دراسة:إدارة الدولة الحديثة في فكر الشهيد الشقاقي

الأحد 27 أكتوبر 2013

إدارة الدولة الحديثة في فكر الشهيد الشقاقي- بقلم: عبد الرحمن ربيع شهاب

مدير مركز أطلس للدراسات والبحوث

 

1. المقدمة:

 

لقد جاء الحديث حول المصطلحات الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي متزامناً مع الحملات الأوروبية على العالم الإسلامي كما أن قضية المرأة والتي جاء إنصافها في الفكر الغربي متأخراً إلا أنها أُلحقت إلى مشروع خلق حالة التحدي التي تزامن فيها التفوق الحضاري الغربي مع عصر الانحطاط الإسلامي.

 

وقد طرح د. فتحي الشقاقي مجموعة من الأسس للتعامل مع هذه المرحلة التاريخية من حياة الأمة الإسلامية ومن أهم ما طرحه هو ضرورة تجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث، ولذلك وفي ذكرى استشهاده اردت ان اوفي الشهيد المفكر بعضا من حقه وذلك بان ابين حقيقة بعض ما طرحه ولذا رايت أن أبحث من خلال الإجابة على سؤال بحثي كيف يرى د. فتحي الشقاقي تجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث في موضوع الديمقراطية وكذلك المرأة؟

 

فلقد قررت في بحثي هذا أن أبحث في الإنسان المفكر وأبتعد قليلاً عن الإنسان التنظيمي الذي كان يصرخ فينا من منفاه كي نعمل للقضية المركزية وإبقاءها محوراً مشتعلاً يستنهض الأمة ويوحدها من خلال فلسطين.

 

إنني أفترض في إجابتي على هذا السؤال المطروح أن د. فتحي الشقاقي حلق في رسم الصورة التي لا يمكن إلا أن يصل إليها العالم الإسلامي لأن تجاوز هذه الأزمة هو شرط للنهوض وهو من خلال العودة إلى منابع الإسلام الأصلية. فأكشف من خلال بحثي هذا أن د. فتحي الشقاقي قبل أن يتجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث تجاوز أزمة الموروث الثقافي الإسلامي الحالي الذي لم يكن موروث حضارة بل ميراث عصور انحطاط وتخلف لا يمكن أن تبدأ دوره العالمية الثانية بدون تجاوزها ولا يمكن أن تكون أبداً ميراث مرحلة الحكم العضوض أساساً لبناء مشروع خلافة راشدة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء كما واستبشر فيها الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ولا يمكن أبداً للمبنى التنظيمي والسياسي الذي انتصر عليه الغرب وأُقيم على أنقاده مشروع إفساد بني إسرائيل الثاني أن يكون نفسه المبنى الذي يشكل أساس الانتصار عليهم هكذا ستجد د. فتحي الشقاقي يرجع في التاريخ لاستخلاص العبر ويتجاوز الانحطاط الحالي ليرقى بمشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. لا شك أن مشروع تأسيس حركة الجهاد الإسلامي كان ينظر إليه د. فتحي الشقاقي على أنه البداية لزرع بذرة هذا المشروع لكن هناك سؤالاً سيبقى مطلوباً الإجابة عليه وهو:

 

ما هو المبنى التنظيمي والسياسي المطلوب من حركة الجهاد تكوينه كي تصبح قادرة على استيعاب كل ما طرح د. فتحي الشقاقي؟

 

هذا ليس مجال بحثي هنا ولتكن دعوه لغيري للإجابة على هذا السؤال.

 

الفكر السياسي المحيط

كي تكون على بصيرة من الأمر الذي نتحدث عنه ولكي نحدد المصطلح بشكل دقيق أردت أن أعرّف مجموعة المصطلحات التي أراد د. فتحي الشقاقي تجاوزها والتي تمثلت في التحدي الثقافي والفكري الحديث.

 

الحقيقة ان الغرب سبقنا الى الاجابة الحديثة على الاسئلة العميقة وضع اسسا للتعامل مع القضايا الاساسية مما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة وفي موضوع المرأة وعلاقة المجتمع بالدولة وتوزيع قوة السلطة وهذا جعل التحدي بالنسبة لن أشد وأعظم لان هذه المرحلة من عمر الغرب لم تمر علينا في عصور الترف الفكري والازدهار الثقافي بل امسكت بنا عراه من الفكر والثقافة مجردين من الحضارة وحتى من شروط الانسانية التي تتعلق بحب الآخر والرحمة بالمرأة والتسامح الديني ومجردين من كل فهم لرسالة الاسلام

 

من هنا وبسبب ضعفنا الثقافي اقتحمت الثقافة الغربية علينا (ديننا) الذي لم يعد ديننا بل حولنا الى انماط حياة ليس لها علاقة بالدين

 

ولذلك وللحديث حول الشقاقي واسئلة الفكر السياسي لا بد من معرفة الفكر السياسي في المحيط مما طرحه الغرب والاسلاميون لنرى المنطقة التي يقف فيها الشقاقي.

 

أولاً: مركبات الفكر السياسي الغربي

 

أ. الديمقراطية الليبرالية:

 

الديمقراطية الليبرالية خرجت من تحت يدي جون لوك "john Locke" وجيمس مديسون "James Madison" وقد رأت في الدولة سلطة عليا بينما المجتمع هو سوق أو شبكة العلاقات بين الأفراد وفي مفهومها فإن الليبرالية تقدم مصالح الأفراد والتي تراها مجتمعه بمثابة الإرادة العامة ومصلحة المجتمع (habermas,1996.21).

 

ففي نظر الليبرالية تعتبر الديمقراطية أداه لتحصيل مجموع مصالح فردية ولا تعتبر أن من حق الدولة تحديد المصلحة العامة إلا ضمن رؤية لحساب مصالح الأفراد متراكمة فهي ركزت على المعنى الضيق للمصلحة الفردية.

 

كما اعتمدت مفهوم توزيع القوة (power) من خلال إضعاف قوة الدولة أمام المجتمع وعدم سيطرتها عليه أما تعريف المجتمع فليس هناك مجتمع لدى الليبرالية بل مجموعة مجموعات تتدافع لكسب مصالحها الذاتية (barber,1984.143) اعتمدت الليبرالية مبدأ العلمانية حيث فصلت الدين عن الدولة وتعاملت مع حرية الأديان بشقيها حرية التدين وحرية عدم التدين فلقد وضعت الأديان ضمن جماعات التنافس من خلال فهمها للتعددية الدينية ولكن بعيداً عن الدولة من هنا نجد أن الليبرالية في العالم العربي الإسلامي اصطدمت بثقافة المجتمع المسلم من عدة نواحي فهي أولاً عرفت الإنسان ضمن مصلحته الأنانية فقط وهذا يتناقض مع الفهم الإسلامي الذي يرى في الإنسان المركب من الروح والطيف "وهديناه النجدين" (البلد 10)، "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" (الشمس 8-7).

 

كما أنها اصطدمت بفهمها للمشاركة السياسية والتمثيل السياسي حيث اعتبرت الليبرالية هذه المشاركة شر لا بد منه من خلال اعتبارها أن العقد الاجتماعي ليس هو الوضع الطبيعي وهذا يتناقض مع الفهم الديني المعتمد على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" والفهم الإسلامي بوجوب إيجاد رئاسة الدولة كفرض كفائي، وأما التمثيل السياسي فقد اعتبرت أن الإنسان السيئ يختار الأصلح وهذا يتناقض مع الفهم الإسلامي "كيفما تكونوا يولى عليكم" أما مسألة تعريف الأمة على أنها مجموعات تعمل لمصالحها الذاتية فهذا لا ينسجم مع مفهوم وحدة الأمة والدين الذي يرى في الإنسان يفضل المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية.

 

أما مسألة توزيع القوة فإن هذه المسألة التي تتوافق مع الإسلام وقد حلها الإسلام بشكل أفضل من الليبرالية من خلال فصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية على طول التاريخ الإسلامي – على الرغم من الشائبات – ونزع التعليم من يد الدولة حيث أن أهم ما فعله الإسلام هو حل مشكلة القوة power وذلك بعدم تركيزها فالإسلام نزع من الدولة أنيابها التشريع والتعليم والسوق ووضع ركيزة الوقف، الأمر الذي دمرته الدولة القطرية الحديثة في بلادنا.

 

ب. الديمقراطية الإجرائية:

 

إن أول من تحدث عن الديمقراطية الإجرائية شمبتر "Schumpeter" وتم توسيعها فيما بعد على يد داهال "dahal" وكلاهما اعتبرها مجموعة من الإجراءات تهدف إلى تسليم السلطة إلى طرف يدير شؤون البلاد يتم اختياره من قبل الشعب وقد وضع لها سبعة شروط:

 

1. إعطاء السلطة للموظفين المنتخبين (Schumpeter 1993.49).

 

2. إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

 

3. كل الشباب لهم الحق في الترشيح.

 

4. كل الشباب لهم الحق في الانتخاب.

 

5. حق المواطن التعبير عن رأيه بحرية.

 

6. حرية المعلومات وحفظها حسب القانون.

 

7. حرية الأحزاب السياسية والتجمعات لكل المواطنين.

 

ويرى شمبتر أن أهم مميزة من مميزاته الديمقراطية الإجرائية هو انتخاب الممثلين في العملية السياسية واعتبر أن هذا الأمر مقتصراً على بناء منظومة إدارية للحكم.

 

ولا يعتبر الديمقراطية عقدية شاملة (محمد بشير الخضراء 447) كما أن شمبتر أيضاً لا يعتبر أن هناك تناقض بين الديمقراطية والدين ولا يرى مانعاً من تعريف الجماعات السياسية لنفسها بأي طريقة تشاء ويؤكد على أن الدين لا يتناقض مع الديمقراطية (رجا بهلول 60-61) هذا المفهوم الذي يعتبره الغنوشي ناقص حيث يرى أن الديمقراطية الإجرائية خاوية من القيم وأن الغرب قد ملأ الديمقراطية بقيمة ولذلك يعتبر أن من المناسب أن نملأها بقيمنا الإسلامية والمقصود هنا بالديمقراطية الإجرائية وليس الليبرالية.

 

وكذلك فإننا نجد أن ديمقراطية شمبتر الإجرائية تتنازل عن اعتبار العلمانية مركب أساسي من مركبات الديمقراطية وذلك لأنه يعتبر أن الديمقراطية تطورت في الغرب بموازاة تطور العلماني ولذلك فإن العلمانية ليست شرطاً ملازماً لتطبيق الديمقراطية (Quinn, 1997.256).

 

ت. تطور قضية المرأة في الفكر الغربي:

 

مفكرو العقد الاجتماعي في القرن الثامن عشر أكدوا على إنهاء سلطة الأب وذلك لأن جون لوك رأى أن السلطة المطلقة استمدت شرعيتها من الدين المسيحي الذي أعطى البابوية حق تمثيل إرادة الآلة على الأرض وهذا عَكَسَ نفسه على فهم العمل السياسي الفلسفي والديني من خلال سلطة الرجل وذكورية المناهج.

 

انطلق لوك في نقده لهذه السلطة من خلال نقده لروبوت فلمر (robot filmier) والذي تبنى فكرة الأبوية فقد ركز لوك على نقد النص التوراتي في وصيته للإنسان "بأن تحترم أباك" معلقاً أن النص "وأن تحترم أباك وأمك" وهكذا ينسف فكرية الأبوية ولكن لوك بعد أن استخدم ذكر احترام الأم في التوراة لنسف السلطة المطلقة لم ينسف السلطة المطلقة للأب في العمل السياسي على عائلته. وهذا يؤكد كم كانت المرأة خارج الفكر السياسي والفلسفي لدى لوك وأكثر ما توصل له هو إعطاء المرأة دور داخل العائلة من خلال إطلاق مصطلح "مملكة المرأة" ومنع الرجل من التدخل في المجال التربوي في المنزل وهكذا يبقى الرجل يمثل العائلة في الفعل السياسي أما جون جاك روستو فقد حدد دور المرأة في كتابه "Emilius" بأن المرأة تعيش في عالم آخر يمثل إمبراطورية النعومة وأن عنوانها الشكوى وأوامرها ناعمة وتهديدها لا يعبر إلا عن اندفاعات عاطفية وأكثر من ذلك فقد حَرَم المرأة من حق تعليم أبناءها واعتبر الابن الأحسن هو لدى الأب الأحسن والزوج الأحسن هو المواطن الأح

 

وفي كتابه "the social contract" اعتبر أن علاقة الرجل بالمرأة علاقة غير مسيطر عليها لأن المرأة مُشَكَلة بطريقة خاصة فقط لإمتاع الرجل حيث عنفها يعكس إغواءها وتواضعها يشكل قِناعها ورغباتها ليست لها حدود.

 

أما هوبس فقد اعتبر أن الفكر السياسي ليس من وظيفة المرأة ولذلك يجب أن تكتفي بتعليم سطحي فقط والتعليم اعتبره روستو ليس مهماً لها.

 

أما آدم سميث فاعتبر أن تعليم المرأة هو من باب الترف الذي لا فائدة منه.

 

• حركات مساواة المرأة "feminism":

 

منذ نهاية القرن الثامن عشر بدأ الحديث عن ضرورة إعطاء المرأة وظائف تتناسب مع التغير البيولوجي لها عن الرجل وهكذا ناضلت المرأة ضد المؤسسة الرجولية لأكثر من قرن والتي وصلت قمتها بتحقيق حق الانتخاب لها والذي كان حقاً رسمياً يخلو من أي جوهر يرتبط بالفعالية السياسية فالمقارنة مع الأساس الفلسفي للدولة الحديثة الناشئ عن العقد الاجتماعي فنجد أن جميع ما حصلت عليه المرأة من حقوق ليس له أساساً فلسفياً بل نتيجة متغيرات ظرفية وفي بعض الأحيان كانت حاجة الرجل لخروج المرأة مثلاً للعمل هو الذي أعطاها حق العمل على إثر الثورة الصناعية وزيادة متطلبات سوق الخدمات والحاجة لقوى عاملة أكثر والتي وضعت المرأة تحت رحمة صاحب العمل.

 

كما أن حق الانتخاب للمرأة التي حصلت عليه نهاية القرن 19 بداية بنيوزيلاندا وفنلندا هي دول ليست في المركز الأوروبي بل منعزلة أو الأكوادور في الجنوب الأمريكي ففي أغلب الأحيان حازت المرأة على حق الانتخاب لظروف محلية ارتبطت بتشجيع نساء مستوطنات أو تغير فجائي في النخبة السياسية وليس كحق مجرد لها كامرأة ناهيك من حقوقها في العمل التي حصلت عليها نتيجة متطلبات أطفالهن وليس لأجلهن هن.

 

باختصار كلما كان هناك حاجة للمرأة في مكان ما كانت تتقدم لتسد ثغرات ومن أجل منافع استهلاكية وليس ما تقدم للمجتمع كامرأة وكأنثى كما أنه ليس كحاجة لإكرام نصف المجتمع الذي تمثله ولذلك كان دورها يقع في مزاحمة الرجل والاحتكاك به في مكان عمله.

 

3. الموروث الثقافي الإسلامي في فكر د. فتحي الشقاقي:

 

أربعة عشر قرناً من التراجع في الفكر السياسي الإسلامي الذي بدأ بالتحول في نظام الخلافة من راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض، جعل المفكرين الإسلاميين والحريصون على الأمة يضعون الحلول للمشكلات التي تواجه الملك العضوض ولعّل هذا ما جعل الماوردي يشكل نقطة تحول فاصلة في وضع أسس واقعية تتنازل عن التطلع للمُثل الإسلامية في بناء منظومة سياسية إسلامية قادرة على استيعاب الأيدلوجية الإسلامية، فأسس لمبنى نظام يقر بولاية الاستيلاء التي تعترف بشرعية السلطان المتغلب.

 

وتعتبر الأهم من طريقة تعيين السلطان هي أن يكون ملتزماً بحماية الأمة هذا المفهوم الذي وضعه الماوردي لمرحلة معينة في التاريخ الإسلامي ما زال سائداً إلى يومنا بل الأخطر أن جيلاً من الحركة الإسلامية ما زال يراهن على هذا النمط من القيادة والنظام السياسي كما أوضحه د. فتحي الشقاقي.

 

في دراسته التاريخ لماذا (د. فتحي الشقاقي تشرين أول 83) فهو يعتبر انه عندما هزمت أمتنا تلك الهزيمة الصدمة على يد نابليون بونابرت الذي هاجم أمتنا في ظل منتهى عجزها عن الاجتهاد والتجديد فيما الغرب كان يمر في قمة تفوقه الحضاري فقد كانت تلك الحملة هي أخطر التحديات التي واجهها العالم الإسلامي منذ ظهوره (نفس المصدر) فلم يكن العالم الإسلامي بعمومه فقط يعيش هذا الغياب بل الكثير من الحركات الإسلامية أيضاً عاشت هذا الغياب عندما لم تدرك الشرط الموضوعي الذي تحدث عنه د . فتحي الشقاقي والذي يفترض من أمة هزمت أن تهب لتبحث من جديد في شروط وجودها وتدرس تاريخ أمتها الممتد تحلله وتنتقده وتعيد الترتيب والصياغة لتتعرف على مواقفها الحالية، ثم تنطلق إلى آفاق المستقبل (نفس المصدر).

 

فلا يكفي أن تقدم الحركة الإسلامية شهداءها في الدفاع أمام الغزو لتأكيد أصالتها وإن كان هذا إنما يدل على القدرة والعزة لهذا الدين على التجاوز والفعل فبالرغم من الدور العظيم الذي قامت به الحركة السلفية في تشكيل أول الرد على التحدي الغربي فقد كان من الصعب عليها أن تتجاوز أزمة التحدي الغربي الحديث وذلك لتخلفها عن إدراك الشرط الموضوعي الأمر الذي أدى إلى فقدهم لسلاح مهم وخطير في المعركة الكبرى (نفس المصدر).

 

أكثر من ذلك يرى د. فتحي الشقاقي أنه لا يمكن أن تكون الحركات الإسلامية أدركت الشرط الذاتي لوجودها إذا لم تدرك الشرط الموضوعي بل ستبقى تعيش حالة الاغتراب ودوامة انهيار القيم وفوضى المفاهيم ومن ثمّ اليأس في أحيان كثيرة (نفس المصدر).

 

وهكذا لم تستطع إيقاف النكسات لتصحو على نكبة 67 ولتصحوا أمتنا على نعي مرحلة بأكملها نهاية قاسية قادت إليها مرحلة طويلة من التبدد والضياع (نفس المصدر).

 

من المؤكد لدى د. فتحي الشقاقي أن عدم إدراك الشرط الموضوعي وعدم دراسة التاريخ وعدم النقد وعدم العودة إلى الأصول الإسلامية بمعنى إعادة البعث الإسلامي على الأرض كان عاملاً حاسماً في استمرار الضياع والغياب فكانت نتيجة طبيعية أن نرزح تحت وطأة التحدي الغربي الحديث طالما لم تتجاوز أزمة التراث وأزمة العقل المسلم الذي أفقد إرادة النهوض والتحدي من خلال بناء ثقافي وسياسي لم يكن ميراث حضارة بل ميراث تخلف وانحطاط.

 

وسوف يبقى هذا الضياع ما لم نتجاوز ذلك بالعودة إلى التاريخ في أن المبنى السياسي والثقافي الذي هزم أمام الهجمة لا يمكن أن يكون صالحاً لعملية العالمية الإسلامية الثانية لا يمكن أن يكون موروث الحكم العاض صالحاً لبناء خلافة راشدة على منهاج النبوة ولا يمكن لفتاوى علماء واجهوا

 

إشكاليات بناء إسلامي يتهاوى أن تستنسخ نفسها لإقامة المشروع الجديد ومن جديد فليس من الحكمة أن نتحدث عن فتوى الإمام أبي حامد الغزالي بخصوص تفضيل سلطان ظالم مئة عام على عام بدون سلطان ونحن نعيش غياب سلطان لا يعترف بالإسلام ليس منذ عام بل منذ مئة عام ونحن نعيش مرحلة الحكم الجبري لذلك لا شك أن على الحركة الإسلامية التي تسعى لإعادة البعث الإسلامي أن تكون قادرة على بناء مشروع يواجه التحدي الغربي المعقد كي يستطيع أن يسحب البساط الحضاري من تحت أقدامه لصالح أمة تملك منظومة من القيم تستطيع أن ترث الدورة الحضارية من بعده فلا يمكن أن تنتظر انهيار المشروع الغربي برفع شعار الإسلام هو الحل بدون أن تقدم إجابة للسؤال القائل: كيف سيكون الإسلام هو الحل من خلال تجاوز عقد الماضي من تاريخنا وتراثنا وتجاوز أزمة التحدي الفكري الغربي من خلال مواجهته بالإجابة الفكرية على الأسئلة التي عجز عن الإجابة عليها.؟

 

4. صدام الفكر الغربي الموروث الثقافي:

 

لقد كانت الحملة الصليبية التي قادها نابليون هي نقطة البداية في أخطر التحديات التي واجهها الوطن الإسلامي منذ ظهوره (نفس المصدر) فمنذ تلك اللحظة حتى الحرب العالمية الأولى كانت مرحلة تدمير الحائط الإسلامي الصلب الذي يمنع الغرب من السيطرة على مكامن الثروة في العالم ويشكل تهديداً أصيلاً له ولقيمه وبنيان نظامه ولذلك استخدم حرابه العسكرية وبعثاته التبشيرية ومدارسه العلمانية ضمن هذه الهجمة العريضة والمتواصلة وكان أخطر أدواتهم بناء المجتمع الذي هزموا روحياً وفكرياً وعملوا كأداة لعلمانية الغرب وأطروحاته السياسية القومية وبالذات ضد وطنهم (فتحي الشقاقي, يوليو 1980)، لقد جاء الغرب ليقدم للعالم الإسلامي وصفته التي صلحت لواقعه في النهوض، في

حقوق النشر محفوظة لدى سرايا القدس - الإعلام الحربي © 2025