لأنك لا تعرف العيش إلاّ حساماً ..... ولا تعرف الموت إلاّ شهادة
سيقرئك القادمون على كل لحظهْ صدق ..... و يرسمك الطالعون خطوط إرادة
فتحي الشقاقي, ماذا عسانا نقول ونحن في محراب صدقك, وفي خندق إرادتك, نفتقدك أم نشتاق إليك؟ وفي كلا الحالين صدق, فنحن نشتاق إليك أخا ومناضلا مجاهدا, ومعلما قائدا, رقيق القلب إنسانا, ونفتقدك كأشد ما يكون الفقد, لأن المتغيرات الكونية التي حدثت بعدك وثقل تأثيرها المضاعف على شعبنا وأمتنا وقضيتنا، جعلت من كل ما غادرتنا عليه من تعقيدات ومؤامرات وصعاب, لا تشكل غير جزء يسير مما نحن عليه اليوم, والذي يحتاج لأكثر من جهدنا وجهود كل الذين غادرونا باكراً حتى يبقى الاشتباك مع العدو مستمراً. فنحن نشتاق إليكم دوما وفي هذه المواقف الصعبة نفتقدكم جميعا وتعيشون في ذاكرتنا باستمرار.
كيف لا ونحن في ذكرى الرجل الذي نقل التيار الإسلامي في فلسطين من المساجد إلى الخنادق, وقام بتصحيح وضع القضية الفلسطينية من منظور إسلامي كقضية مركزية للأمة الإسلامية، لا يجوز أن تقارن بأي قضية أخرى أو أن يتم ربط تحريرها بقيام الدولة الإسلامية, وبذلك قدم فهماً جديداً للهوية والوطن كان مغيبا في الإطار الإسلامي العام قبله, وهو أول من قدم فهماً ثورياً من الإسلاميين لطبيعة الصراع في بلادنا، وأنه صراع حضاري له جوانب عقدية وثقافية وإستراتيجية وعسكرية وسياسية واقتصادية, وليس صراعا دينيا مع إتباع الدين اليهودي بل هو صراع مع الصهاينة الذين يحتلون فلسطين لكونهم محتلين وليس لكونهم يهود.
وبنظره الثاقب أدرك الشقاقي - على عكس غيره - أن العلاقة بين الحركة الصهيونية والغرب (أمريكا) هي علاقة شراكة وتحالف وليست علاقة تبعية بالمعنى الضيق للمفهوم (أداة)، بل هي شريك حقيقي مهما بدت كشريك صغير, وفي صراع امتنا مع الغرب. فقد أدرك كذلك أن قوى الأمة التي تتبنى الإسلام وتدافع عن نفسها تمثل الحق وأن الغرب المعتدي يمثل الباطل. فالصراع مع الغرب هو صراع بين الحق والباطل.
في ذكرى رحيلك يا سيد شهدائنا يصعب علينا تحديد أي فتحي الشقاقي نفتقد, القائد والمفكر الناجح, على مقاعد الدراسة, في السجن, في العمل أو في الوسط الاجتماعي والمخيم، ومكان الإقامة والسكن، أو في المنافي والشتات، بعد جريمة إبعادك خارج الوطن. أم رجل التنظيم الذي صنع انتفاضة وأسس لثورة مسلحة تخرج من المساجد. تحمل فيها الأيدي المتوضئة البندقية بيد, والمصحف باليد الأخرى, ويرسم قادتها ومجاهدوها بدمائهم وأشلائهم المتفجرة حدود الوطن ومعالم طريق نصر الأمة.
أم أننا نفتقد ذلك الصحفي النهضوي والداعية الثوري المثابر على إيصال صوت الإسلام الثوري وهو في بداياته إلى أبعد مدى, من مجلة الحائط إلى مجلة النور إلى الطليعة وغيرها, هذا الداعية الثوري الذي يرعى البندقية في فلسطين وعينه على نهضة الأمة, المؤمن بأهمية التقدم العلمي والمعرفي والتكنولوجي في الصراع مع العدو, وفي تحقيق الاستقلال والتخلص من التبعية للآخر, وكان شعاره "الأمم الحرة هي التي تأكل مما تنتج". وهو المؤمن بأهمية تنمية المجتمع وتطويره بهدف تحقيق التنمية الوطنية الشاملة في شتى مجالات الحياة الإنسانية لإحداث عملية التغيير في واقع الأمة.
أم ترانا نفتقد فتحي الشقاقي السياسي الذي أدخل كلمة إسلامي - التي كانت غائبة قبله - إلى كل وثائق ومحاضر العمل الوطني الفلسطيني, ورجل العلاقات الذي جمع على فلسطين كل المختلفين من العرب والإسلاميين, أم ترانا نفتقد ذلك الرجل الودود القريب من القلب المبتسم دائماً, فتحي الشقاقي الإنسان؟ لا شك أننا نفتقدهم جميعاً. فتحي الشقاقي في ذكرى استشهادك ..... سلام عليك.

