغوان) قتيلاً واستمرت المعركة مدة نصف ساعة جابت خلالها الطائرات والجيوش المدرعة بالسلاح.
 
نعم ارتقى أربعة أقمار "محمد وزهدي وسامي وأحمد أولهم محمد الجمل" الذي أصر وحتى آخر أنفاسه أن يدافع عن حل الأمة.. فارتقى شهيدنا مستبشراً بالذين لم يلحقوا به.