افتتاحية صحيفة الاستقلال
تزامن خطاب أمين عام حركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان عبد الله شلَّح إلى الشعب الفلسطيني مع ذكرى معركة الأيام الثمانية حمل دلالة هامة في توقيته فهو كان احد ابرز القيادات التي خاضت الجانب الآخر من هذه المعركة على الصعيد السياسي واستطاع من خلال الاتصالات التي أدارها في القاهرة مع القيادة المصرية إخراج صورة الانتصار النهائي لها بتحديد موعد وقف النار والشروط التي تضمنها بتهدئة تلاشت مسالب التهدئات السابقة بوقف الاغتيالات ورفع الحصار عن القطاع برا وبحرا وقف التوغلات والاجتياحات.
لم يكن غريبا في ذكرى معركة السماء الزرقاء أن تحتل هذه الموقعة حيزا مهما في خطاب شلَّح بإشاراته المتعددة إلى المقاومة كخيار أصيل للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال واحد مرتكزات الإستراتيجية الوطنية الجديدة التي يطالب بصياغتها بعد فشل مشروع الدولة في حدود 67، وهي المقاومة التي أبلت بلاء حسنا وفاجأت العدو وأضافت بعدا مهما في الصراع معه حينما أطلقت صورايخها نحو (تل أبيب).
لم يخلُ خطاب الدكتور شلَّح من ضرورات مراجعة للنفس في مواجهة الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وما آلت أليه أوضاعه في ظل الانقسام وربما كانت الإشارة المهمة إلى صعوبة الجمع بين السلطة والمقاومة وما تفرضه الأولى من قيود وتبعات تجعلها عقبة تحد من فعل المقاومة وتفرض عليها معادلات لا تقبل بها، كما ان حديثه عن القدس المحتلة التي تتعرض إلى النهب المتواصل من قبل الاحتلال كان ذا مغزى وهو يقارن بين فعل الاحتلال والفلسطينيين بقوله" أننا في مسألة القدس أمام اختلال ميزان بين سلوك الاحتلال وسلوكنا تجاه القدس"، وهو السلوك الذي يحتاج إلى مراجعة وان ترتفع القدس إلى مستوى التحدي المطلوب من الجميع مواجهته دون استثناء لأي طرف وقد سبق للامين العام أن تحدث عن انه قد يأتي يوما ولا نجد شيئا من القدس ما يشعل ضوءا احمر أمام الجميع للقيام بواجباتهم بمن فيهم الأطراف العربية والإسلامية.
قضية المراجعة وإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة بعد انطلاقته الأولى قبل ما يقارب الخمسة عقود يعتبر حاجة ضرورية وواجب ديني ووطني فالمتغيرات التي حدثت في هذا المدى الزمني الطويل اوجد وقائع أخرى مختلفة بما فيها استحالة السلام مع العدو وفشل خيار التسوية والمفاوضات وابرز قوى جديدة حليفة للشعب الفلسطيني ما يجعل الجلوس من قبل جميع القوى الفلسطيني لنقاش هذا المشروع والأخذ بالاعتبار المستجدات الحادثة على جميع الصعد أمر حتمي ودون ذلك فإن المشروع الوطني سيبقى دون رؤية صائبة وقدرة على مواجهة المعطيات والتحديات الجديدة ولذلك فإن الالتقاء حول الرؤية التي ذكرها الدكتور شلح تمهد الطريق وتعتبر أرضية مناسبة للبدء في المراجعة المطلوبة بما يخدم القضية والشعب الفلسطيني.
أيضا احتوى خطاب الدكتور شلَّح على واقعية سياسية مهمة وهو يشير إلى استحالة قيام دولة في حدود 67 بسبب المواقف السياسية للقيادة الصهيونية وممارساتها التهويدية الاستيطانية التهجيرية بحق الأرض والإنسان الفلسطيني فهو رغم ذلك طالب بإعادة بناء الكيان الوطني الفلسطيني،والكيان المعنوي بعيداً عن قيود التسوية موضحا "ليكن هو "منطقة التحرير" إن استطاعت التحرر من القيود والتسوية"، وهو في سياق الواقعية أيضا لم يستبعد أن يكون مصير (تل أبيب) كمصير مستوطنة نتساريم فالتمسك بحدود 48 هو ثابت أساسي في ثقافة وعقيدة الشعب الفلسطيني والذي أوصل الصاروخ إلى (تل أبيب) قادر على أن يجعل مصيرها كما نتساريم عندما انسحب منها شارون عام 2005.
خطاب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي يعتبر وثيقة مهمة في العمل الوطني الفلسطيني يمكن أن تتحول إلى بداية لصياغة المشروع الوطني الفلسطيني لو أحسنت الأطراف قراءة واقع المتغيرات والمعادلات الإقليمية والدولية وحال المشهد الصهيوني الداخلي والخارجي، وبالتالي فإن المبادرة إلى مائدة الحوار الوطني الجامع على أساس هذا الخطاب سيكون مدخلا ذي مغزى في تحريك المياه الراكضة في المشهد الفلسطيني.

